أعاد إعلان مكتب النائب العام حجز مبلغ مالي يتجاوز 24 مليون دينار على خلفية شبهات مرتبطة بغسل الأموال، ملف حركة الأموال المشبوهة إلى واجهة النقاش العام، وسط تساؤلات متزايدة بشأن قدرة المؤسسات الليبية على الحد من هذه الظاهرة وملاحقة مصادر الأموال غير المشروعة.
وجاءت القضية بعد تحرك النائب العام، الصديق الصور، وفتح تحقيقات واسعة مع متهم في واقعة رصد إيداعات وتحويلات مالية غير طبيعية تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار عبر حسابه المصرفي، في خطوة تعكس استمرار الأجهزة القضائية في تتبع التدفقات المالية التي تثير شبهات بشأن مصادرها وطبيعة المستفيدين منها.
وتأتي هذه التطورات في بيئة سياسية واقتصادية وأمنية شديدة التعقيد، فرضها الانقسام المؤسسي والحكومي المستمر في البلاد منذ عام 2011، وهو ما يثير مخاوف من استغلال الثغرات القائمة في المنظومة المالية والإدارية لتمرير الأموال غير المشروعة وإعادة إدخالها في الدورة الاقتصادية الرسمية.
المحلل السياسي حسام الفنيش رأى أن ليبيا تحولت بالفعل إلى بيئة خصبة لغسل الأموال نتيجة تداخل عوامل سياسية واقتصادية وأمنية ومؤسسية، مشيرا إلى أن المشكلة لا ترتبط بنقص التشريعات والقوانين وحده، وإنما بما وصفه بوجود فجوة بين القانون والقدرة على إنفاذه.
وأوضح الفنيش في تصريحات صحفية رصدتها وكالة أخبار ليبيا 24، أن أحد أبرز مصادر الخطورة يتمثل في ضعف القدرة المؤسسية للأجهزة الرقابية والأمنية والقضائية على متابعة عمليات غسل الأموال، وتتبع حركة الأموال المشبوهة، والكشف عن مصادرها والمستفيدين الحقيقيين منها.
وأضاف أن محدودية أدوات التحليل المالي والرقمي، إلى جانب ضعف التنسيق وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة، تزيد من صعوبة بناء صورة متكاملة عن حركة الأموال التي قد تكون مرتبطة بأنشطة غير مشروعة.
وبحسب الفنيش، فإن الانقسام السياسي والمؤسسي والفساد واتساع نطاق الاقتصاد الموازي والتعامل النقدي وانتشار عمليات التهريب، فضلا عن ضعف الرقابة على بعض المنافذ وحركة رؤوس الأموال، توفر جميعها مساحات يمكن استغلالها لإخفاء مصادر الأموال وإعادة إدخالها إلى الاقتصاد الرسمي.
ولفت الفنيش إلى أن المخاطر لا تقتصر على حركة الأموال داخل النظام المصرفي، وإنما تمتد إلى طبيعة الملكية الاقتصادية والاستثمارية، في ظل ضعف الشفافية المتعلقة بملكية الشركات والأصول والعقارات.
وقال إن استغلال النفوذ والفساد يمكن أن يوفر غطاء لتحويل عائدات الأنشطة غير المشروعة إلى أموال واستثمارات تبدو في ظاهرها قانونية، الأمر الذي يجعل تتبع المصدر الحقيقي للأموال أكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، لا تبدو قضية المبلغ المحجوز الذي يتجاوز 24 مليون دينار واقعة منفصلة عن سلسلة من التحركات المرتبطة بشبهات التدفقات المالية غير الطبيعية، إذ أعلنت السلطات خلال أغسطس الجاري توقيف شخص استفاد من تحويلات وإيداعات مالية تجاوزت قيمتها 4 ملايين دينار ليبي.
وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى اتساع الاهتمام الرسمي والقضائي بمسارات الأموال التي لا تتناسب طبيعة تدفقاتها مع النشاط الاقتصادي المعلن، في وقت يفرض فيه الاقتصاد الموازي والتعامل النقدي تحديات إضافية أمام الجهات المكلفة بالرقابة والتتبع المالي.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي إبراهيم اسويطي أن غسل الأموال في ليبيا لم يعد ظاهرة مسكوتا عنها، مشيرا إلى ما وصفه بصناعة مليونيرات خلال سنوات قليلة، مستفيدين من حالة الانقسام السياسي والاقتصادي لتدوير أموالهم.
وأوضح اسويطي في تصريحات صحفية رصدتها وكالة أخبار ليبيا 24،أن بعض المستفيدين من هذه البيئة يحاولون، بحسب تقديره، إضفاء طابع مشروع على الأموال من خلال أنشطة اقتصادية مختلفة، من بينها قطاع العقارات وغيرها من المجالات التي يمكن أن تستوعب رؤوس أموال كبيرة وتمنحها مظهرا استثماريا.
ورأى أن تشديد الرقابة والمتابعة المالية بات ضروريا لوقف التلاعب وهدر المال العام، إلى جانب منع تحول ليبيا إلى بيئة جاذبة لغسل الأموال.
ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية الفنيش بشأن الحاجة إلى معالجة المشكلة من زاوية مؤسسية شاملة، وليس الاكتفاء بملاحقة الحالات الفردية بعد اكتشافها. فالفنيش يرى أن مواجهة غسل الأموال تتطلب مؤسسات موحدة، ورفع القدرات المؤسسية والفنية لأجهزة الرقابة والأمن والقضاء في مجالات التتبع والتحليل والتحقيق المالي.
كما شدد على أهمية ربط قواعد البيانات وتبادل المعلومات وتعزيز الرقابة المصرفية، معتبرا أن التحدي الأساسي لا يكمن في وجود القانون بقدر ما يكمن في قدرة مؤسسات الدولة على تحويل النصوص القانونية إلى آليات فعالة لملاحقة الأموال غير المشروعة.
وتحمل قضية غسل الأموال في ليبيا أبعادا تتجاوز الجانب المالي، إذ يرتبط الاقتصاد غير الرسمي والتهريب وحركة الأموال العابرة للحدود بملفات أمنية وهجرة معقدة، خصوصا في ظل اتساع مسارات التهريب وضعف الرقابة على بعض المنافذ وحركة رؤوس الأموال.
ومن شأن استمرار ضعف الرقابة المالية والمؤسسية أن يزيد قدرة شبكات النشاط غير المشروع على الاستفادة من الثغرات الاقتصادية، سواء عبر النقد أو العقارات أو الشركات أو غيرها من قنوات الاستثمار، بما يصعب عملية تحديد مصدر الأموال والمستفيد النهائي منها.
كما أن معالجة هذه المخاطر تظل مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات الليبية على التنسيق فيما بينها، وتبادل المعلومات المالية والأمنية والقضائية، بما يسمح بربط حركة الأموال بالأنشطة التي قد تقف وراءها، بدلا من التعامل مع كل واقعة باعتبارها ملفا منفصلا.
وبين التحقيق الجاري بشأن أكثر من 24 مليون دينار، والواقعة الأخرى التي تجاوزت فيها التحويلات والإيداعات 4 ملايين دينار، يتجدد النقاش حول قدرة الدولة الليبية على حماية النظام المالي من التدفقات المشبوهة، خصوصا في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي والاقتصاد الموازي والفساد والتهريب.
وفي ظل اختلاف التقديرات بشأن حجم الظاهرة، تتفق الآراء الواردة على أن مواجهة غسل الأموال تحتاج إلى رقابة أكثر فاعلية، وقدرات فنية متقدمة، وتنسيق مؤسسي أكبر، وشفافية أوسع في ملكية الشركات والأصول والعقارات، إلى جانب قدرة قضائية وأمنية على تتبع الأموال منذ مصدرها وحتى وجهتها النهائية.
وتضع التحقيقات التي يقودها النائب العام الصديق الصور القضية أمام اختبار عملي لقدرة مؤسسات الدولة على تحويل القوانين والرقابة إلى إجراءات فعالة، فيما يبقى السؤال الأوسع متعلقا بما إذا كانت ليبيا قادرة على سد الثغرات التي تسمح بتدوير الأموال المشبوهة ومنع ترسيخ اقتصاد مواز يستفيد من حالة الانقسام المستمرة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤