آخر الأخبار

أطفال ليبيا يدفعون فاتورة الحروب.. جراح نفسية تهدد جيل المستقبل  - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

أطفال ليبيا في مرمى آثار النزاعات.. صدمات نفسية وتعليم مهدد بلا مستقبل

لم تتوقف تداعيات النزاعات والأزمات الأمنية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية عند الخسائر البشرية والمادية، بل امتدت آثارها إلى الأطفال الذين عاش كثير منهم تجارب الخوف والعنف والنزوح وفقدان أحد أفراد الأسرة أو المنزل، في مراحل عمرية يفترض أن تكون مخصصة للتعلم والنمو وبناء الشخصية.

وتشير إفادات مختصين في علم النفس والعمل الاجتماعي إلى أن هذه التجارب قد تترك آثارًا نفسية واجتماعية وتعليمية متفاوتة، تبدأ بالخوف والقلق واضطرابات النوم وصعوبة التركيز، وقد تصل في بعض الحالات إلى العزلة وتغير السلوك واضطرابات ما بعد الصدمة، ما يجعل حماية الأطفال ومعالجة آثار النزاعات قضية تتجاوز الحاضر إلى مستقبل المجتمع الليبي.

الخوف.. الوجه الآخر للنزاع

الأكاديمية الليبية سناء اشتيوي أوضحت أن تأثير النزاعات والعنف يختلف من طفل إلى آخر بحسب عمره وطبيعة التجربة التي مر بها، إلا أن الخوف واضطرابات النوم وصعوبة التركيز وفقدان الشعور بالأمان تعد من أبرز التداعيات التي يمكن أن تظهر بعد التعرض للأحداث الصادمة.

وقد ينعكس ذلك على سلوك الطفل داخل المنزل والمدرسة، إذ يمكن أن يصبح أكثر انطواءً أو عدوانية، أو يتعلق بذويه بصورة أكبر نتيجة القلق والخوف، بينما تظهر لدى أطفال آخرين أعراض مثل فقدان الشهية والكوابيس والتبول اللاإرادي.

ولا تتوقف آثار التجربة عند لحظة انتهاء الخطر، إذ يمكن لبعض الأحداث الصادمة أن تظل حاضرة في ذاكرة الطفل، وتظهر تداعياتها بعد فترة من وقوعها، خاصة إذا لم تتوافر له بيئة آمنة ودعم أسري واجتماعي يساعده على تجاوز التجربة.

النزوح.. فقدان المكان والأمان

يمثل النزوح أحد أكثر الآثار تعقيدًا على الأطفال، إذ لا يعني بالنسبة لهم مجرد الانتقال من منزل إلى آخر، وإنما فقدان البيئة التي اعتادوا عليها، والابتعاد عن المدرسة والأصدقاء والمحيط الاجتماعي المألوف.

وترى اشتيوي أن انتقال الطفل إلى بيئة جديدة قد يصعّب عملية اندماجه ويؤثر في استقراره النفسي والاجتماعي، فضلًا عن انعكاس ظروف النزوح على مساره التعليمي.

وتزداد الضغوط عندما تواجه الأسرة النازحة ظروفًا اقتصادية واجتماعية صعبة تحد من قدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية للأطفال، ما يجعل الطفل أمام سلسلة متراكمة من التغيرات تبدأ بفقدان المنزل أو البيئة وتنتهي أحيانًا بالابتعاد عن التعليم والمجتمع المحيط.

مصدر الصورة

المدرسة.. خط الدفاع الأول

لا تقتصر تداعيات النزاعات على الجانب النفسي، إذ يمكن أن تمتد إلى التحصيل الدراسي وقدرة الطفل على التركيز والتفاعل مع زملائه ومعلميه.

وتؤكد المعطيات التي طرحها المختصون أهمية مراقبة التغيرات التي تطرأ على سلوك الطفل ومستواه الدراسي وعلاقته بالآخرين، باعتبارها مؤشرات يمكن أن تساعد الأسرة والمدرسة في اكتشاف المشكلات النفسية في وقت مبكر.

وقد يكون تراجع المستوى الدراسي أو الانعزال عن الزملاء أو فقدان الرغبة في المشاركة داخل الفصل علامات تستدعي مزيدًا من الاهتمام، خصوصًا لدى الأطفال الذين مروا بتجارب عنف أو نزوح أو فقدان أحد أفراد الأسرة.

دعم نفسي لا وصمة فيه

تشدد سناء اشتيوي على أن بعض الأطفال المتضررين قد يحتاجون إلى مساعدة متخصصين نفسيين، مؤكدة أهمية عدم ممارسة الضغوط عليهم، وتوفير بيئة آمنة وداعمة تساعدهم على استعادة الشعور بالأمان.

كما أن اللجوء إلى جلسات الدعم أو العلاج النفسي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مصدرًا للخجل، بل باعتباره وسيلة لمساعدة الطفل على استعادة توازنه والتعامل مع آثار التجربة التي مر بها.

وتختلف احتياجات الأطفال من حالة إلى أخرى؛ فبينما قد يتجاوز بعضهم آثار التجربة مع مرور الوقت ووجود الدعم المناسب، قد يحتاج آخرون إلى تدخل متخصص وبرامج علاجية تساعدهم على العودة تدريجيًا إلى حياتهم الطبيعية.

مصدر الصورة

الفئات الأكثر هشاشة

رئيسة منظمة الرونق للأم والطفل، رفيعة البرناوي، أشارت إلى أن الأطفال الذين تعرضوا للعنف أو النزوح أو فقدان أحد أفراد الأسرة، إلى جانب الأطفال ذوي الإعاقة والأطفال الموجودين في المناطق المتضررة من النزاعات، يعدون من أكثر الفئات عرضة للتأثر بتداعيات الأزمات.

وترى البرناوي أن هذه الفئات تحتاج إلى توفير الأمان والدعم النفسي والاحتواء الأسري والاجتماعي، بالتوازي مع ضمان استمرار العملية التعليمية والعمل على تعويض الفاقد التعليمي.

وتبرز هنا أهمية عدم التعامل مع آثار النزاعات باعتبارها مشكلة نفسية منفصلة، إذ تتداخل معها عوامل التعليم والأسرة والوضع الاقتصادي والاندماج الاجتماعي، ما يتطلب استجابة متكاملة.

الأسرة والمدرسة في مواجهة آثار الحرب

تتوزع مسؤولية حماية الأطفال بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية والنفسية، فوجود بيئة أسرية مستقرة يمكن أن يمنح الطفل مساحة لاستعادة الثقة والشعور بالأمان، بينما تستطيع المدرسة توفير إطار منتظم للتعلم والتفاعل مع الأقران.

وفي المقابل، تضطلع المؤسسات المتخصصة بدور مهم في اكتشاف الحالات التي تحتاج إلى تدخل نفسي واجتماعي، وتقديم المساعدة اللازمة للأطفال وأسرهم، والعمل على إعادة دمج الأطفال المتضررين في محيطهم.

ويظل التنسيق بين هذه الجهات عنصرًا أساسيًا، لأن ترك الطفل لمواجهة آثار التجربة بمفرده قد يؤدي إلى استمرار المشكلات النفسية والتعليمية لفترة أطول.

الحاجة إلى برنامج وطني لحماية الأطفال

ترى رفيعة البرناوي أن ليبيا بحاجة إلى برنامج وطني متكامل لحماية الأطفال، يتضمن خدمات للدعم النفسي والاجتماعي، والاستعانة بأخصائيين مؤهلين داخل المدارس، إلى جانب برامج لتعويض الفاقد التعليمي.

كما تتطلب حماية الأطفال تعزيز الإجراءات الرامية إلى منع العنف والاستغلال، وتوفير الدعم للأسر المتضررة، ونشر ثقافة السلام والحوار ونبذ العنف.

ولا يتعلق الأمر فقط بمعالجة آثار الماضي، وإنما بمنع انتقالها إلى المستقبل؛ فالطفل الذي يكبر في بيئة مضطربة دون دعم مناسب قد يحمل آثار التجربة إلى مراحل لاحقة من حياته، بما ينعكس على علاقاته وتعليمه وقدرته على بناء مستقبل مستقر.

مصدر الصورة

من آثار الحرب إلى بناء المستقبل

رغم قسوة التجارب التي مر بها الأطفال في ليبيا، فإن وجود بيئة آمنة وعلاقات أسرية واجتماعية داعمة، إلى جانب الدعم النفسي والتعليمي، يمكن أن يساعد على استعادة الشعور بالأمان والثقة والعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية.

وتكشف هذه الصورة أن حماية الأطفال ليست ملفًا إنسانيًا هامشيًا، بل جزء أساسي من أي مشروع لإعادة بناء ليبيا بعد سنوات من النزاعات. فإعادة إعمار المدن والمباني لا تكتمل دون إعادة بناء الإنسان، وفي مقدمة ذلك الأطفال الذين عاشوا سنوات من الاضطراب وهم الأكثر حاجة إلى الأمان والتعليم والرعاية.

ويبقى الاستثمار في الصحة النفسية والتعليم والحماية الاجتماعية للأطفال أحد أهم الاستثمارات في مستقبل ليبيا، لأن تجاوز آثار النزاعات لا يتحقق فقط بإسكات صوت السلاح، وإنما أيضًا بمساعدة جيل كامل على استعادة ثقته بنفسه ومجتمعه ومستقبله.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا