Contents
في وقت تعيش فيه ليبيا أزمة وقود خانقة، وجد وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة، عبد السلام الزوبي، نفسه أمام موجة من الانتقادات والاتهامات المتداولة بشأن تورطه ــ بحسب ما نشر ــ في عمليات تهريب النافتا بالتعاون مع شقيقه امحمد، عبر شركة «الثقة» لتسويق النفط.
لكن بدلًا من الدخول في تفاصيل هذه الاتهامات أو تقديم توضيح مباشر بشأنها، اختار الزوبي الرد بطريقة مختلفة؛ منشور طويل على «فيسبوك» هاجم فيه منتقديه، وشبههم بـ«حبات رمل تسقط على ظهر دبابة» تمضي نحو هدفها ولا تتوقف.
الرد لم يتضمن، وفق النص المنشور، إجابات مباشرة عن الاتهامات المتعلقة بالتهريب أو طبيعة علاقة الزوبي وشقيقه بشركة «الثقة»، وهو ما جعل المنشور يفتح بابا جديدا من الأسئلة بدل أن يغلق الملف.
قال الزوبي إنه لا يخوض كل معركة يدعى إليها، ولا يرد على كل صوت يرتفع ضده، معتبرًا أن من يسير نحو هدف كبير ستسقط على ظهره الكثير من «حبات الرمل»، لكنه سيواصل طريقه دون أن يتوقف.
وأضاف الزوبي، أن بعض الخصوم لا يستحقون حتى عناء الالتفات إليهم، وأن تأثيرهم لا يتجاوز حبة رمل تسقط على ظهر دبابة تمضي وسط معركة حقيقية، مؤكدًا أن الدبابة لا تتوقف ولا تغير مسارها بسبب ذلك.
وواصل الزوبي دفاعه غير المباشر، معتبرًا أن هناك فارقًا بين من يمتلك القدرة على إحداث الضرر ومن يمتلك فقط الرغبة في إحداثه، وأن الانتصار في بعض المعارك يكون في معرفة حجم الخصم وإدراك أن الرد عليه قد يمنحه أهمية أكبر من حجمه الحقيقي.
لكن اللافت في هذا الرد أن الزوبي تحدث مطولًا عن خصومه، فيما لم يدخل في جوهر الاتهامات التي دفعت إلى هذه الموجة من الجدل، لتبقى الأسئلة الأساسية معلقة: هل توجد علاقة بشركة «الثقة»؟ وما حقيقة ما يتداول بشأن النافتا؟ وهل هناك أي مستندات أو إجراءات رسمية تتعلق بهذه الاتهامات؟
فإذا كان الأمر لا يستحق الالتفات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا اختار وكيل وزارة الدفاع الخروج عن صمته في هذا التوقيت تحديدًا؟
هذه المفارقة لا تثبت صحة الاتهامات، لكنها تكشف أن الملف أصبح ضاغطًا بما يكفي ليدفع مسؤولًا لا يكثر من الظهور الإعلامي إلى نشر رسالة مطولة للرد على منتقديه.
وكان يمكن للرد أن يكون أكثر حسمًا لو تناول الاتهامات الأساسية بشكل مباشر، إما بالنفي الواضح، أو بتقديم معلومات تفصيلية حول شركة «الثقة» وعلاقتها بالزوبي وشقيقه، أو بالإشارة إلى أي إجراءات قانونية يمكن أن تحسم الجدل.
وتكتسب الاتهامات المتداولة حساسية أكبر بسبب تزامنها مع أزمة وقود تعيشها البلاد، إذ إن الحديث عن تهريب مشتقات نفطية في هذه الظروف يمس ملفًا شديد الارتباط بالحياة اليومية للمواطن.
فالوقود ليس مجرد سلعة عادية في ليبيا؛ بل يرتبط بالنقل، وحركة الأسواق، والخدمات، وتكاليف المعيشة، وأي اضطراب في توفره أو وصوله إلى المواطنين يتحول سريعًا إلى أزمة عامة.
ومن هنا، فإن مجرد تداول اتهامات بوجود عمليات تهريب للنافتا في ظل أزمة وقود يفرض على المسؤولين المعنيين تقديم توضيحات واضحة، لأن القضية لا تتعلق بخصومة شخصية بين مسؤول ومنتقديه، بل بموارد عامة وسوق وقود يعاني أصلًا من اختناقات.
ومن بين الأسماء التي وردت في الاتهامات المتداولة شركة «الثقة» لتسويق النفط، التي قيل إنها استُخدمت في مسارات مرتبطة بتجارة النافتا.
وهنا تحديدًا كان المنتظر أن يتضمن رد وكيل وزارة الدفاع إجابات أكثر تحديدًا، بدل الاكتفاء بتوصيف منتقديه والتقليل من تأثيرهم.
السؤال الأبرز الذي تركه منشور الزوبي مفتوحًا هو: لماذا لم يتناول الاتهامات الأساسية؟
فالرد على الاتهام لا يحتاج بالضرورة إلى الدخول في معركة مع المنتقدين، وإنما إلى تقديم إجابة محددة.
إذا كانت الاتهامات غير صحيحة، فإن نفيها بصورة مباشرة وتقديم الوثائق اللازمة كفيلان بإغلاق جزء كبير من الجدل.
أما الاكتفاء بالحديث عن «حبات الرمل» والدبابة والخصوم، فيترك مساحة واسعة للتأويل، خصوصًا أن الرأي العام لا يبحث في هذه الحالة عن معركة كلامية، بل عن إجابة تتعلق بملف حساس يمس الوقود والمال العام.
الجدل الحالي لا يتعلق فقط بما قاله الزوبي، وإنما بما لم يقله.
فالاتهامات المتداولة تطرح مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات موثقة: ما طبيعة العلاقة بين الزوبي وشركة «الثقة»؟ هل للشركة نشاط فعلي في تسويق النفط أو النافتا؟ هل توجد تحقيقات رسمية بشأن ما نُسب إليها؟ وهل لدى الجهات الرقابية أو القضائية أي ملفات مرتبطة بهذه المزاعم؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بمنشور على مواقع التواصل، ولا بالهجوم على المنتقدين، وإنما بالوثائق والتحقيقات الرسمية.
ومع تصاعد أزمة الوقود، يصبح تجاهل الأسئلة أكثر صعوبة.
فالمواطن الذي يقف في طوابير الوقود لا يعنيه كثيرًا من هو الخصم ومن هو «حبة الرمل»، بقدر ما يعنيه معرفة سبب الأزمة، ومن يتحمل مسؤولية الاختناقات، وهل هناك بالفعل عمليات تهريب تستنزف موارد الدولة أم أن الأمر مجرد اتهامات سياسية لا أساس لها.
وفي كلتا الحالتين، فإن أفضل رد هو الكشف عن الحقائق.
يضع الجدل عبد السلام الزوبي أمام اختبار مختلف؛ فالمسألة لم تعد مجرد مواجهة مع منتقدين على مواقع التواصل، وإنما قضية تتعلق بصورة مسؤول حكومي وبملفات النفط والوقود والتهريب.
وإذا كانت الاتهامات باطلة، فإن الرد التفصيلي قد يكون أقوى من أي استعارة سياسية.
أما إذا كانت هناك وقائع تستحق التحقيق، فإن الطريق الطبيعي هو الجهات الرقابية والقضائية، وليس منصات التواصل.
وفي النهاية، قد تمضي «الدبابة» كما يقول الزوبي، وقد تسقط عنها «حبات الرمل»، لكن الملفات التي ترتبط بالوقود والمال العام لا تسقط بهذه السهولة.
هذا الانتقال من العمل العسكري الميداني إلى موقع حكومي منح الزوبي حضورًا سياسيًا أكبر، ووضعه في دائرة أوسع من الملفات، بما فيها الملفات الأمنية والعسكرية والتفاوضية.
ومع توسع هذا الدور، أصبحت تحركاته وتصريحاته موضع متابعة سياسية وإعلامية، خصوصًا أن موقعه الحكومي يجعله مسؤولًا أمام الرأي العام، وليس مجرد قائد ميداني يستطيع الاكتفاء بخطاب داخلي.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤