تجدد النقاش الاقتصادي في ليبيا حول طبيعة المنافسة داخل الأسواق، وحدود تدخل الدولة، والعلاقة بين الإنفاق العام والسياسة النقدية وسعر الصرف، في وقت تتواصل فيه الضغوط على معيشة المواطنين وتتعمق الاختلالات المالية والنقدية التي يربطها اقتصاديون بانقسام مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القرار والإنفاق.
وبدأ النقاش بمنشور لأستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور عطية الفيتوري، تناول فيه المنافسة باعتبارها مفهوماً اقتصادياً يرتبط بتعارض المصالح بين أطراف السوق، موضحاً أن الأفراد والمؤسسات والدول لا ينظرون إلى المنافسة بالطريقة نفسها، وإنما وفقاً لما تحققه من منافع لكل طرف.
قال الفيتوري إن المنافسة تكون مرغوبة عندما تخدم المصالح الخاصة، بينما تصبح غير مرغوبة عندما تتعارض معها، مشيراً إلى أن ضغط المنافسة على البائعين أو المشترين قد يقود في بعض الحالات إلى سيطرة وحدة أو مجموعة وحدات على السوق، بما ينتهي إلى الاحتكار.
وأوضح أن تجنب المنافسة يمكن أن يحدث من خلال اندماج الوحدات المنتجة أو مقدمي الخدمات، وهو ما يفسر تدخل الحكومات لمنع بعض الاندماجات في قطاعات مثل المصارف والتأمين والنقل الجوي إذا كان من شأنها خلق حالة احتكارية.
وأشار إلى تعارض مصالح البائع والمشتري؛ فالبائع يسعى إلى الحد من المنافسة وتعظيم منفعته، بينما يرحب المشتري بها لأنها تمنحه قدرة أكبر على التفاوض. وضرب مثالاً بعلاقة المستثمر والمدخر، إذ يرغب المستثمر في خفض سعر الفائدة لتقليل تكلفة التمويل وزيادة أرباحه، في حين يفضل المدخر رفعها لزيادة دخله.
ورأى الفيتوري أن الصراع حول وجود المنافسة من عدمها لا يقتصر على الأفراد والمؤسسات، بل يمتد إلى الدول، حيث تسعى الدولة الأقوى إلى تعزيز موقعها وتجنب منافسين يحدون من قدرتها على التحكم في الظروف المحيطة بها.
وأكد أن الوضع التنافسي يبقى الأفضل من حيث المبدأ لأنه يمنع سيطرة طرف على طرف آخر، لكنه أشار إلى أن هذا الوضع لا يرضي جميع الأطراف دائماً، وأن بعض القوى ستواصل محاولة الخروج منه، وقد تنجح في ذلك.
عضو لجنة السياسة النقدية بالمصرف المركزي وأستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي أيوب الفارسي، اتفق مع الفيتوري في جوهر الطرح، لكنه ذهب إلى أن المنافسة ذاتها تحمل في داخلها إمكانية الوصول إلى نقيضها.
وقال الفارسي إن الإنسان، سواء كان فرداً أو مؤسسة أو دولة، لا يحب المنافسة لذاتها، وإنما يحب نتائجها عندما تصب في مصلحته، موضحاً أنها تمثل فضيلة بالنسبة للمشتري لأنها تكبح ارتفاع الأسعار، لكنها تصبح عائقاً أمام البائع الذي يسعى إلى التحرر من قيودها لتعظيم أرباحه.
وأضاف أن المنافسة الشديدة قد تؤدي إلى غلبة طرف على آخر، ومن ثم ينشأ السعي الطبيعي نحو الاحتكار، معتبراً أن السيطرة المطلقة تمثل غاية مضمرة لدى الكيانات القوية التي تمتلك أدوات الهيمنة.
وربط الفارسي ذلك بجدلية التوازن والتدخل، موضحاً أن ما يوصف بالسعر التوازني أو السعر العادل ليس وضعاً تلقائياً ومستقراً، وإنما نتيجة صراع مستمر بين مصالح متعارضة. ومن هنا، بحسب رأيه، تظهر أهمية الدولة في وضع قواعد المنافسة ومنع الاحتكار، لأن ترك السوق لمنطق القوة المطلقة قد يقود إلى سيادة الطرف الأقوى وتهميش بقية الأطراف.
ورد الفيتوري موضحاً أن السعر التوازني يختلف عن السعر العادل، مشيراً إلى أن السعر التوازني يمكن أن يتحقق حتى في حالة الاحتكار عندما يتساوى العرض والطلب في السوق، بينما السعر العادل، وفق تعريفه، هو السعر الذي يتساوى مع التكلفة، وتحديداً التكلفة الحدية، بما تنتفي معه الحالة الاحتكارية من جانب العرض أو الطلب.
دخل الخبير الاقتصادي إدريس الشريف على خط النقاش، منتقداً ما وصفه بممارسات بعض التجار الذين يرفعون شعار المنافسة، بينما يستخدمون في الواقع وسائل تؤدي إلى إقصاء منافسين أصغر.
وقال الشريف إن بعض التجار قاموا بعرض سلع بأقل من تكلفتها، ما أدى إلى خسائر لدى التجار الصغار وإخراجهم من السوق بصورة كاملة، مضيفاً أن هناك وقائع موثقة، بحسب قوله، يعرفها العاملون في الأسواق بشأن سلع معينة أصبحت محتكرة من طرف واحد.
وتعيد هذه الملاحظات النقاش الاقتصادي إلى واقع السوق الليبية، حيث لا تقتصر مسألة المنافسة على المفهوم النظري، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بأسعار السلع وقدرة المشروعات الصغيرة على البقاء، وبمدى قدرة الجهات الرقابية على منع الممارسات التي قد تقود إلى الإقصاء أو الاحتكار.
وفي محور أوسع، قال الفارسي إن الاقتصاد الليبي يمثل نموذجاً للتحول من الاعتماد المفرط على النفط إلى أزمة مالية مركبة، معتبراً أن غياب التنويع الاقتصادي والتشرذم السياسي انعكسا بصورة مباشرة على حياة المواطن ومعيشته.
وأوضح أن الاعتماد على النفط أدى إلى اختلالات هيكلية، من بينها تهميش القطاعات الإنتاجية، وتضخم الجهاز الإداري، والاعتماد الكبير على الاستيراد لتوفير معظم السلع الاستهلاكية.
وأضاف أن الانقسام السياسي فاقم الأزمة عبر نشوء مالية عامة متوازية وإنفاق استهلاكي مرتفع من الأطراف المتنافسة، ما دفع المرتبات والدعم إلى مستويات وصفها بغير المسبوقة.
وأشار إلى أن تكرار إغلاق النفط وتراجع الإيرادات دفع السلطات المالية في مراحل سابقة إلى اللجوء للتمويل بالعجز والتوسع في الدين العام، الأمر الذي أدى إلى زيادة الكتل النقدية في السوق دون زيادة مقابلة في الإنتاج.
وقال الفارسي إن تدهور المالية العامة وضع المصرف المركزي أمام وضع بالغ التعقيد، ودفعه إلى اتخاذ قرارات اضطرارية لحماية الاحتياطيات، فيما تآكلت قيمة الدينار وشحت السيولة وتراجعت الثقة وتعطلت أدوات التنمية، لتتحول السياسة النقدية، بحسب وصفه، من وسيلة لتحفيز النمو والاستثمار إلى أداة لإدارة الأزمات اليومية.
ودعا إلى معالجة جذور المشكلة عبر توحيد إدارة المالية العامة وضبط الإنفاق الحكومي وتنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية تقود تدريجياً إلى اقتصاد متعدد الموارد.
رجل الأعمال حسني بي اتفق مع الجزء الأكبر من تشخيص الفارسي، خصوصاً في ما يتعلق بالتوسع في الإنفاق دون نمو مقابل في الإنتاج، والانقسام المالي، وتعدد مراكز الإنفاق، معتبراً أن هذه العوامل تؤدي إلى زيادة السيولة والطلب على النقد الأجنبي والضغط على الدينار.
لكنه تحفظ على ترتيب الأسباب والنتائج، وقال إن النفط ليس المشكلة في حد ذاته، وإنما تكمن المشكلة في طريقة إدارة ريع النفط.
وأوضح أن دولاً تعتمد بدرجات متفاوتة على النفط والغاز والموارد الطبيعية تمكنت من تحويل إيراداتها إلى أصول وبنية تحتية وصناديق واستثمارات واقتصاد أكثر إنتاجية. أما ليبيا، بحسب طرحه، فتحصل على الجزء الأكبر من موارد الدولة بالدولار من النفط والغاز، ثم تحولها إلى دينار وتستخدم جانباً كبيراً منها في تمويل نموذج إنفاق واستهلاك دائم.
ويرى حسني بي أن السؤال العاجل لا ينبغي أن يقتصر على كيفية تنويع مصادر الدخل، وإنما يجب أن يبدأ بكيفية إدارة المورد الموجود حالياً، لأن التنويع يحتاج إلى سنوات، بينما الاختلال المالي والنقدي قائم بالفعل.
وفي ما يتعلق بسعر الصرف، دعا حسني بي إلى قدر أكبر من الدقة عند ربط قرارات المصرف المركزي بتراجع قيمة الدينار.
وقال إن توسع الإنفاق العام، ونمو عرض النقود بوتيرة أسرع من الإنتاج الحقيقي، وزيادة حجم الدينارات التي تطارد كمية محدودة من السلع والعملات الأجنبية، كلها عوامل تنشئ ضغطاً على سعر الصرف قبل اتخاذ المصرف المركزي قرار تعديل السعر.
وأضاف أن تعديل المصرف المركزي لسعر الصرف قد يمثل، في جانب مهم منه، اعترافاً باختلال قائم بالفعل، وليس بالضرورة سبباً في نشوئه.
وطرح سؤالاً اعتبره محورياً في فهم الأزمة الاقتصادية الليبية: بدلاً من السؤال فقط عن مكان ذهاب الدولار، ينبغي أيضاً السؤال عن مصدر كل الدينارات التي تطارد الدولار.
وأشار إلى أن السياسة المالية تنفق وتضخ الدينار، ثم تطالب السياسة النقدية في الوقت نفسه بالحفاظ على قيمته وتوفير الدولار وحماية الاحتياطيات وكبح التضخم، معتبراً أن أي مصرف مركزي لن يستطيع تحقيق هذه الأهداف إلى ما لا نهاية إذا استمرت السياسة المالية في الاتجاه المعاكس.
واتفق حسني بي مع الفارسي على أن توحيد المالية العامة وضبط الإنفاق يمثلان شرطاً أساسياً للاستقرار النقدي، لكنه شدد على أن توحيد الإنفاق وحده لا يكفي.
وقال إن توحيد الميزانية مع استمرار الإنفاق بأكثر مما يستطيع الاقتصاد تحمله لن يعالج جذور الأزمة، مشدداً على ضرورة ضبط حجم الإنفاق ونوعيته في آن واحد.
كما رفض اختزال ملف المرتبات والدعم في أرقام ينبغي خفضها محاسبياً، داعياً إلى إصلاح بنيتهما. وفي ما يتعلق بالدعم، قال إن المطلوب ليس إلغاؤه وترك المواطن يتحمل التكلفة، وإنما تحويل دعم السلع إلى دعم نقدي مباشر للمواطن، مع إصلاح الأسعار تدريجياً، بحيث يتحول الدعم لاحقاً إلى شبكة حماية تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً.
ورأى أن هذا المسار يمكن أن يحمي المواطن ويقلل في الوقت ذاته حوافز الهدر والتهريب.
ليبيا الغنية بالنفط تواجه أزمة خدمات متفاقمة وسط فجوة بين الموارد والإنفاقوحذر حسني بي من اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر الموازي، قائلاً إن الوصول إلى الدولار بالسعر الرسمي يصبح في هذه الحالة أصلاً مالياً يحقق ريعاً بمجرد الحصول عليه، بما يؤدي إلى خلق طلب إضافي على النقد الأجنبي ثم محاولة مكافحته لاحقاً.
وفي المقابل، شدد على أن بناء اقتصاد متعدد الموارد لا ينبغي أن يكون مجرد إضافة قطاعات مثل الزراعة والصناعة والسياحة إلى جانب النفط، بل يجب أن تتحول تلك القطاعات إلى مصادر فعلية للقيمة المضافة والتوظيف والتصدير والضرائب والتمويل المصرفي، وأن تتمكن من الاستمرار دون الاعتماد الدائم على الخزانة العامة.
واختصر حسني بي رؤيته في أن النفط ليس المرض، والدينار ليس المرض، والسوق الموازية ليست المرض، وإنما تكمن المشكلة في منظومة ينمو فيها الإنفاق وخلق النقود وتوزيع الريع بوتيرة أسرع من الإنتاج وخلق القيمة.
ويكشف النقاش، في مجمله، أن الأزمة الاقتصادية الليبية لا تنحصر في سعر الصرف أو النفط أو الدعم أو السيولة منفردة، وإنما تتداخل فيها إدارة الموارد العامة مع السياسة المالية والنقدية وهيكل السوق ومستوى الإنتاج والانقسام المؤسسي. وبينما تتباين الآراء بشأن موقع النفط في سلسلة الأسباب، تتقاطع الطروحات عند ضرورة ضبط الإنفاق وتوحيد المالية العامة ومنع الاحتكار وإعادة بناء القطاعات المنتجة، بما يضع مصلحة المواطن واستقرار معيشته في صميم أي إصلاح اقتصادي مقبل.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤