حذر مقال نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى من تآكل ثقة الليبيين في الجهود الدولية الرامية إلى توحيد بلادهم حال استمرار الترتيبات والصفقات التجارية بين العائلات النافذة والشبكات السياسية والوسطاء الدوليين، بدلا من التركيز على إحراز تقدم ملموس نحو إقامة مؤسسات منتخبة، وتعزيز المشاركة الشعبية، معتبرا أن النخب الليبية هي وحدها من تجني ثمار هذه المبادرات، بينما تبيع لشعبها «وهما باستمرار التقدم».
وتُبرز كاتبة المقال المحللة السياسية الخبيرة في الشؤون الليبية، تهاني المغربي، مفارقة الوعود الدولية المستمرة منذ أكثر من عقد ببناء ليبيا وتوحيد مؤسساتها، بينما يجد الليبيون الآن أنفسهم في بلد «أشبه بساحة تتنافس فيها مشاريع عائلية متنافسة، حيث يدّعي كل طرف منها أنه يمثل المصالح الحقيقية للشعب الليبي، وصاحب المصلحة الفعلي في البلاد، بينما أنه في الواقع يستبعده ويقصيه».
وأشارت إلى أن النخب في شرق ليبيا وغربها تتعامل مع خريطة الطريق التي أطلقتها المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، وكذلك المبادرة الأميركية التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بوصفهما فرصتين لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية» بدلا من اتخاذ خطوات جادة نحو بناء الدولة وإنهاء المراحل الانتقالية.
تحديات أمام مبادرتي تيتيه وبولس
يستعرض المقال ما تواجهه خريطة تيتية من تحديات بسبب الانقسام السياسي، ورفض بعض «الجهات الخارجية» لها، وكذلك المبادرة الأميركية لافتقارها إلى التفويض الدولي ودعم مجلس الأمن الدولي، وكذلك المخاوف من كونها مضادة للجهود الأممية على الرغم من تصريحات بولس التي تشير إلى عكس ذلك.
وحسب المغربي، فإن المبادرة الأميركية «لا تحظى المبادرة بدعم طرفي الصراع. ففي حين رحب معسكر قائد «القيادة العامة»، المشير خليفة حفتر، صراحةً بمحاولة المبادرة توحيد المؤسسات الحكومية، يعارضها رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، معتبرا أنها تتجاوز المؤسسات التشريعية. كما أن أعضاء المجلس الأعلى للدولة منقسمون بشأن المبادرة».
وبما أن كلا من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يمتلكان صلاحية سن القوانين الانتخابية وتشكيل حكومة موحدة، فإن توافقهما ضروري لضمان شرعية أي اتفاق وطني أو مبادرة سياسية. وقد أسهمت هذه التعقيدات في زيادة تشكك الرأي العام الليبي في شرعية كلتا المبادرتين، وفق المقال.
بناء سلام استعراضي
بخصوص انخراط النخب الليبية في تلك المبادرتين، تري المغربي أن مشاركتها تثير قدرا كبيرا من الجدل، إذ تسهم في تقويض شرعيتها، واصفة هذه المشاركة بـ«الاستعراضية».
وتقول: «كان حضور الجانبين بارزاً للغاية؛ إذ أجرى نائب قائد (القيادة العامة)، صدام حفتر، زيارات رسمية إلى الأردن وألمانيا وفرنسا وتركيا والولايات المتحدة منذ بداية العام 2026، بينما زار رئيس (حكومة الوحدة الوطنية الموقتة)، عبدالحميد الدبيبة، تركيا وإيطاليا وقطر والإمارات. مع ذلك، لم تسفر هذه الزيارات عن نتائج ملموسة أو عن تنازلات من قِبل النخب الليبية بشأن قضايا الحوكمة الرئيسية المطروحة».
وتخلص إلى أن هذه الزيارات، التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة، تخدم النخب الليبية في المقام الأول، إذ تتيح لها استعراض نفوذها، وطمأنة مؤيديها، وإضعاف معنويات منافسيها، وإضفاء مظهر من الشرعية أمام المراقبين الدوليين. وتذهب إلى أن هذه الزيارات تؤثر على عملية توحيد البلاد.
قلق حول تركيز مبادرة بولس على النفط
يلفت المقال النظر إلى القلق الذي صاحب تركيز مبادرة بولس على النفط، بالنظر إلى مستوى السيطرة الذي تمارسها النخب على موارد النفط، والاقتصاد الليبي بشكل عام.
ويوضح: «في شرق وجنوب ليبيا، لا تقتصر سيطرة خليفة حفتر وأبنائه ومساعديه المقربين على النفوذ العسكري والسياسي، بل تمتد أيضا إلى السيطرة على جميع الشركات الكبرى. بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ العائلة بقبضة قوية على حقول النفط في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وبالمثل، في غرب ليبيا، تدور القطاعات الأمنية والسياسية والاقتصادية حول رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة وأفراد عائلته ودائرة الموالين لهم، الذين يمتد نفوذهم إلى العديد من أهم مؤسسات الدولة، من بينها المصرف المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات».
وفي هذا الإطار، تشير المغربي إلى أن مذكرات التفاهم التي انبثقت عن مبادرة بولس تنطوي على دلالات سياسية مهمة. ففي أوائل العام 2026، وقعت حكومة الدبيبة اتفاقية تعاون استراتيجي مع شركة «بوينغ»، لتحديث قطاع الطيران المدني في البلاد. وتشمل الاتفاقية دعما لشراء طائرات حديثة، وتعزيز التعاون الفني والتكنولوجي، وتطوير البنية التحتية للطيران بما يتوافق مع المعايير الدولية، والمضي قدما في خطط إنشاء شركة طيران وطنية جديدة، وذلك في إطار شراكة اقتصادية أوسع بين الولايات المتحدة وليبيا.
بالإضافة إلى ذلك، وقعت ليبيا وشركة «شيفرون» اتفاقية في يناير من هذا العام، في خطوة تمثل عودة الشركة إلى قطاع الطاقة الليبي بعد أكثر من عقد من الزمن. وتضمنت الاتفاقية مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط (NOC) لتقييم إمكانات ليبيا من النفط والغاز الصخري غير التقليدي، التي تُقدر بنحو 123 تريليون قدم مكعب من الغاز و18 مليار برميل من النفط. وفي فبراير، حصلت «شيفرون» على حق التنقيب في أحد الحقول في حوض سرت خلال أول جولة تراخيص دولية في ليبيا منذ العام 2007.
من يجني ثمار المبادرات؟
حسب المقال، فإن الليبيين ينظرون بشكل متزايد إلى هذه التطورات، وإلى الإدارة الأميركية بالتبعية، على أنها تسهم في تمكين نظام سياسي يستمد سلطته من الاعتراف الدولي والصفقات التجارية والوصول إلى الموارد، بدلا من الحكم الرشيد.
وبدلًا من أن تحقق مبادرات الوساطة أي تقدم في أهدافها، المتمثلة في الانتخابات وتعزيز المساءلة وبناء الدولة في ليبيا، يرى الليبيون أن نخبهم السياسة وحدها هي من تجني ثمار هذه المبادرات، حسب المغربي التي تقول: «استمرار الانخراط الدولي مع الوضع السياسي الراهن في ليبيا يفيد في المقام الأول أولئك الذين لديهم مصلحة أكبر في البقاء في السلطة، وتوسيع فرص الأعمال مع الشركاء الأجانب».
وتخلص المغربي إلى أن احتفاظ النخبة الليبية بقدرة كبيرة على الوصول إلى المجتمع الدولي مع تهرّبها من مسؤوليات الحكم يعني استمرارها في الحصول على «الأكسجين السياسي»، بينما تبيع للشعب الليبي «وهما باستمرار التقدم». وإذا استمر هذا المسار، فإن جهود الوساطة الدولية تُخاطر بتعزيز استمرار الأزمة الليبية بدلا من الإسهام في حلها.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة