فاتورة الدولار تتضخم.. ليبيا تنفق 16 مليار دولار في 7 أشهر
كشفت إدارة البحوث والإحصاء بمصرف ليبيا المركزي عن بلوغ إجمالي استخدامات المصارف التجارية من النقد الأجنبي نحو 16 مليار دولار خلال الفترة من يناير وحتى نهاية يوليو 2026، بزيادة بلغت 4.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في رقم يعكس استمرار الطلب المرتفع على العملة الأجنبية لتمويل الاستيراد والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت تواصل فيه ليبيا الاعتماد بصورة كبيرة على النقد الأجنبي الناتج عن صادرات النفط، بينما تواجه العملة المحلية ضغوطًا متزايدة في السوق، ما يجعل حجم مبيعات الدولار عبر القنوات المصرفية أحد المؤشرات المهمة على اتجاهات الطلب على العملة الأجنبية وقدرة الاقتصاد على استيعابها وتوظيفها.
أرقام مصرف ليبيا المركزي تكشف حجمًا ضخمًا من النقد الأجنبي جرى استخدامه عبر القطاع المصرفي خلال سبعة أشهر فقط، بإجمالي بلغ نحو 15.987 مليار دولار.
وتشير الزيادة السنوية البالغة 4.2% إلى أن الطلب على العملة الأجنبية لم يتراجع رغم الإجراءات التنظيمية والرقابية التي اتخذها المصرف المركزي لتنظيم عمليات بيع النقد الأجنبي.
ويعكس ذلك استمرار حاجة السوق الليبية إلى الدولار لتمويل الواردات والاعتمادات المستندية والحوالات والاستخدامات الشخصية، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية.
استحوذت الاعتمادات المستندية على النصيب الأكبر من عمليات استخدام النقد الأجنبي، حيث بلغ عدد الطلبات المقبولة 10,266 طلبًا من أصل 11,627 طلبًا، أي نحو 88.3% من إجمالي الطلبات المقبولة.
وبلغ عدد الجهات المستفيدة التي قبلت طلباتها لتغطية الاعتمادات المستندية والحوالات المتنوعة نحو 2,850 جهة.
وتكشف هذه الأرقام عن الوزن الكبير الذي تمثله التجارة الخارجية في الطلب على العملة الصعبة، خصوصًا أن الاعتمادات المستندية تعد إحدى أهم القنوات المصرفية المستخدمة لتمويل عمليات الاستيراد.
على مستوى طبيعة الاستخدامات، أظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن أهم عشر مجموعات سلعية وخدمية من حيث قيمة طلبات شراء النقد الأجنبي المقبولة استحوذت على أكثر من 2.2 مليار دولار.
وبلغت حصة هذه المجموعات نحو 23.9% من إجمالي الطلبات، ما يوضح تركز جانب مهم من الطلب على الدولار في مجموعة محددة من السلع والخدمات.
في المقابل، جاءت مستلزمات الإنتاج والتشغيل والمواد الخام في المرتبة الثانية، بقيمة تجاوزت 1.6 مليار دولار، وبنسبة بلغت نحو 17.1%.
وهنا يبرز جانب مهم في قراءة الأرقام؛ فجزء من النقد الأجنبي لا يذهب فقط إلى السلع الاستهلاكية، بل يستخدم أيضًا في توفير مدخلات الإنتاج والتشغيل، بما يجعل طبيعة الواردات وتمويلها عاملًا أساسيًا في تقييم الأثر الاقتصادي لمبيعات العملة الأجنبية.
على مستوى المصارف التجارية، تصدر مصرف الجمهورية قائمة الأكثر استخدامًا للنقد الأجنبي بحصة سوقية بلغت 16.72%، وبقيمة تقارب 2.6 مليار دولار.
وجاء مصرف الأمان للتجارة والاستثمار في المرتبة الثانية بحصة بلغت 11%، وبقيمة تقدر بنحو 1.7 مليار دولار.
وحل مصرف الوحدة ثالثًا بحصة بلغت 8.17%، وقيمة قاربت 1.3 مليار دولار.
وتعكس هذه البيانات تفاوت حجم تعاملات المصارف مع النقد الأجنبي، بحسب قاعدة عملائها وحجم عمليات التجارة الخارجية والاعتمادات والحوالات التي تتم من خلالها.
اللافت في المشهد أن ارتفاع استخدامات النقد الأجنبي يأتي بالتزامن مع استمرار ضخ الدولار عبر القنوات الرسمية.
فزيادة المعروض الرسمي من العملة الأجنبية يفترض أن تساعد في تلبية الطلب وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، إلا أن استمرار الضغوط على الدينار يطرح تساؤلات حول مدى كفاية هذه التدفقات لمعالجة الاختلالات الموجودة في سوق الصرف.
ولا يرتبط سعر العملة المحلية بحجم الدولار المتاح فقط، وإنما يتأثر أيضًا بحجم الطلب، وثقة المتعاملين، والسياسة النقدية، ومستوى الإنفاق العام، وحركة التجارة الخارجية، إضافة إلى توقعات السوق بشأن مستقبل سعر الصرف.
تظل العلاقة بين النفط والنقد الأجنبي واحدة من أهم مفاتيح فهم الاقتصاد الليبي.
فارتفاع إنتاج ومبيعات النفط يوفر المصدر الرئيسي للدولار الذي يمكن للمصرف المركزي استخدامه في تمويل احتياجات السوق، لكن الجزء الأكبر من الاقتصاد المحلي يعتمد على الواردات، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من العملة الأجنبية يعاد توجيهه إلى الخارج عبر تمويل السلع والخدمات.
وبالتالي، فإن زيادة إيرادات النفط قد تؤدي إلى ارتفاع قدرة المصرف المركزي على توفير النقد الأجنبي، لكنها لا تعني بالضرورة انخفاض الطلب عليه، خصوصًا في ظل ضعف قاعدة الإنتاج المحلي واعتماد قطاعات واسعة على السلع المستوردة.
السؤال الأهم لا يتعلق فقط بحجم النقد الأجنبي الذي تم بيعه، وإنما بكيفية استخدامه والنتائج التي حققها للاقتصاد الليبي.
فإذا اتجهت الاعتمادات المستندية بصورة أكبر إلى تمويل المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والمعدات، فإن مبيعات الدولار يمكن أن تسهم في دعم النشاط الاقتصادي ورفع القدرة الإنتاجية وتقليل بعض أشكال الاختناق في السوق.
أما إذا تركز جانب كبير من الطلب في السلع الاستهلاكية والاستيراد غير المنتج، فإن ضخ المزيد من العملة الأجنبية قد يؤدي إلى استمرار خروج الموارد المالية إلى الخارج دون إحداث تحول جوهري في هيكل الاقتصاد المحلي.
الأرقام الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي ترسم صورة واضحة لسوق نقد أجنبي ضخم؛ قرابة 16 مليار دولار خلال سبعة أشهر، وأكثر من 11.6 ألف طلب مقبول، وآلاف الجهات المستفيدة.
لكن ضخامة الرقم لا تعني وحدها نجاح السياسة النقدية أو استقرار سعر الصرف.
فالمعيار الأهم يبقى في قدرة الاقتصاد على تحويل النقد الأجنبي من مجرد وسيلة لتمويل الاستيراد إلى أداة لدعم الإنتاج والاستثمار، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتعزيز قيمة الدينار.
ومع استمرار اعتماد الدولة على النفط كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، تبقى معادلة ليبيا الاقتصادية معلقة بين دولارات النفط من جهة، وفاتورة الاستيراد والطلب المتزايد على العملة الأجنبية من جهة أخرى.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤