آخر الأخبار

الدعم والكهرباء والعملة.. أزمات تضغط على المواطن وتكشف كلفة سوء الإدارة - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

أزمة الكهرباء والدعم تكشف كلفة اختلال الاقتصاد الليبي المتراكم

ليبيا بين أزمة الكهرباء ومعضلة الدعم وإدارة الموارد

تتسع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطن الليبي في ظل تكرار انقطاعات الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، واستمرار الجدل حول مستقبل منظومة الدعم، في وقت تطرح فيه آراء اقتصادية وتجارية متباينة بشأن الطريق الأكثر أماناً لإصلاح الاختلالات المالية دون تحميل المواطن محدود الدخل كلفة إضافية.

وتعيد هذه النقاشات إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية إدارة الموارد النفطية الكبيرة التي تمتلكها ليبيا، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على تحويل تلك الموارد إلى خدمات مستقرة ومستوى معيشة أفضل، بدلاً من استمرار الأزمات التي أصبحت تمس الاحتياجات الأساسية للأسر.

كهرباء تنقطع لساعات وأيام

أستاذ الاقتصاد الدكتور علي الشريف قال، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، إن الفارق بين واقع الكهرباء في ليبيا وبعض الدول الأوروبية بات صارخاً، مشيراً إلى أن دولاً أوروبية تمكنت من الحفاظ على استقرار التيار الكهربائي لما يقارب نصف قرن دون انقطاع، بينما تشهد بعض المناطق الليبية انقطاعات تتجاوز 72 ساعة، إلى جانب انقطاعات يومية قد تتخطى ثماني ساعات.

ويرى الشريف أن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولاً في دولة تمتلك موارد نفطية كبيرة، مؤكداً أن الفساد وسوء الإدارة وغياب التخطيط السليم من بين أبرز الأسباب التي أوصلت قطاع الكهرباء إلى هذا الوضع.

وبحسب هذا الطرح، فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على التعامل اليومي مع نتائج الانقطاعات، وإنما تتطلب معالجة جذور المشكلة، بما في ذلك الإدارة والتخطيط وآليات الإنفاق واستغلال الموارد.

وتعكس أزمة الكهرباء جانباً من مفارقة الاقتصاد الليبي؛ فوفرة الإيرادات النفطية لا تزال قائمة، لكن المواطن لا يحصل بالضرورة على خدمات تتناسب مع حجم الموارد المتاحة، وهو ما يضاعف حالة الاستياء الاجتماعي ويجعل أي نقاش حول الإصلاح الاقتصادي مرتبطاً مباشرة بمستوى الخدمات الأساسية.

مصدر الصورة

الذهب والدولار في المشهد الاقتصادي

وفي سياق أوسع، تناول الشريف أيضاً توجه الصين نحو زيادة مشترياتها من الذهب، مشيراً إلى شراء نحو 88 طناً خلال الشهرين الماضيين، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار توجهها لرفع حصة الذهب ضمن احتياطياتها، بالتزامن مع تقليص حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية.

ويرى الشريف أن هذه التحركات تشير إلى توجه لإعادة هيكلة الاحتياطيات وتنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار، بما يعزز موقع الذهب كأحد الأصول الاستراتيجية في إدارة الاحتياطيات الدولية.

ويأتي استحضار هذه التطورات الدولية في ظل حساسية الوضع النقدي الليبي، حيث أصبح سعر الصرف وقوة الدينار من المحددات المباشرة لقدرة المواطن على شراء الغذاء والدواء وسائر الاحتياجات الأساسية.

الدعم بين الحماية والاستنزاف

أما الملف الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية، فيتمثل في مستقبل الدعم، إذ تشير الآراء المطروحة إلى وجود شبه اتفاق بين اقتصاديين على أن المساس بالدعم في الظروف الحالية يحمل مخاطر اجتماعية واقتصادية كبيرة، خصوصاً مع تراجع القوة الشرائية وارتفاع الأسعار وتكرار خفض قيمة الدينار.

ويؤكد هذا الاتجاه أن إصلاح الدعم، إذا أصبح ضرورة، ينبغي ألا يتحول إلى مجرد وسيلة لتقليص أعباء الدولة، بل يجب أن يسبقه إنشاء شبكة حماية اجتماعية حقيقية وتعويض مباشر للفئات الأكثر هشاشة عن أي زيادات محتملة في الأسعار.

ويذهب هذا الطرح إلى أن المواطن البسيط لا يستطيع تحمل صدمة جديدة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وأن أي سياسة اقتصادية لا تضع قدرته على شراء الخبز والدواء والغذاء في مقدمة أولوياتها قد تؤدي إلى تفاقم الفقر بدلاً من معالجة الاختلال المالي.

وفي المقابل، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن استمرار الدعم بصورته الحالية ليس حلاً مثالياً، لكنه قد يمثل إجراءً إسعافياً مؤقتاً في ظل هشاشة الدولة وضعف قدرتها على تنفيذ وعود التعويض والحماية الاجتماعية.

وبحسب هذا التصور، فإن الأولوية الحالية يجب أن تكون حماية المواطن بصورة مؤقتة، خصوصاً عندما يصل أثر الأزمة إلى رغيف الخبز، على أن تجرى لاحقاً دراسة فعلية تحدد نوع الدعم والفئات المستحقة وآليات التوزيع، وصولاً إلى منظومة أكثر عدالة واستدامة بعد استقرار مؤسسات الدولة.

مصدر الصورة تهريب الوقود

انتقادات تربط الدعم بتهريب الوقود

وفي تعليق على طرح الشريف، قال امحمد المنصوري إن المشكلة لا تكمن فقط في امتلاك ليبيا موارد نفطية كبيرة، مشيراً إلى أن الدول التي حافظت على استقرار الكهرباء لعقود تعتمد أنظمة لترشيد الإنفاق، وتدفع الفاتورة وفق حجم الطلب.

وأشار المنصوري إلى أن الليبيين الذين عاشوا في الخارج اختبروا، بحسب تعبيره، قيمة دعم المحروقات والكهرباء، في إشارة إلى انخفاض أسعار هذه الخدمات داخل ليبيا مقارنة بالأسعار التي يواجهها المواطن في دول أخرى.

من جهته، اعتبر رجل الأعمال حسني بي أن الخيار النقدي والمباشر للدعم هو الحل، منتقداً دعم الأسعار بدلاً من دعم المواطن.

وقال إن فاتورة الدعم تتجاوز حالياً 110 مليارات دينار، وقدّرها بما يعادل نحو 72 ألف دينار للأسرة سنوياً، أو ما يقارب ستة آلاف دينار للأسرة المكونة من ستة أفراد، داعياً إلى إجراء محاكاة رقمية لقياس آثار الخيارات المختلفة قبل اتخاذ أي قرار.

خلاف حول الأولوية: سعر الوقود أم قيمة الدينار؟

رجل الأعمال والتاجر علاء القزار قدم بدوره رؤية مختلفة، قائلاً إنه يختلف مع الشريف في اعتبار استمرار الدعم حالياً الخيار الأقل ضرراً.

وأوضح القزار أن الدعم، في صورته الحالية، يعني عملياً أن الدولة تستخدم جزءاً كبيراً من موارد النقد الأجنبي لاستيراد الوقود ثم تبيعه بسعر شبه مجاني، معتبراً أن ذلك يؤدي إلى التهريب والهدر والاستهلاك المفرط واستنزاف العملة الصعبة.

وبحسب رؤيته، فإن المستفيد من هذا التشوه يحصل على أرباح بالدينار ثم يعود إلى السوق لشراء الدولار، ما يزيد الضغط على العملة ويرفع سعرها، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الخبز والدواء والغذاء وسائر السلع.

وضرب القزار مثالاً افتراضياً بالمقارنة بين ارتفاع سعر الوقود وانخفاض سعر الدولار، معتبراً أن المواطن قد يكون أكثر استفادة إذا ارتفع سعر الوقود إلى مستوى أقرب إلى كلفته الحقيقية، بالتزامن مع إصلاح سعر الصرف، بما يؤدي إلى خفض كلفة الغذاء والدواء والملابس ومواد البناء وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وشدد على أن المطلوب، من وجهة نظره، ليس رفع الدعم بمعزل عن بقية الملفات، وإنما معالجة منظومة الدعم المشوهة بالتوازي مع إصلاح سعر الصرف، وضبط الإنفاق، ومعالجة ملف المرتبات الوهمية، وتقديم تعويض محدود ومباشر لمن يحتاج إليه فعلاً.

مصدر الصورة

الدواء مقابل الوقود.. معادلة تكشف حجم التشوه

استند القزار كذلك إلى مثال يتعلق بالدواء، متسائلاً عن جدوى حصول المواطن على وقود مدعوم إذا كان مريضاً يحتاج إلى دواء ضروري تبلغ قيمته عالمياً 30 أو 40 دولاراً، بينما يصل سعره في ليبيا إلى نحو 300 دينار أو أكثر، بما يجعله عاجزاً عن شرائه.

وأشار إلى أن المبلغ نفسه يمكن، وفق المثال الذي طرحه، أن يتيح تعبئة كمية كبيرة من الوقود المدعوم، بينما تتجاوز القيمة الحقيقية لهذه الكمية ألفي دولار.

ومن هنا يخلص القزار إلى أن الحماية الحقيقية للمواطن، في رؤيته، تبدأ من حماية قيمة دخله وقوة الدينار وقدرته الشرائية، لا من إبقاء الوقود بسعر شبه مجاني في الوقت الذي تصبح فيه الضروريات الأخرى خارج قدرة شرائح واسعة من المواطنين.

حل مرحلي مقابل إصلاح شامل

الشريف رد على القزار موضحاً أن السلع التي كانت تورد كانت تذهب، بحسب قوله، إلى التهريب، وأن كمياتها كانت تكفي تقريباً ثلاث دول من دول الجوار.

واقترح في المقابل معالجة مرحلية تقوم على استيراد الدولة كميات أقل من تلك الاعتمادات وتوزيع السلع عبر الجمعيات التعاونية، معتبراً أن هذا المسار يمكن أن يقلل فاتورة واردات السلع.

وأكد أن هذا الحل، وفق رؤيته، ليس دائماً ولا ينبغي اعتباره بديلاً عن الإصلاح الشامل، بل إجراء مرحلي إلى حين استقرار الدولة وضبط مختلف الملفات، وبعدها تتم معالجة الدعم بصورة صحيحة تعالج تشوه الأسعار وتحد من التهريب.

وتكشف مجمل المواقف أن الخلاف لا يدور فقط حول الإبقاء على الدعم أو رفعه، بل حول ترتيب الإصلاحات نفسها: هل تبدأ الدولة بتغيير منظومة الدعم، أم بإصلاح سعر الصرف، أم بضبط الإنفاق والتهريب، أم ببناء شبكة حماية اجتماعية تسبق أي قرار يرفع الأسعار؟

وفي جميع الأحوال، يبقى المواطن الحلقة الأكثر تعرضاً لتبعات هذه الاختلالات، إذ إن أي إصلاح اقتصادي لا يرافقه تحسن ملموس في القوة الشرائية واستقرار الكهرباء وتوافر الدواء والغذاء، قد يتحول إلى عبء إضافي على الأسر بدلاً من أن يكون مدخلاً لمعالجة الأزمة.

وتضع هذه المناقشات السلطات والمؤسسات المعنية أمام اختبار حقيقي: الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى بناء سياسة اقتصادية متكاملة، توازن بين حماية المواطن وترشيد الإنفاق، وتغلق منافذ التهريب والهدر، وتحافظ على موارد الدولة، وصولاً إلى منظومة دعم عادلة وشفافة تستهدف مستحقيها دون أن تتحول إلى مصدر دائم لاستنزاف المال العام والعملات الأجنبية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا