تواجه المخابز في ليبيا ضغوطًا متزايدة تهدد بموجة جديدة من ارتفاع أسعار رغيف الخبز، في ظل استمرار أزمة الكهرباء، والنقص الحاد في وقود الديزل، إلى جانب الارتفاع المتواصل في أسعار الدقيق، ما يضع المواطنين أمام احتمال زيادة جديدة في تكلفة سلعة أساسية لا يكاد يخلو منها بيت ليبي.
وحذر عدد من أصحاب المخابز من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يدفعهم إلى رفع أسعار الخبز، بعدما أصبحت تكلفة الإنتاج أكثر ارتفاعًا، نتيجة زيادة أسعار مستلزمات التشغيل والطاقة والمواد الخام، في وقت تواجه فيه شرائح واسعة من المواطنين ضغوطًا معيشية متزايدة.
وتأتي أزمة الوقود في مقدمة التحديات التي تواجه المخابز، إذ وصل سعر لتر الديزل في السوق السوداء إلى نحو 9 دنانير، في ظل صعوبات الحصول على الكميات اللازمة للتشغيل، ما يضيف أعباءً جديدة على أصحاب المخابز ويزيد من تكلفة إنتاج الرغيف.
وتزامنت أزمة الوقود مع استمرار انقطاعات الكهرباء، التي تجبر المخابز على الاعتماد بصورة أكبر على المولدات الكهربائية، وبالتالي استهلاك كميات إضافية من الديزل، لتتحول أزمة الطاقة إلى تكلفة مباشرة تضاف إلى سعر المنتج النهائي.
ويتراوح سعر رغيف الخبز حاليًا، وفق المعطيات المطروحة، بين ثلاثة أرغفة بدينار واحد وخمسة أرغفة بدينارين في بعض المخابز، وهي أسعار باتت تمثل عبئًا متزايدًا على الأسر، خصوصًا محدودي الدخل.
ويزداد القلق من انتقال المخابز من مجرد رفع الأسعار إلى تقليص وزن الرغيف، في محاولة لمواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما يعني أن المواطن قد يدفع سعرًا أعلى مقابل كمية أقل.
ولا تتوقف الضغوط عند الطاقة، إذ شهد سعر الدقيق ارتفاعًا كبيرًا خلال الأشهر الماضية، حيث وصل سعر قنطار الدقيق إلى نحو 280 دينارًا في أغسطس 2026، مقارنة بنحو 190 دينارًا في يناير الماضي، بزيادة تقارب 47%.
وتزداد الأزمة حدة بالنسبة للمخابز التي تضطر إلى شراء الدقيق من السوق السوداء، حيث يتجاوز سعر القنطار في بعض الحالات 300 دينار، ما ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج وعلى السعر النهائي ووزن رغيف الخبز.
ويطرح ارتفاع سعر الخبز تساؤلات حول الفارق بين تكلفة استيراد الدقيق والأسعار التي يصل بها إلى المخابز، خصوصًا مع وجود اعتمادات مستندية مخصصة لتوريد الدقيق، إلى جانب فاتورة ضخمة لاستيراد المحروقات.
ويرى أصحاب المخابز أن استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل والمواد الخام دون آليات واضحة لضبط الأسعار يضع القطاع أمام خيارين صعبين: إما رفع سعر الرغيف أو تقليص حجمه، بينما يتحمل المواطن في النهاية كلفة الزيادة.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط التضخمية على الأسر الليبية، مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي يجعل أي زيادة في سعر الخبز ذات تأثير مباشر على ميزانية الأسرة.
وتزداد حساسية الملف بالنسبة لمحدودي الدخل، الذين تتراوح مرتبات شريحة منهم بين 900 و2000 دينار، إذ يمثل الخبز مكونًا أساسيًا في الغذاء اليومي، وبالتالي فإن أي ارتفاع في سعره يفرض استنزافًا إضافيًا لدخل الأسرة.
وبحسب المعطيات الواردة، تجاوز التضخم 12%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنحو 45%، في سوق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وهو ما يجعل الأسعار المحلية شديدة التأثر بتقلبات الأسواق وتكاليف الاستيراد وسعر الصرف.
ولا تبدو أزمة رغيف الخبز مجرد مشكلة مرتبطة بالمخابز أو بأسعار الدقيق، بل تكشف عن اختلالات أوسع في منظومة الاقتصاد والإمداد داخل ليبيا.
فالمخبز يعتمد على الكهرباء والوقود لتشغيل معداته، وعلى الدقيق كمادة أساسية، بينما ترتبط تكلفة الدقيق بدورها بعمليات الاستيراد والتوريد والأسعار المحلية، ما يجعل أي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة ينعكس مباشرة على المستهلك.
وقبل عام 2011، كانت الدولة تعتمد على صندوق موازنة الأسعار في توريد الدقيق والإشراف على توزيعه على المخابز والجمعيات الاستهلاكية، بما وفر آلية مركزية للتدخل في أسعار السلع الأساسية.
لكن انتقال مهمة التوريد والتوزيع بصورة أكبر إلى القطاع الخاص غير شكل السوق، بحسب ما يراه منتقدون، وفتح المجال أمام سيطرة عدد من الموردين على سوق الدقيق وإعادة تسعيره وفق آليات لا تبدو واضحة أو مستقرة.
ويرى أصحاب المخابز أن غياب آلية فعالة لضبط السوق ومراقبة هوامش الربح والتوزيع ساهم في زيادة الضغوط على القطاع، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
وتضع التطورات الحالية الحكومة والجهات المعنية أمام اختبار حقيقي لضمان استقرار سلعة أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين، عبر معالجة أزمة الكهرباء والوقود، وضبط سوق الدقيق، ومراجعة آليات التوريد والتوزيع.
فاستمرار ارتفاع تكلفة الإنتاج دون حلول جذرية قد يدفع أسعار الخبز إلى مستويات جديدة، بينما لن يكون تأثير الأزمة محصورًا في المخابز، بل سيمتد إلى ميزانيات الأسر ومستويات التضخم والأسعار الغذائية.
وفي ظل اعتماد شريحة واسعة من الليبيين على الخبز كجزء رئيسي من غذائهم اليومي، فإن حماية سعره واستقرار وزنه لا تبدو قضية اقتصادية فحسب، بل ملفًا معيشيًا يمس الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطن مباشرة.
من جهته حذر نقيب الخبازين في بنغازي، محمود العريبي، من تداعيات استمرار الأزمات الخدمية والاقتصادية على قطاع المخابز، قائلًا: «بعد انقطاع الكهرباء والمياه ترقبوا انقطاع الخبز في ليبيا»، في إشارة إلى تصاعد الضغوط التي تواجه أصحاب المخابز وتهدد قدرتهم على مواصلة الإنتاج.
وأكد العريبي أنه لا يمكن تحميل المخابز مسؤولية ارتفاع أسعار الخبز في ظل الزيادات المتتالية في تكاليف التشغيل والمواد الخام، معتبرًا أن المحاسبة يجب أن تطال المسؤولين عن ارتفاع الأسعار ومسبباته، وليس المخابز التي تتحمل أعباء الأزمات المتراكمة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤