أعاد المحلل السياسي حسام محمود الفنيش طرح سؤال الدولة الليبية من زاوية تتجاوز توصيف الانقسام السياسي والأمني، رابطاً بين ضعف حضور مؤسسات الدولة في حياة المواطن اليومية وبين استمرار ملفات أمنية وسيادية لم تُحسم رغم مرور سنوات على الظروف الاستثنائية التي أوجدتها، وفي مقدمتها ملف المجموعات المسلحة السورية الموجودة في ليبيا.
وفي قراءة نشرها عبر صفحته على فيسبوك، اعتبر الفنيش أن مأساة ليبيا لا تتمثل فقط في سقوط الدولة، بل في بقائها شكلياً من خلال مؤسسات تحمل أسماء رسمية وحكومات تتحدث باسمها وسلطات تتنافس على تمثيلها، بينما لا يجد المواطن انعكاساً واضحاً لمعنى الدولة في حياته اليومية.
ويرى الفنيش أن معيار الدولة لا ينبغي أن يرتبط بعدد الوزارات أو حجم البيانات الرسمية، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على ترسيخ قاعدة أساسية مفادها أن القانون أقوى من السلاح، وأن المؤسسة أقوى من الفرد، وأن مستقبل المواطن لا يتوقف على الجهة التي تمتلك النفوذ في مرحلة معينة.
وركز الفنيش على ما وصفه بأنه جوهر بيان وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة منتهية الولاية بشأن المجموعات المسلحة السورية، ولا سيما تأكيد الوزارة أن بعض هذه الملفات ارتبط باتفاقيات وتفاهمات دولية قائمة، وأنها تعود إلى ظروف استثنائية شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب، بما في ذلك مرحلة حكومة الوفاق الوطني.
وبحسب قراءة الفنيش، فإن الإشارة إلى الجهة التي استقدمت المجموعات الأجنبية لا تمثل سوى جزء من القضية، بينما يبقى السؤال الأهم متعلقاً بالمسؤولية عن استمرار وجودها داخل ليبيا في الوقت الراهن.
وأوضح أن القول إن الترتيبات بدأت خلال مرحلة سابقة وظروف حرب يفسر بداية الملف، لكنه لا يحسم بالضرورة مسؤولية السلطة القائمة عن النتائج التي ترتبت عليها، ولا سيما إذا كانت تلك الترتيبات قد نشأت باعتبارها استثنائية ومؤقتة.
ومن هذا المنطلق، طرح الفنيش مجموعة من الأسئلة حول أسباب استمرار بعض هذه الترتيبات، والجهة التي تمتلك القرار السيادي لإنهائها، وما إذا كانت الاتفاقيات السابقة قد تحولت، بحكم الأمر الواقع، إلى غطاء سياسي لاستمرار واقع أمني نشأ في ظروف الحرب.
وتأتي هذه القراءة في وقت يمثل فيه وجود المرتزقة والمقاتلين الأجانب أحد الملفات الحساسة أمام أي مشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية وتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، خصوصاً أن استمرار القوى المسلحة خارج منظومة الدولة يفرض تحديات مباشرة على مفهوم السيادة وعلى قدرة المؤسسات الرسمية على اتخاذ قرارات مستقلة.
ولا يفصل الفنيش بين ملف المجموعات الأجنبية وبين الأزمة الأوسع التي تواجه ليبيا، إذ إن القضية في جوهرها، وفق الطرح الذي قدمه، تتعلق بقدرة الدولة على امتلاك قرارها ومراجعة الترتيبات التي نشأت في مراحل سابقة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة يصعب تغييرها.
وهنا تبرز إشكالية أعمق؛ فالدولة التي لا تستطيع مراجعة ترتيبات أمنية استثنائية نشأت في ظل الحرب تجد نفسها أمام سؤال يتعلق بحدود سلطتها الفعلية، لا بمجرد حدود اختصاص وزارة أو حكومة.
وتتقاطع هذه المسألة مع واقع سياسي وأمني معقد، حيث تتعدد مراكز النفوذ وتتداخل السلطات الرسمية مع التشكيلات المسلحة، الأمر الذي يجعل استعادة القرار السيادي مرتبطة بإعادة الاعتبار للمؤسسات والقانون، وليس فقط بتغيير الحكومات أو إعادة توزيع المناصب.
وفي القسم الثاني من طرحه، انتقل الفنيش إلى العلاقات الإقليمية، مقدماً رؤية تقوم على أن الجغرافيا تفرض على الدول أن تتعامل مع محيطها باعتباره جزءاً من أمنها ومصالحها، من دون أن يعني ذلك التخلي عن استقلال القرار الوطني.
وأشار إلى أن العلاقات بين الدول المتجاورة لا يمكن دائماً التعامل معها باعتبارها علاقات دبلوماسية عابرة، لأن الحدود المشتركة تخلق مصالح ومخاطر ومسؤوليات متبادلة. ويشمل ذلك أمن الحدود، ومكافحة الجريمة المنظمة والتهريب والإرهاب، وحركة التجارة والطاقة والمياه والهجرة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن ما يحدث داخل دولة قد ينتقل أثره إلى جيرانها بصورة مباشرة، وهو ما يجعل التعاون الإقليمي ضرورة استراتيجية في كثير من الحالات، حتى عندما توجد خلافات سياسية بشأن بعض الملفات.
ويرى الفنيش أن التحالفات المرتبطة بالمصير الجغرافي تختلف عن التحالفات التي تنشأ استجابة لظرف سياسي مؤقت. فالدولة تستطيع إعادة ترتيب علاقاتها الدولية وشراكاتها وفقاً للتحولات السياسية، لكنها لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي أو نقل حدودها أو عزل نفسها عن محيطها الإقليمي.
وفي الحالة الليبية، يرى الفنيش أن أهمية الجوار تبدو أكثر وضوحاً، بالنظر إلى امتداد الحدود وحركة السكان والتجارة والتهريب وأمن الصحراء والهجرة والطاقة، إضافة إلى تأثير الأوضاع الأمنية في دول الساحل على الأمن الليبي.
ومن ثم، فإن التعاون مع دول الجوار، وفق طرحه، لا ينبغي أن يتحول بالضرورة إلى تحالفات سياسية مغلقة، وإنما إلى شبكة مصالح مشتركة تجعل الاستقرار مصلحة متبادلة، وترفع تكلفة الصراع وتزيد من فرص التعاون.
غير أن الفنيش شدد في الوقت نفسه على أن الانفتاح على الجوار لا يعني التنازل عن المصلحة الوطنية، بل إن المصلحة الوطنية هي التي ينبغي أن تحدد حدود التعاون وأهدافه.
وبهذه المعادلة، يمكن للدولة الليبية أن تحافظ على علاقات وثيقة مع محيطها الجغرافي، وأن تتعاون في ملفات الأمن والاقتصاد والهجرة والطاقة والحدود، مع الاحتفاظ باستقلال قرارها وسيادتها وخياراتها الخارجية.
وطرح الفنيش فكرة تقوم على الجمع بين الاقتراب من دول الجوار والتحوط من التبعية، معتبراً أن الدولة تحتاج إلى علاقات قوية مع محيطها الجغرافي، لكنها تحتاج أيضاً إلى تنويع علاقاتها خارج هذا المحيط حتى لا يتحول الارتباط الجغرافي إلى احتكار استراتيجي.
وتقود هذه الرؤية إلى مفهوم للتحالفات باعتبارها أدوات قابلة لإعادة التشكيل وفقاً للمصلحة الوطنية، لا التزامات دائمة تقيّد القرار السيادي.
وفي هذا السياق، يصبح التعاون مع الجوار جزءاً من سياسة حماية المصالح، وليس بديلاً عن استقلال القرار. كما يصبح تنويع الشراكات الخارجية وسيلة لتقليل مخاطر الارتهان لأي طرف واحد، سواء كان إقليمياً أو دولياً.
بلاك أوت جديد يهز ليبيا… أزمة الكهرباء تتحول إلى اختبار سياسي واقتصادي يضاعف معاناة المواطنينويخلص طرح الفنيش إلى أن ليبيا تحتاج إلى عقل استراتيجي قادر على التمييز بين حقائق الجغرافيا ومتغيرات المصالح وأدوات التحالف.
فالجوار، وفق رؤيته، حقيقة لا يمكن تغييرها، والمصلحة الوطنية هي التي تحدد مع من تتعاون الدولة، بينما يحدد التحوط الاستراتيجي الطريقة التي تحافظ بها على استقلالها أثناء هذا التعاون.
وتكتسب هذه الخلاصة أهمية خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني، إذ لا يمكن بناء دولة مستقرة مع بقاء القرار موزعاً بين مؤسسات رسمية وتشكيلات مسلحة أو مع استمرار ترتيبات أمنية نشأت في ظروف استثنائية من دون مراجعة واضحة لضرورتها ومدى توافقها مع المصلحة الوطنية.
جوهر الأزمة لا يتوقف عند أسماء الحكومات أو البيانات الرسمية، بل يتعلق بقدرة الدولة على تحويل السيادة من مفهوم دستوري وسياسي إلى ممارسة فعلية يشعر بها المواطن في أمنه وحياته واقتصاده ومستقبله.
وفي هذا السياق، يصبح ملف المرتزقة والمجموعات المسلحة اختباراً عملياً لمدى قدرة السلطات القائمة على اتخاذ قرارات سيادية، كما يصبح ملف العلاقات مع دول الجوار اختباراً آخر لقدرة ليبيا على بناء شراكات تخدم مصالحها من دون الوقوع في التبعية.
وبين هذين المسارين، تظل الدولة هي الحلقة المركزية؛ فكلما كان القانون أقوى من السلاح، والمؤسسة أقوى من الأشخاص، والقرار الوطني مستقلاً عن مراكز النفوذ، اقتربت ليبيا من استعادة حضور الدولة الذي يتحدث عنه الفنيش، بدلاً من استمرار حالة الانتظار التي تجعل المواطن يبحث عن الدولة في بياناتها ولا يجدها في تفاصيل حياته اليومية.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤