في تطور جديد يعكس حساسية المشهد المالي والنقدي في ليبيا، اجتمع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، اليوم الأربعاء، مع محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، في لقاء حمل رسائل واضحة بشأن مستقبل المصرف المركزي ومسار الإصلاح الاقتصادي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الليبي ضغوطا متزايدة على مستوى الإنفاق العام والسيولة وسعر الصرف وإدارة موارد الدولة.
الاجتماع الذي عقد بمقر المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، شهد تأكيد أعضاء المجلس رفض اعتذار ناجي عيسى عن الاستمرار في منصبه، وتمسكهم بمواصلة أداء مهامه على رأس مصرف ليبيا المركزي، بالتوازي مع الدفع نحو معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية من خلال مسار مؤسسي تشارك فيه السلطتان التشريعيتان والمصرف المركزي والجهات ذات العلاقة.
الاجتماع لم يتوقف عند مسألة استمرار المحافظ، بل انتقل إلى طرح مسار عملي للتعامل مع الاختلالات الاقتصادية، تمثل في الاتفاق على أهمية تشكيل لجنة فنية مشتركة بين مجلسي الدولة والنواب، بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي والجهات ذات العلاقة.
وتتولى اللجنة المقترحة وضع حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، ومتابعة تنفيذها، بما يسمح بمعالجة الاختلالات القائمة على أسس علمية ومؤسسية، بدلا من التعامل معها بإجراءات منفردة أو مؤقتة.
وشدد المجتمعون على ضرورة استمرار انتظام عمل مصرف ليبيا المركزي، وصون استقلاله المهني والمؤسسي، بعيدا عن التجاذبات والتدخلات التي يمكن أن تمس استقرار السياسة النقدية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل التجربة الليبية السابقة مع انقسام المؤسسات النقدية والصراع على إدارة المصرف المركزي، وهي أزمة انتهت في سبتمبر 2024 إلى اتفاق بين مجلسي النواب والدولة على تعيين ناجي عيسى محافظا للمصرف، بعدما صوت مجلس النواب بالإجماع على تعيينه في أعقاب الاتفاق بين المجلسين.
وفي الجانب المالي، شدد الاجتماع على ضرورة تحقيق الانسجام بين السياسات المالية والاقتصادية، وترشيد الإنفاق العام، وسد منافذ الهدر والفساد، إلى جانب حماية المال العام وموارد الدولة.
كما أكد الحاضرون أهمية تعزيز الشفافية والمساءلة دون استثناء، في رسالة تعكس الحاجة إلى ضبط إدارة المال العام وربط الإنفاق بالأولويات الاقتصادية والتنموية للدولة.
ويأتي ذلك متسقا مع مسار سبق أن دفع إليه مصرف ليبيا المركزي خلال الأشهر الماضية، من خلال التأكيد على توحيد الإنفاق العام وتحسين الإيرادات وتعزيز الشفافية والحوكمة، إلى جانب العمل على استدامة المالية العامة.
ومن جانبه، استعرض محافظ مصرف ليبيا المركزي أبرز المؤشرات والتحديات المالية والنقدية، وما يرتبط بإدارة الموارد العامة والإنفاق والسيولة وسعر الصرف، وانعكاسات هذه الملفات على الاستقرار الاقتصادي والأوضاع المعيشية للمواطنين.
وتكشف محاور النقاش أن ملف سعر الصرف والسيولة لا ينفصل عن السياسة المالية للدولة، في ظل التأكيد المتكرر من المصرف المركزي على ضرورة تنسيق السياسات المالية والنقدية، وانتظام الإيرادات، وضبط الإنفاق، بما يدعم استقرار الدينار ويحد من الضغوط على السوق.
وكان مصرف ليبيا المركزي قد بحث خلال الأشهر الماضية مع مؤسسات محلية ودولية ملفات استقرار سعر الصرف وتوفير النقد الأجنبي، كما ناقش مع صندوق النقد الدولي رؤية للإصلاح الاقتصادي ترتكز على توحيد الإنفاق ومراجعة السياسات النقدية والتجارية والمالية ومعالجة الاختلالات الهيكلية.
وخلال اللقاء، أكد أعضاء المجلس الأعلى للدولة رفضهم اعتذار محافظ مصرف ليبيا المركزي عن الاستمرار في منصبه، في موقف يأتي بعد أيام من تقديم ناجي عيسى اعتذارا عن مواصلة مهامه، في ظل ظروف وصفها المحافظ في كتابه بأنها حساسة، دون الإعلان عن أسباب تفصيلية وراء قراره.
وبذلك ينضم موقف المجلس الأعلى للدولة إلى موقف لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة بمجلس النواب، التي أعلنت بدورها رفض طلب عيسى ودعته إلى مواصلة أداء مهامه، بما يعكس تمسكا من جانب المؤسستين التشريعيتين باستمرار عمل المصرف وعدم الدخول في فراغ جديد على رأس المؤسسة النقدية.
ويأتي هذا الموقف في ظل حساسية موقع مصرف ليبيا المركزي، باعتباره المؤسسة المعنية بإدارة السياسة النقدية والاحتياطيات والنقد الأجنبي والسيولة، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بسعر الصرف والأسعار والقدرة الشرائية للمواطن.
وفي ختام الاجتماع، أكد الحاضرون أن تجاوز الأزمة الاقتصادية يحتاج إلى قرارات مسؤولة وشجاعة، ودعم الكفاءات والمؤسسات التي تضطلع بمهام الإصلاح، مع تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية.
كما شددوا على أن حماية مقدرات الدولة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي لا يمكن أن تتحقق بمعالجة منفردة لملف سعر الصرف أو السيولة، وإنما عبر معالجة أوسع تشمل الإنفاق العام والإيرادات والحوكمة والشفافية وتوحيد السياسات المالية والاقتصادية.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤