Contents
استقالة ناجي عيسى تهز المشهد الاقتصادي وتضع إدارة المال العام أمام اختبار حاسم
أعاد طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى الاعتذار عن الاستمرار في منصبه ملف الاقتصاد الليبي إلى صدارة المشهد السياسي، في لحظة تتقاطع فيها أزمة سعر الصرف مع اتساع الإنفاق العام، وتراجع الإيرادات النفطية، والانقسام المؤسسي، وتضارب مراكز القرار، بينما يواجه المواطن الليبي ضغوطًا متزايدة على مستوى الأسعار والسيولة والخدمات.
وتأتي استقالة عيسى، التي تقدم بها إلى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في وقت سجل فيه الدولار ارتفاعًا جديدًا في السوق الموازية، ليبلغ 9.18 دنانير في التعاملات الفورية، فيما وصل إلى نحو 9.35 دنانير عند التعامل بالصكوك والحوالات المصرفية، وفق البيانات الواردة في المتن. ويزيد غياب موقف رسمي واضح من مصرف ليبيا المركزي بشأن تداعيات الاستقالة من حالة القلق في الأسواق، ويجعل السؤال المطروح أوسع من مصير المحافظ نفسه: إلى أين تتجه السياسة النقدية في ظل استمرار الانقسام المالي والسياسي؟
بحسب كتاب الاستقالة الذي أشار إليه المتن، تقدم ناجي عيسى بطلب الاعتذار عن الاستمرار في مهامه، بعد أن كان قد قدم في الثاني من أغسطس الجاري تقريرًا إلى رئيس مجلس النواب حول أداء مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي خلال الفترة من أكتوبر 2024 إلى يونيو 2026.
ولا يقدم الكتاب، وفق المعلومات المتاحة في المتن، تفصيلًا للأسباب التي دفعت المحافظ إلى اتخاذ هذه الخطوة، وهو ما فتح الباب أمام تفسيرات سياسية واقتصادية متعددة. وفي المقابل، فإن تزامن الاستقالة مع الارتفاع السريع للدولار في السوق الموازية أعاد التأكيد على هشاشة الوضع النقدي، وعلى مدى حساسية السوق الليبية تجاه التطورات السياسية والمؤسسية.
ويطرح هذا التطور تحديًا مباشرًا أمام السلطات الليبية، إذ إن أي فراغ أو اضطراب في قيادة مؤسسة نقدية مركزية بحجم مصرف ليبيا المركزي يمكن أن يتحول سريعًا إلى عامل إضافي لعدم اليقين، خصوصًا في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية ويظل الإنفاق العام فيه المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي.
عضو مجلس الدولة سعيد محمد ونيس قدم تفسيرًا مباشرًا لما وصفه بـ«ضغط الاستقالة»، رابطًا الأمر بعدة عوامل مالية ومؤسسية.
وقال ونيس إن الزيادة العشوائية في المرتبات، والضغط باتجاه عدم التقيد بمبدأ الإنفاق الموحد، وتدني مستوى توريد الإيرادات النفطية إلى مصرف ليبيا المركزي، فضلًا عن الاستحواذ على البنوك التجارية وجمعياتها العمومية وفرض مجالس إدارات عليها دون الرجوع إلى المصرف المركزي، شكلت مجتمعة ضغوطًا متزايدة على المحافظ.
وبحسب طرح ونيس، فإن تراكم هذه الملفات انتهى إلى دفع عيسى لطلب إعفائه من رئاسة المجلسين، بما يعكس حجم التوتر القائم حول إدارة القطاع المالي والمصرفي وحدود صلاحيات المؤسسات المختلفة.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بمؤسسة نقدية، وإنما بقدرة الدولة على فرض قواعد موحدة للإنفاق والتحصيل وإدارة الموارد العامة.
استقالة ناجي عيسى تهز المركزي والدينار يواصل الانهيار
وفي قراءة أكثر تفصيلًا، رفض عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة تحميل مصرف ليبيا المركزي وحده مسؤولية الاختلالات الاقتصادية القائمة.
وقال بن شرادة إن المصرف المركزي مناط به رسم وتنفيذ السياسة النقدية والمحافظة على الاستقرار المالي والنقدي وفق المعطيات الاقتصادية، وفي مقدمتها إيرادات الدولة وحجم الإنفاق.
لكنه أشار إلى أن الإسهاب في الإنفاق والتوسع في المصروفات وغياب الترشيد، إلى جانب مظاهر الفساد المالي، تقع مسؤولية كبيرة منها على الحكومات والجهات التنفيذية القائمة، باعتبارها صاحبة القرار في الإنفاق وإدارة المال العام.
ويرسم هذا الطرح أحد أبرز محاور الأزمة الحالية، إذ يصعب مطالبة السلطة النقدية بضبط سعر الصرف في الوقت الذي تستمر فيه السلطات التنفيذية، وفق منتقديها، في توسيع الإنفاق دون وجود قاعدة مالية موحدة تربط المصروفات بالإيرادات الفعلية.
وأكد بن شرادة وجود اتفاق على تنظيم الإنفاق وتوحيده، لكنه قال إن الاتفاق لم ينفذ بالشكل الذي يحقق الانضباط المالي المطلوب، داعيًا إلى البدء من الأساس، عبر توحيد السلطة التنفيذية والقرار المالي، وترشيد الإنفاق، ومكافحة الهدر والفساد، وربط الإنفاق العام بالإيرادات الفعلية للدولة.
وخلاصة موقفه أن الاقتصاد لا يمكن أن يستقر في ظل إنفاق مفتوح وإيرادات محدودة، وأن المؤسسة النقدية لا يمكن تحميلها نتائج سياسات مالية تتخذ خارج نطاق اختصاصها.
أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف أكد بدوره تقديم ناجي عيسى استقالته، معتبرًا أن ليبيا تحتاج إلى وقفة جادة أمام تفاقم الفساد والتدهور الاقتصادي.
وقال الشريف إن ارتفاع سعر الصرف ليس المشكلة في حد ذاته، وإنما يمثل مؤشرًا على مرض اقتصادي خطير قد يستفحل إذا تأخرت المعالجة.
وطالب بوقف التوسع في الإنفاق العام والحد من الهدر، إلى جانب معالجة الانخفاض غير المبرر في الإيرادات.
وتعكس هذه الرؤية انتقال النقاش من محاولة تفسير حركة الدولار يومًا بيوم إلى البحث عن أسباب أعمق، تتصل ببنية المالية العامة ومصادر تمويل الإنفاق ومستوى الإيرادات النفطية والقدرة على إدارة الاقتصاد من خلال مؤسسات موحدة.
الإعلامي طه البوسيفي طرح تفسيرًا يرى أن استقالة المحافظ ترتبط بتعطل جهود إصلاح المالية العامة والسياسة التجارية واستمرار هدر الأموال، إلى جانب ما وصفه بهيمنة أصحاب النفوذ على القرار السياسي والمالي والإداري والتدخل في عمل مؤسسات الدولة.
وقال البوسيفي إن مصرف ليبيا المركزي حاول بشتى الطرق، لكنه لن يتحمل فشل غيره.
وهذه القراءة، وإن كانت رأيًا منشورًا وليست إثباتًا رسميًا لأسباب الاستقالة، تعكس جانبًا من الجدل الدائر في ليبيا بشأن استقلال المؤسسات الاقتصادية، ومدى قدرتها على تنفيذ اختصاصاتها في بيئة سياسية تتعدد فيها مراكز النفوذ والقرار.
أستاذ القانون بجامعة درنة راقي المسماري وصف استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي بأنها «ناقوس خطر» ينذر بانهيار اقتصاد البلاد وعملتها النقدية.
وقال إن الاستقالة تدخل الشعب والمؤسسات في مرحلة فارقة ومفصلية، تتطلب اتخاذ قرارات مصيرية للحفاظ على الاستدامة المالية.
ويكتسب التحذير بعدًا إضافيًا مع تسجيل الدولار 9.18 دنانير في السوق الموازية، لأن تراجع قيمة الدينار لا يتوقف أثره عند سوق العملات، بل يمتد إلى أسعار السلع والخدمات وتكلفة الاستيراد والقدرة الشرائية للأسر.
المحلل السياسي حسام الفنيش وضع التطورات الاقتصادية ضمن إطار أوسع، معتبرًا أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة اقتصاد فقط، وإنما أصبحت أزمة سياسة وأخلاق وسلطة.
وأشار إلى أوضاع تتعلق بالفقر الغذائي والمياه والكهرباء وسعر الدولار وسعر الديزل، وربط بينها وبين ما يثار حول استقالة محافظ المصرف المركزي والهيمنة على المؤسسة والنفوذ السياسي والفساد المالي.
وأكد الفنيش أن الخطر الأكبر، من وجهة نظره، ليس فقط في تدهور المؤشرات الاقتصادية، وإنما في تحول الفقر والفساد وانقطاع الخدمات إلى أوضاع معتادة في حياة المواطنين.
وطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة مؤسسات الدولة على الشعور بما يعيشه الليبيون وحماية ما تبقى من مستقبلهم، في إشارة إلى أن استمرار الأزمة بات يختبر شرعية المؤسسات وفاعليتها، وليس فقط قدرتها على إدارة الملفات الاقتصادية اليومية.
عضو مجلس النواب علي السباعي تناول من جانبه قضية الاستيلاء على أموال الغير وممتلكاتهم، معتبرًا أن ذلك يتم غالبًا من خلال تبريرات وذرائع وتأويلات فاسدة.
وقال إن بعض المتورطين في الاستيلاء على أموال الشركات والبيوت والمزارع وسائر الممتلكات يقدمون تفسيرات وتأويلات تسعى إلى إلباس الباطل ثوب الحق.
وأوضح أن السرقة المباشرة، بحسب تقديره، أقل شيوعًا، وأن الاستيلاء على أموال الآخرين يبدأ غالبًا بفقدان الشعور بقبح الفعل ومحاولة تبريره.
ويأتي هذا الموقف في سياق الجدل الأوسع حول حماية المال العام، والرقابة على الإنفاق، ومكافحة الفساد، وهي ملفات باتت حاضرة بقوة في النقاش العام بالتزامن مع أزمة سعر الصرف والاستقطاب السياسي.
الأزمة المالية لا تنفصل، في نظر عدد من الفاعلين السياسيين، عن الأزمة الأمنية والمؤسسية. وفي هذا السياق، قال عضو لجنة الحوار المهيكل أشرف بودوارة إن الدولة لا تبنى ببقاء المليشيات والفوضى.
وفي الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي، دعا بودوارة إلى استعادة فكرة الدولة الموحدة ذات السيادة، مؤكدًا ضرورة وجود جيش وطني واحد قوي ومهني تحت قيادة موحدة.
وقال إن تعدد الجيوش وبقاء المليشيات والسلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية لا يسمحان ببناء دولة ذات سيادة حقيقية، داعيًا إلى مؤسسة عسكرية بعيدة عن المناطقية والجهوية والقبلية، تكون مهمتها حماية الوطن والحدود وحفظ الأمن والاستقرار.
وربط بودوارة بين توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء الفوضى والفساد واستعادة هيبة الدولة، مؤكدًا أن الجيش ينبغي أن يكون سندًا للدولة والمواطن والقانون، وأن توحيد المؤسسة العسكرية يمكن أن يعزز مكانة ليبيا إقليميًا ودوليًا.
وفي الوقت الذي تضغط فيه الأزمة الاقتصادية على السلطة السياسية، يرى عضو الحوار المهيكل عبد الرحيم الشيباني أن الأيام العشرة المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد اتجاه المشهد الليبي.
وأشار الشيباني إلى ثلاثة اجتماعات رئيسية: اجتماع المجموعة المصغرة في تونس، ولقاء الرئاسات الثلاث في باريس، وجلسة مجلس الأمن والإحاطة الأممية في نيويورك.
وبحسب رؤيته، فإن اجتماع تونس سيختبر إمكانية الوصول إلى توافقات، بينما قد يمثل لقاء الرئاسات الثلاث في باريس فرصة لتقريب المواقف بين المجالس الثلاثة ومحاولة تحديد قدرتها على ممارسة دورها التشريعي والسيادي وفق الإعلان الدستوري وتعديلاته والاتفاق السياسي الليبي وخارطة طريق جنيف.
أما جلسة مجلس الأمن والإحاطة الأممية في نيويورك، فوصفها الشيباني بأنها المحطة الأهم، لأنها قد تكشف توجه البعثة الأممية ومدى تجاوب المجتمع الدولي مع طلباتها للمرحلة المقبلة، وما إذا كان الاتجاه نحو خارطة سياسية جديدة أو إعادة ترتيب المسار القائم.
وبذلك، فإن أزمة المصرف المركزي تتزامن مع اختبار سياسي أوسع قد يحدد شكل المرحلة المقبلة، والجهة التي ستصوغها والضمانات التي ستستند إليها والمظلة التي ستتحرك تحتها.
على منصات التواصل الاجتماعي، بدت ردود الفعل شديدة التباين، لكنها التقت في نقطة أساسية هي القلق من تراجع الدينار وانعكاساته على حياة المواطنين.
فريق من المتابعين اعتبر أن استقالة ناجي عيسى نتيجة طبيعية للضغوط التي تحيط بالمؤسسات الاقتصادية، ورأى أن أي محافظ لن يستطيع العمل بكفاءة في ظل تعدد مراكز النفوذ والصراع السياسي والمسلح.
وفي المقابل، طالب آخرون المحافظ، إذا كانت هناك ضغوط أو أطراف تقف وراء تعطيل الإصلاحات، بأن يخرج للرأي العام ويوضح أسباب الاستقالة والمسؤولين عن الوضع، مؤكدين أن ارتفاع الدولار يعني ارتفاع الأسعار وتفاقم معاناة المواطنين.
وطالب متابعون أيضًا بأن تتحول الاستقالة، إن تمت، إلى بداية للمحاسبة وليس نهاية للمسؤولية، بحيث تتم مساءلة كل من أخطأ أو أهدر المال العام، دون الاكتفاء بتغيير الأشخاص في المناصب.
وفي اتجاه آخر، رأى عدد من المتابعين أن أصل المشكلة يكمن في النظام المالي والمصرفي والانقسام الحكومي، مشيرين إلى وجود حكومتين وإنفاق موازٍ وارتفاع بند المرتبات، إلى جانب تكلفة دعم الوقود وما يرتبط به من فساد وتهريب، فضلًا عن ضعف أداء أجهزة الرقابة المالية والإدارية.
كما ظهرت دعوات إلى عدم قبول استقالة ناجي عيسى ومنحه فرصة لتنفيذ الإصلاحات التي كان يسعى إليها، مع تقديم التنازلات اللازمة من مختلف الأطراف للوصول إلى ميزانية موحدة وضبط الإنفاق.
وتضمن الخطاب الشعبي كذلك انتقادات حادة لحكومة عبد الحميد الدبيبة، واتهامات سياسية لها ولشبكات مرتبطة بها بالمسؤولية عن التعيينات وإدارة المال العام وتفاقم مشكلات الكهرباء والأمن والسيولة. وهذه اتهامات واردة في تعليقات المستخدمين على منصات التواصل وليست وقائع مثبتة في المادة، ولذلك تظل منسوبة إلى أصحابها ولا يمكن تقديمها كحقائق قضائية أو مالية محسومة.
كما ظهرت تعليقات تنتقد احتمال اللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية، وتربط ذلك بمخاوف اجتماعية من إجراءات اقتصادية قد تؤثر في مستوى معيشة الليبيين، بينما استخدم بعض المعلقين عبارات حادة ضد النخب السياسية والاقتصادية.
وتداولت مصادر محلية أن نائب المحافظ مرعي البرعصي تسلم مهام محافظ مصرف ليبيا المركزي بصورة مؤقتة عقب تقديم ناجي عيسى طلب الاعتذار عن الاستمرار في منصبه.
كما برز اسم عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي رضا امحمد سعيد قرقاب باعتباره أحد الأسماء المتداولة لرئاسة المصرف مستقبلًا، دون أن يعني ذلك صدور قرار رسمي نهائي بتعيينه وفق المعلومات الواردة في المتن.
وقرقاب من مواليد نالوت عام 1973، ويحمل بكالوريوس في المحاسبة من جامعة طرابلس وماجستير في الإدارة المالية من الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية بالقاهرة.
وشغل قرقاب عددًا من المناصب الرقابية بديوان المحاسبة، بينها مدير الإدارة العامة للرقابة على القطاع السيادي منذ عام 2021، ومدير الإدارة العامة للرقابة المالية على القطاع العام بين عامي 2018 و2021، ومدير الإدارة العامة لفحص حسابات الهيئات والمؤسسات بين عامي 2016 و2018، ومدير إدارة مراجعة الحسابات الأمنية بين عامي 2015 و2016.
كما شغل عضوية مجلس إدارة وأمانة شؤون مجلس هيئة مكافحة الفساد بين عامي 2014 و2015، وعضوية مجلس إدارة واللجنة التأسيسية لهيئة مكافحة الفساد بين عامي 2012 و2014، وعمل مراجع حسابات بديوان المحاسبة من 2002 إلى 2013، إلى جانب عضويته في اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال بمصرف ليبيا المركزي.
في المحصلة، لا تبدو استقالة ناجي عيسى مجرد تغيير إداري في رأس مصرف ليبيا المركزي، بل جاءت في لحظة تتداخل فيها أزمة سعر الصرف مع أزمة الإنفاق العام والانقسام السياسي والأمني وتعدد مراكز القرار.
واللافت أن معظم المواقف الواردة في المشهد، رغم اختلاف أصحابها، تلتقي عند نقطة أساسية: لا يمكن تحقيق استقرار نقدي مستدام في ظل سياسة مالية غير موحدة، ولا يمكن للمصرف المركزي وحده أن يعالج آثار قرارات إنفاق تتخذ خارجه.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار حكومة الدبيبة في إدارة جانب من المشهد التنفيذي لا يعفي بقية المؤسسات والسلطات من مسؤولياتها، لكنه يجعل ملف الإنفاق العام والقرارات المالية محل مساءلة سياسية أكبر، خصوصًا في ظل الانتقادات المتصاعدة بشأن التوسع في المصروفات واستمرار الانقسام في إدارة الموارد العامة.
ومع بلوغ الدولار 9.18 دنانير في السوق الموازية و9.35 دنانير في بعض معاملات الصكوك والحوالات، يصبح المواطن هو الحلقة الأكثر تعرضًا لتداعيات الأزمة، عبر ارتفاع تكلفة السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية واتساع فجوة الثقة في المؤسسات.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي بعد استقالة عيسى لن يكون في اسم المحافظ المقبل وحده، وإنما في قدرة السلطات الليبية على وقف الإنفاق غير المنضبط، توحيد الميزانية والقرار المالي، حماية استقلال المؤسسات النقدية، رفع كفاءة الرقابة، تحسين تحصيل الإيرادات، ومواجهة الفساد، بالتوازي مع معالجة الانقسام السياسي والأمني الذي يظل أحد جذور الأزمة.
فالعملة لا تعكس فقط أداء المصرف المركزي، بل تعكس في النهاية قدرة الدولة نفسها على إدارة مواردها وفرض قواعدها وحماية مؤسساتها. وفي ليبيا، تبدو هذه المعادلة اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤