أزمات الخدمات والأمن تعمّق أزمة السلطة وتدفع ليبيا نحو تغيير سياسي مرتقب
تتداخل في المشهد الليبي الراهن مؤشرات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية تعكس اتساع الفجوة بين السلطة التنفيذية والشارع، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالانتخابات وتوحيد المؤسسات ومعالجة الأزمات المعيشية والأمنية، بينما تعود أحداث مدينة الزاوية إلى واجهة النقاش السياسي والأمني بعد نحو أسبوعين من اندلاعها، بما تحمله من تداعيات على مستقبل الترتيبات في المنطقة الغربية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس اللجنة السياسية بمجلس الدولة الاستشاري، محمد معزب، وجود درجة من الجفاء في العلاقة بين رئيس مجلس الدولة الاستشاري محمد تكالة ورئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة خلال الفترة الأخيرة، مرجعاً ذلك إلى عدة عوامل، بينها المبادرة الأميركية، والتوافق الذي جمع تكالة برئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي قبل نحو شهرين بشأن خريطة طريق جديدة لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وبحسب معزب، فإن الخريطة تستهدف أيضاً التمهيد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل نهاية فبراير المقبل، بينما لا يرغب الدبيبة، وفق تقديره، في الشعور بأنه أصبح معزولاً سياسياً وشعبياً في منطقة نفوذه غرب البلاد، وربما يسعى إلى الحصول على دعم سياسي من مجلس منتخب، خصوصاً مع اقتراب إعلان نتائج لجنة أربعة زائد أربعة بشأن القوانين الانتخابية والمفوضية الوطنية.
ويرى معزب أن حكومة الدبيبة لديها مصلحة في تطبيق نتائج اللجنة، لأن التمهيد للانتخابات يتطلب تشكيل سلطة تنفيذية موحدة على مستوى البلاد، على أن تتقاسم الأطراف السياسية مقاعدها، لكنه أكد في الوقت ذاته أن مجلسه ما زال يرفض أي علاقة له بأعمال اللجنة.
وفي مقابل قراءة معزب، يرى المحلل السياسي محمد محفوظ أن العلاقة بين الدبيبة وتكالة ليست متوترة بالدرجة التي يجري الحديث عنها، مشيراً إلى أن الدبيبة لم يعلن موقفاً واضحاً مؤيداً للمبادرة الأميركية حتى يمكن اعتبارها سبباً لخلاف حقيقي بين الرجلين.
وقال محفوظ إن زيارة الدبيبة لتكالة تستهدف البحث عن سند سياسي لحكومته، خصوصاً مع تراجع الحديث عن المبادرة الأميركية، لافتاً إلى أن التحالفات في ليبيا تتغير باستمرار وفق مصالح الأطراف المتصارعة على السلطة، وليس بالضرورة وفق المصلحة الوطنية.
في المقابل، رفض مدير مركز صادق للدراسات أنس القماطي تفسير الزيارة باعتبارها بحثاً عن سند سياسي لدى تكالة، معتبراً أن الدبيبة أراد توجيه رسالة مفادها أنه لا يزال قادراً على تعطيل أي ترتيبات يتم تجاوز دوره فيها. وربط القماطي ذلك بتفاقم أزمتي الكهرباء والوقود وخروج احتجاجات في مواجهة الحكومة، معتبراً أن ذلك ربما دفع القائمين على الوساطة الأميركية إلى الاعتقاد بأن الدبيبة أصبح أضعف إلى درجة تجعل الاستغناء عنه ممكناً.
وبعيداً عن الحسابات السياسية، تتصدر أزمات الوقود والكهرباء والخدمات المشهد المعيشي، وسط انتقادات متصاعدة لأداء حكومة الوحدة.
وفي هذا الإطار، أثار عميد بلدية تاجوراء السابق حسين بن عطية تساؤلات بشأن رفض الدبيبة مقترح تركيب أجهزة تتبع على شاحنات الوقود بهدف السيطرة على عمليات التوزيع ومنع التهريب. وقال بن عطية إن المقترح قدمه وزير البيئة خلال اجتماع علني، واعتبر أن أجهزة التتبع إجراء منخفض التكلفة يمكن أن يحمي أموال الدولة.
وأشار إلى استخدام دول مثل كينيا وتنزانيا والأردن والمكسيك وتركيا تقنية التتبع الرقمي، معتبراً أنها حققت نتائج في مكافحة التهريب، ومعبراً عن اعتقاده بأن رفض المقترح يطرح أسئلة وشكوكاً حول أسباب عدم اعتماد وسيلة تستهدف حماية الاقتصاد العام.
وفي السياق ذاته، انتقد المحلل السياسي محمد قشوط مظاهر الترف التي قال إنها تظهر لدى بعض المسؤولين في وقت يواجه فيه المواطنون أزمات معيشية متفاقمة. واعتبر أن المسؤولين في الدول التي تحترم شعوبها ينصرفون أثناء الأزمات إلى معالجة مشكلات المواطنين، بدلاً من الظهور في الاحتفالات والسفر ومظاهر الرفاهية.
واتهم قشوط حكومة الدبيبة بفرض نفسها بالأمر الواقع، وليس بشرعية القانون، وربط ذلك بإخفاقات في ملفات الوقود والكهرباء والخدمات، مستشهداً بأزمة الحريق الذي طال خزانات الوقود في الزاوية، والأضرار التي لحقت بمحطة كهرباء الزاوية، وطرح الأحمال خلال ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب طوابير المواطنين أمام محطات الوقود.
وانتقد قشوط ظهور الدبيبة في رالي عرعار بمدينة مصراتة، ووصوله، وفق وصفه، في رتل من السيارات الفخمة، معتبراً أن ذلك لا يتناسب مع الظروف التي يعيشها المواطنون، كما انتقد تداول مقاطع من أجواء الرالي في وقت تستمر فيه أزمات الكهرباء والوقود والخدمات.
المحلل السياسي، محمد قشوط،وتصاعدت الانتقادات أيضاً من زاوية الإنفاق العام، إذ قال المحلل السياسي جمال الحاجي إن الأموال التي تدفعها جهات خارجية مرتبطة بحكومة الدبيبة، وفق تعبيره، كان يمكن أن تكفي لاستئجار سفن لتعويض نقص الكهرباء، مشيراً إلى أن الأزمة وصلت، بحسب قوله، إلى توقف مراكز لغسيل الكلى.
ودعا الحاجي إلى وقف ما وصفه بنزيف الأموال على سياحة العائلات الخاصة والترفيه والحفلات، مطالباً بما وصفه بالضمير والشجاعة لوقف هذا الإنفاق، ومعتبراً أن المواطن بات يواجه الجوع والمرض والعوز، حتى أصبح بند العلاج بالنسبة إليه أمراً ثانوياً.
وفي الشارع، انعكست الأزمة الاقتصادية بصورة مباشرة على أسعار السلع وتكاليف الإنتاج. وقال المحلل العسكري في طرابلس محمد النعاس إن المشهد الاقتصادي، وفق تقييمه، أصبح بالغ الصعوبة، مستشهداً بارتفاع سعر رغيف من الخبز المصنوع من دقيق القمح إلى خمسين قرشاً، وعزا صاحب المخبز ذلك إلى ارتفاع سعر الدقيق وسعر الوقود في السوق السوداء.
كما نقل النعاس عن أحد أقاربه أن آلة جرف صغيرة يستخدمها في العمل توقفت بسبب ارتفاع سعر لتر الوقود في السوق السوداء، معتبراً أن استمرار هذه الأوضاع يفاقم الأعباء على المواطنين وأصحاب الأعمال الصغيرة.
على المستوى الأمني والسيادي، قال الناشط السياسي مصعب التومي إن حكومة الوحدة لم تنجح في تنفيذ عدد من الالتزامات التي قامت على أساسها، وفي مقدمتها إخراج المرتزقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتوحيد البلاد، والوصول إلى الانتخابات.
وأشار التومي إلى أن استمرار وجود قوات أجنبية وعناصر مسلحة أجنبية، بالتزامن مع عدم قدرة الحكومة على بسط الأمن في مناطق عدة، يعكس، في تقديره، فشلاً في إدارة المرحلة.
وأكد أن موقفه لا يستهدف جنسية بعينها، بل يقوم على ضرورة إخراج أي عناصر أجنبية مسلحة من ليبيا وفق القانون، مع ضرورة معرفة أعدادها والجهات التي أدخلتها وأسباب استمرارها داخل البلاد. وشدد على أن التعامل مع هذه الملفات يجب ألا يكون بالعنف خارج القانون، بل من خلال آلية واضحة للترحيل والمساءلة القانونية.
وفي ما يتعلق بالزاوية، شدد التومي على أن المدينة تعيش منذ سنوات تعقيدات أمنية وتوترات مسلحة، وأن جذور الأزمة أقدم من الحكومة الحالية، داعياً إلى عدم تحميل سكان المدينة مسؤولية تصرفات مجموعات أو شخصيات مسلحة.
وأوضح أن الزاوية، باعتبارها بوابة غربية مهمة لطرابلس، عانت خلال سنوات سابقة من صراعات أدت إلى إغلاق طرق وإجبار المواطنين على سلوك مسارات طويلة، مؤكداً أن المواطن يجب أن يبقى منفصلاً عن التشكيلات المسلحة التي تنشط في محيطه.
وبشأن الاشتباكات الأخيرة، قال إن سقوط نحو عشرين قتيلاً يؤكد أن الوضع لا يمكن وصفه بالطبيعي، مشيراً إلى أن المنطقة الغربية شهدت مواجهات بين تشكيلات تنتمي إلى مدن ومناطق متعددة، لكنه شدد على ضرورة عدم تحميل سكان العجيلات أو الجمال أو صرمان أو صبراتة أو الزاوية مسؤولية جماعية عن أفعال جماعات مسلحة.
وانتقد التومي تأخر الحكومة في اتخاذ موقف واضح خلال المواجهات، معتبراً أن تحركاتها جاءت بعد انتهاء الاشتباكات، خصوصاً عقب تعرض منشآت مرتبطة بمصفاة الزاوية وخزانات الوقود للقصف، في ظل وجود مواد قابلة للاشتعال بالقرب من مناطق مأهولة.
كما انتقد غموض البيانات الحكومية التي تحدثت عن استخدام القوة ضد الجهات التي تهدد الأمن دون تحديد واضح للجهات المستهدفة وطبيعة الترتيبات الأمنية.
من جانبه، رأى الباحث السياسي إبراهيم بلقاسم أن أحداث الزاوية لا يمكن اختزالها في اشتباك محلي، معتبراً أنها تتقاطع مع ملفات سياسية وأمنية واقتصادية أوسع، وقد تتداخل معها تدخلات خارجية تستخدم أطرافاً ليبية لتنفيذ أجندات تتجاوز نطاق المدينة.
وربط بلقاسم المشهد بثلاثة ملفات رئيسية هي المال والأمن والنفط، مشيراً إلى التطورات المتعلقة بالمصرف المركزي، والوضع الأمني في شرق ليبيا، وملف النفط في غرب البلاد.
وتوقف عند الهجوم الذي استهدف منشآت ومرافق نفطية في الزاوية، ولا سيما استخدام الطائرات المسيّرة ووصول الهجوم إلى أحد خزانات الوقود واشتعاله، معتبراً أن حماية المنشآت الاقتصادية مهمة، لكنها لا ينبغي أن تأتي على حساب حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
ودعا إلى استثمار الضغط الشعبي الحالي لإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، لكنه حذر من إرسال قوة كبيرة من خارج المنطقة إلى الزاوية بصورة مفاجئة، لما قد يترتب على ذلك من توترات قبلية وجهوية. وبدلاً من ذلك، اقترح دعم القوى المحلية، وتعزيز الغرفة المشتركة، وإخضاع الأجهزة لتنسيق مركزي تحت سلطة المؤسسات الرسمية.
وأكد أن أي تشكيل يثبت تورطه في تجاوز القانون أو ارتكاب جرائم يجب أن يخضع للقضاء، داعياً إلى الفصل بين اختصاصات الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية والأجهزة التابعة لوزارة الدفاع والجيش، مع استمرار التنسيق في مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب.
وشدد بلقاسم على أهمية دور النيابة العامة والقضاء في تحديد المسؤوليات، محذراً من تحويل الخلافات الأمنية إلى مواجهة مفتوحة، وداعياً إلى خطة تدريجية تفرق بين المجموعات التي يمكن احتواؤها وإعادة تنظيمها وبين المتورطين في جرائم وانتهاكات ممن يجب إحالتهم إلى القضاء.
وفي السياق السياسي، دعا وزير التربية والتعليم الأسبق خليفة الساروي إلى توحيد الصفوف وتغيير الواقع السياسي، محذراً من أن الخوف من التغيير قد يؤدي إلى استمرار الوضع القائم وتفويت فرص الإصلاح.
واعتبر الساروي أن حكومة الدبيبة أصبحت عاجزة عن دفع البلاد إلى بر الأمان، وأن شعبيتها تآكلت واتسعت دائرة خصومها، داعياً أنصار التغيير إلى التواصل وتوحيد الصفوف قبل أن تفرض التطورات مساراتها على الجميع.
كما اتهم عضو مجلس النواب علي السباعي المدافعين عن حكومة الدبيبة خلال السنوات الماضية بالمشاركة في الفساد والاستفادة من العطايا، معتبراً أن المواطن البسيط لم يحصل في المقابل إلا على تراجع الخدمات وانقطاع الكهرباء، وانتقد توظيف مفاهيم المصالح والمفاسد وفق المصالح الشخصية.
بدوره، حمل عضو مجلس الدولة الاستشاري منصور الحصادي حكومة الوحدة مسؤولية الفوضى الأمنية والتطورات العسكرية الخطيرة في الزاوية والمنطقة الغربية، معتبراً أن عجزها عن معرفة مصدر الطيران المسيّر والتصدي له ومحاسبة المتورطين يستوجب المساءلة والمحاكمة، ووصف ما تشهده الزاوية بأنه تطور خطير في الانفلات الأمني وإجرام التشكيلات المسلحة.
وفي المحصلة، تكشف مجمل المواقف الواردة عن أزمة تتجاوز الخلاف بين شخصيات سياسية بعينها، وتمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة السلطة التنفيذية على إدارة الاقتصاد والخدمات والأمن، وفرض القانون على كامل الأراضي الليبية.
وبينما يرى بعض المتحدثين أن تراجع شعبية حكومة الدبيبة وتفاقم أزمات الوقود والكهرباء قد يفتحان الطريق أمام ترتيبات سياسية جديدة، يحذر آخرون من أن إعادة توزيع النفوذ دون معالجة جذور الانقسام المسلح لن تنتج استقراراً مستداماً.
وتبقى الزاوية، بعد مرور نحو أسبوعين على أحداثها، اختباراً بالغ الحساسية لأي مقاربة أمنية وسياسية مقبلة، ليس بسبب المدينة وحدها، وإنما بسبب موقعها في منظومة الطاقة والأمن والطرق المؤدية إلى العاصمة. كما أن أي معالجة ناجحة، وفق الرؤى المطروحة، تحتاج إلى التمييز بين المواطنين والتشكيلات المسلحة، وحماية المدنيين والمنشآت، وتفعيل القضاء، وتوحيد المؤسسات، وصولاً إلى سلطة قادرة على تنفيذ قراراتها في مختلف أنحاء البلاد.
ويبقى السؤال .. هل بات تغيير الحكومة ضرورة لإنقاذ ليبيا من أزماتها المتفاقمة؟
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤