رفعت الولايات المتحدة مستوى تحذيرها بشأن التطورات الأمنية الأخيرة في ليبيا، معربة عن قلقها إزاء أعمال العنف التي شهدتها مدينتا الزاوية وبنغازي، في وقت تتزامن فيه الهجمات على منشآت حيوية في المنطقة الغربية مع اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني الفريق فوزي المنصوري في بنغازي.
وقال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس إن واشنطن تدين الهجمات التي استهدفت مصفاة الزاوية، إلى جانب اغتيال المنصوري، داعيا إلى إجراء تحقيقات شاملة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات.
وجاء الموقف الأمريكي محملا برسالة تتجاوز إدانة الحوادث الأخيرة، إذ ربط بولس بين التصعيد الأمني والحاجة إلى وجود مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية، قادرة على توفير الأمن وحماية المواطنين والمنشآت الحيوية.
وأكد بولس أن التطورات الأخيرة تؤكد ضرورة وجود مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية، مع حث الأطراف الليبية المعنية على مضاعفة جهودها لتجاوز الانقسامات وتعزيز توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
وتضع هذه الدعوة ملف توحيد المؤسسات في قلب المشهد مجددا، باعتباره أحد أبرز الملفات المرتبطة باستقرار ليبيا، خصوصا في ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني وتعدد مراكز النفوذ.
فالرسالة الأمريكية، وفق ما جاء في التصريحات، لا تتعامل مع هجوم منفرد باعتباره حادثا أمنيا معزولا، وإنما تربط سلسلة التطورات الأخيرة بمشكلة أوسع تتعلق بقدرة المؤسسات الليبية على فرض الأمن وحماية مقدرات الدولة.
ويأتي الموقف الأمريكي بعد هجمات استهدفت منشآت مرتبطة بمجمع الزاوية النفطي، الذي يضم أكبر مصفاة عاملة في ليبيا بطاقة تكريرية تبلغ نحو 120 ألف برميل يوميا.
وفي 10 أغسطس، استهدفت طائرات مسيرة خزانات وقود في مصفاة الزاوية، في حادثة أثارت مخاوف بشأن سلامة البنية التحتية النفطية الليبية.
كما سبق أن توقفت مصفاة الزاوية عن العمل في مايو إثر اشتباكات داخل محيط المجمع، ما اضطر إلى اتخاذ إجراءات إغلاق طارئة.
وتكتسب الهجمات على المصفاة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب موقعها كمنشأة استراتيجية، وإنما لدورها في توفير المنتجات النفطية للسوق المحلية، ما يجعل أي اضطراب في عملياتها قابلا للانعكاس على إمدادات الوقود والوضع الاقتصادي بصورة أوسع.
ولم تتوقف تداعيات التصعيد عند قطاع النفط، إذ تعرضت محطة جنوب الزاوية الكهربائية لهجوم تسبب في انقطاع واسع للتيار الكهربائي عن مناطق جنوب المدينة.
وأعلنت الشركة العامة للكهرباء أن الهجوم أدى إلى خروج أكثر من 700 ميغاوات من قدرة محطة الزاوية البالغة نحو 1300 ميغاوات، فيما علقت شركة GE الأمريكية عملياتها في محطة الزاوية وسحبت فرقها الفنية على خلفية المخاوف الأمنية.
وهكذا انتقلت تداعيات التصعيد من استهداف منشأة نفطية إلى التأثير المباشر في قطاع الكهرباء، ما يرفع مستوى المخاطر المرتبطة باستهداف البنية التحتية الحيوية، ويجعل الملف الأمني مرتبطا بصورة مباشرة بالخدمات اليومية التي يعتمد عليها المواطن.
ويكشف تزامن استهداف المنشآت النفطية والكهربائية في الزاوية عن حساسية البنية التحتية الحيوية أمام الاضطرابات الأمنية.
فأي ضرر يلحق بالمصفاة أو محطات الكهرباء لا يقتصر على الخسائر المادية، وإنما قد يمتد إلى تعطيل الإنتاج والتكرير، اضطراب إمدادات الوقود، زيادة الضغوط على شبكة الكهرباء، ورفع كلفة إعادة التشغيل والإصلاح.
كما أن استمرار استهداف منشآت الطاقة قد يؤثر في ثقة الشركات الأجنبية وقدرتها على العمل داخل ليبيا، وهو ما ظهر بالفعل مع قرار شركة GE تعليق عملياتها وسحب فرقها الفنية من محطة الزاوية عقب الهجوم الأخير.
وفي شرق البلاد، شكل اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني الفريق فوزي المنصوري تطورا أمنيا آخر استدعى إدانة أمريكية.
وأعاد اغتيال المنصوري ملف الاغتيالات إلى واجهة المشهد الأمني في بنغازي، وسط دعوات إلى كشف ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه.
وجاء إدراج حادثة الاغتيال إلى جانب استهداف مصفاة الزاوية في البيان الأمريكي ليعكس اتساع دائرة القلق من التطورات الأمنية، وعدم اقتصارها على منطقة جغرافية واحدة أو نوع واحد من الأهداف.
ولم تكتف الولايات المتحدة بإدانة الهجمات، بل دعت إلى إجراء تحقيقات شاملة ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتتزامن هذه الدعوة مع مطالب أممية سابقة بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في حوادث القتل والاغتيالات والعنف، خصوصا في الزاوية والمناطق المحيطة بها، مع التأكيد على ضرورة محاسبة المسؤولين وفقا للقانون.
ويعني ذلك أن ملف المساءلة بات حاضرا بقوة في الخطاب الدولي تجاه ليبيا، خصوصا عندما يتعلق الأمر باستهداف المدنيين أو المنشآت الحيوية أو الشخصيات الأمنية والعسكرية.
استهداف محطات كهرباء في الزاوية وخروج محطة جنوب المدينة عن الخدمةولا تأتي أحداث الزاوية في فراغ أمني، إذ شهدت المدينة ومحيطها خلال الأشهر الماضية تحركات وتوترات وعمليات اغتيال، دفعت بعثة الأمم المتحدة إلى التحذير من أن استمرار حشد التشكيلات المسلحة والتصعيد الأمني قد يقود إلى جولة جديدة من العنف ويهدد المدنيين.
وكانت البعثة قد أشارت إلى أن التنافس بين الجماعات المسلحة على النفوذ والسيطرة والوصول إلى موارد الدولة يواصل إضعاف المؤسسات ويغذي الإفلات من العقاب ويعرقل مسار السلام والاستقرار.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو رسالة واشنطن أوسع من التعامل مع حادثتي الزاوية وبنغازي كل على حدة.
فالدعوة إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية تشير إلى أن الولايات المتحدة ترى في الانقسام المؤسسي أحد جذور حالة عدم الاستقرار التي تسمح باستمرار التوترات واستهداف المنشآت الحيوية وتعدد مراكز القوة.
كما تأتي الدعوة في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على الأطراف الليبية من أجل تجاوز الانقسام والدفع نحو مسار سياسي ومؤسسي أكثر تماسكا.
وتضع الهجمات الأخيرة المؤسسات الليبية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على حماية المنشآت الاستراتيجية وفرض القانون وملاحقة المسؤولين عن الاعتداءات، بعيدا عن الاصطفافات السياسية والمناطقية.
فاستهداف مصفاة الزاوية ومحطة الكهرباء لا يهدد مؤسسة بعينها فقط، بل يمس قطاعات تمس حياة المواطن والاقتصاد الوطني، فيما يمثل اغتيال شخصية عسكرية وأمنية بارزة ضربة إضافية لفكرة الاستقرار الأمني.
وبين الزاوية وبنغازي، تتكرر الرسالة ذاتها: الانقسام الأمني والسياسي يظل أحد أبرز التحديات أمام حماية الدولة ومقدراتها، فيما ترى واشنطن أن الحل يبدأ من مؤسسات موحدة ومهنية قادرة على فرض الأمن ومحاسبة المتورطين.
شركة الخليج العربي للنفط تشارك في إخماد حريق مستودع الزاوية
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤