أكدت جريدة «لوموند» الفرنسية، أن سد الفجوة بين قطبي السلطة الليبية في بنغازي وطرابلس سيتطلب أكثر من مجرد وساطة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.
واستعرضت الجريدة في تقرير موسع لها مع الخبراء المساعي الأميركية للتوصل إلى اتفاق بين عائلتين في ليبيا تتشاركان السيطرة على البلاد.
ثغرات أمنية مقلقة في ليبيا
وعرجت على هجومين داميين حدثا الأسبوع الماضي، ففي 10 أغسطس، أسفر تفجير بسيارة مفخخة في بنغازي عن مقتل مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابع لـ«القيادة العامة» اللواء فوزي المنصوري. وفي اليوم التالي، استُهدفت مصفاة الزاوية النفطية، الواقعة غرب طرابلس، بغارة جوية خامسة بطائرة مسيَّرة منذ اندلاع القتال بين الميليشيات المتنافسة قبل أسبوع.
ووفق الجريدة، يبدو أن موجتي العنف لا ترتبطان بشكل مباشر بانقسام البلاد إلى كتلتين سياسيتين وعسكريتين - غرب وشرق - وهو انقسام ورثته البلاد من سقوط نظام معمر القذافي العام 2011.
وبينما لا يزال الدافع والجناة غامضين، إذ بدأت السلطات في بنغازي تلمح إلى هجوم «متطرفين»، فإن مجرد احتمال وقوعه يكشف عن ثغرات أمنية مقلقة ويثير تساؤلات حول احتمال وجود تواطؤ.
خطر عودة ليبيا إلى دوامة عدم الاستقرار بات أكثر حدة
وترى خطر عودة ليبيا إلى دوامة عدم الاستقرار بات أكثر حدة. فمنذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020 الذي أنهى «معركة طرابلس» في ربيع 2019، قام الطرفان المتناحران، الشرق والغرب، بتعليق الأعمال العدائية لصالح اتفاق تقاسم غنائم البلاد الاقتصادية بالتراضي.
- «لوفيغارو»: مبادرة بولس تصطدم بـ«عقدة قائمة» في ليبيا منذ 2011
- تحركات واشنطن في ليبيا.. هل تفتح الطريق أمام توحيد المؤسسة العسكرية؟
- محللون يشككون في فرص مبادرة مسعد بولس لتحقيق تسوية مستدامة في ليبيا
- ليبيا بين المبادرة الأميركية وصراع النفوذ.. هل يصنع الداخل التسوية أم حسابات الخارج؟ (فيديو)
وعلى الرغم من هدوء حدة القتال، واصلت الأمم المتحدة جهودها لإعادة توحيد البلاد عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية، ما أسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي. إلا أن الدعم من الدول الأعضاء، سواء الغربية أو الداعمة الإقليمية لليبيا، كان غائبًا، إذ يسعى كل طرف لتحقيق مصالحه الاستراتيجية الخاصة.
غموض مبادرة بولس في ليبيا
وفي ظل هذا الركود المحفوف بالمخاطر، برزت المبادرة الدبلوماسية لمسعد بولس، مستشار دونالد ترامب خلال الأشهر الأخيرة. فبعد غياب دام قرابة خمسة عشر عامًا، عادت الولايات المتحدة إلى ليبيا. وتُعدّ هذه عودةً ذات طابع خاص، حيث لا ينفصل «فن التفاوض» بين الدول الكبرى عن الدوافع الاقتصادية، وفي هذه الحالة، دوافع شركات النفط.
ومنذ الربيع، يعقد مسعد بولس، وهو أيضًا والد زوج تيفاني ترامب، إحدى بنات الرئيس الأميركي، اجتماعات عديدة في طرابلس وبنغازي والقاهرة أو واشنطن مع المسؤولين الليبيين والقادة الإقليميين.
وحسب الجريدة، أصبح الانسحاب الأميركي الذي أعقب العام 2012 ذكرى بعيدة. ففي ذلك العام، استهدف هجوم مسلح القنصلية الأميركية في بنغازي، ما أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز. وقد أبقت ذكرى هذه الصدمة الولايات المتحدة بعيدة عن ليبيا لفترة طويلة. في حين لم تستيقظ واشنطن فعليًا إلا عندما توغل الروس في شرق ليبيا مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تحت مظلة بنغازي.
في هذه المرحلة، لم يكشف مسعد بولس إلا عن تفاصيل قليلة حول خطته. تشير تصريحاته العلنية إلى رغبته في إنشاء «حكومة موحدة» تشمل غرب ليبيا وشرقها، اللذين يحكمهما حاليًا سلطتان متوازيتان: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، بقيادة عبدالحميد الدبيبة، والحكومة المكلفة في بنغازي.
وبعيدًا عن هذه النية المعلنة، لم يُكشف عن أي شيء بخصوص آليات المفاوضات، أو أي اتفاق محتمل، أو الجدول الزمني لتنفيذه. ويعرب مصدر في الأمم المتحدة عن أسفه قائلًا: «ليس لدينا أي وضوح بشأن ما يُناقش».
أقوى عائلتين في ليبيا على طاولة المفاوضات
بحسب سيناريو متداول في العاصمة الليبية، تتمثل الفكرة في تقسيم المناصب الرئيسية في «حكومة موحدة» مستقبلا بين الشخصيات البارزة من العائلتين. وبذلك، ستؤول رئاسة السلطة التنفيذية المستقبلية إلى صدام حفتر، المولود العام 1991، الوريث المُحتمل لخليفة حفتر (82 عامًا)، بينما سيُمنح منصب رئيس الوزراء لعبدالحميد الدبيبة، أو حتى لابن أخيه إبراهيم الدبيبة، وهو شخصية محورية أخرى في عائلة طرابلس.
وكتب عالم السياسة الألماني ولفرام لاخر في مقال نشِر في 5 أغسطس في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» الأميركية نصف الشهرية: «يرى كثير من الليبيين أن هذه الفكرة بحد ذاتها مُسيئة، إذ تُرسل رسالة مفادها أن البلاد يجب أن تخضع رسميًا لحكم العائلة».
وتتساءل «لوموند»، هل هذه الطريقة واقعية؟ لأنه كثيراً ما يُسلط بولس الضوء على إنجازين حديثين في عملية التقارب التي يسعى لتسريعها. أولاً، جرى التوصل إلى اتفاق في أبريل بشأن إجراءات ميزانية موحدة. ثانيًا، أجرى الجيشان جيش الشرق وجيش الغرب، مناورات مشتركة في سرت في الشهر نفسه تحت رعاية القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، ما اعتبر إنجازًا تاريخيًا. مع ذلك، لم يطرأ أي جديد منذ ذلك الحين. فبينما استمرت الجهود الدبلوماسية، إذ زار صدام حفتر واشنطن في نهاية يونيو، وكذلك عبدالسلام الزوبي، القائد الجديد لقوات طرابلس، لم تتضح معالم خطة بولس. فبعد الآمال الأولية التي أثارتها الوساطة الأميركية، بدأ الشك يتسلل إلى النفوس كما تعلق الجريدة.
الطابع الشخصي المفرط في البحث عن اتفاق
وأرجعت سبب ضعف نهج مسعد بولس إلى إضفاء الطابع الشخصي المفرط في البحث عن اتفاق، في حين أن الأمم المتحدة، التي أطلقت مبادرة جديدة في العام 2025، تفضل التشاور مع أكبر عدد ممكن من الجهات الفاعلة.
يقول مدير معهد صادق أنس القماطي، مركز أبحاث مقره طرابلس: «إن ما سيُفشل الاتفاق بين المشير خليفة حفتر وعبدالحميد الدبيبة هو أنهما لا يرغبان أساسًا في العمل معًا. ففي جلسات خاصة، يمكنهما التوصل إلى اتفاق بشأن المشاريع الاقتصادية، لكنهما سياسيًا لا يرغبان في تقاسم السلطة، لعدم ثقتهما ببعضهما البعض».
ويضيف المحلل أن انعدام الثقة كان واضحًا خلال المناورات العسكرية «فلينتلوك» في سرت؛ حيث لم تقم القوتان من الشرق والغرب، بالإضافة إلى حضورهما المشترك، «بدمج هيكل القيادة أو نظام الاتصالات الخاص بهما».
ويتجلّى مثال آخر على الانقسام السياسي العسكري المستمر بين المعسكرين في التاسع من أغسطس، خلال الاحتفالات المنفصلة التي أقيمت في طرابلس وبنغازي لمناسبة الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة