Contents
لم تكن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى مجرد خبر إداري عابر، بعدما تزامنت مع مرحلة اقتصادية ومالية شديدة الحساسية، تتداخل فيها أزمة سعر الصرف مع ملف الإنفاق العام، وتوريد عوائد النفط، وقدرة المصرف المركزي على إدارة السياسة النقدية والحفاظ على استقرار السوق.
وتداول الشارع الليبي خلال الساعات الماضية كتابًا منسوبًا إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، يتضمن اعتذاره عن الاستمرار في منصبه، وموجّهًا إلى رئيس مجلس النواب، في خطوة أعادت إلى الواجهة السؤال الأهم: ماذا يعني رحيل محافظ المصرف المركزي على الاقتصاد الليبي، وعلى المواطن الذي يراقب سعر الدولار وأسعار السلع قبل أي مؤشر اقتصادي آخر؟
وبحسب عضو لجنة المالية بمجلس النواب عبد المنعم بالكور، فإن استقالة محافظ المصرف المركزي في ظل الظروف الحالية تثير جملة من المخاوف الاقتصادية، محذرًا من أن تغيير قيادة المؤسسة النقدية الأولى في البلاد من دون خطة انتقال واضحة وسريعة قد يفتح الباب أمام اضطرابات مباشرة في سوق الصرف والاعتمادات والاستيراد والأسعار.
عضو لجنة المالية بمجلس النواب عبد المنعم بالكور قال إن السؤال الأهم بعد استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى لا يتعلق فقط بأسباب الاستقالة، وإنما بما يمكن أن تعنيه الخطوة للاقتصاد الليبي والمواطن.
وأوضح بالكور أن تغيير قيادة المؤسسة النقدية الأولى في البلاد، من دون خطة انتقال واضحة وسريعة، قد يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق، مشيرًا إلى أن أسواق العملة تتأثر بدرجة كبيرة بالتوقعات والمخاوف، وليس فقط بالبيانات الاقتصادية الحالية.
وأضاف أن أي غموض بشأن مستقبل إدارة مصرف ليبيا المركزي أو قدرة المؤسسة على اتخاذ قراراتها بصورة طبيعية، قد يدفع المتعاملين إلى زيادة الطلب على الدولار تحسبًا لأي تطورات جديدة، وهو ما قد يضغط على قيمة الدينار في السوق الموازية.
وقال بالكور إن خطورة الأمر تكمن في أن حالة عدم الاستقرار قد تدخل السوق في حلقة متتابعة تبدأ بالمخاوف من مستقبل المصرف، ثم زيادة الطلب على الدولار، وصولًا إلى مزيد من الضغط على الدينار.
وأضاف: «عدم الاستقرار في المصرف يزيد المخاوف في سوق الصرف، والمخاوف ترفع الطلب على الدولار، وارتفاع الطلب يضغط بدوره على الدينار».
وحذر بالكور من أن تأثير استقالة المحافظ لن يتوقف عند سوق العملات، موضحًا أن أي ارتفاع في سعر الدولار سينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حياة المواطن.
وأشار بالكور، إلى أن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وبالتالي فإن ارتفاع تكلفة العملة الأجنبية يعني ارتفاع تكلفة استيراد السلع، وهو ما ينعكس في النهاية على الأسعار داخل السوق المحلية.
وأوضح بالكور، أن استمرار الضغط على الدينار قد يدفع التجار إلى إعادة تسعير السلع وفقًا لتكلفة الحصول على العملة الأجنبية، الأمر الذي قد يطال المواد الغذائية والأدوية والسلع الأساسية.
وأكد أن المواطن سيكون المتضرر الأول من أي موجة جديدة لارتفاع الدولار، لأن تراجع قيمة الدينار يعني تراجع القوة الشرائية للدخل والمرتبات.
وأشار بالكور إلى أن الملف الثاني الذي يستحق المتابعة هو ملف الاعتمادات المستندية وتوفير النقد الأجنبي للمستوردين.
وأوضح بالكور، أن عمليات الاستيراد تحتاج إلى استقرار في عمل المصرف المركزي والمصارف التجارية، وإلى قرارات وإجراءات واضحة تضمن استمرار توفير النقد الأجنبي.
وحذر بالكور، من أن أي حالة من الارتباك أو التأخير في الإجراءات قد تؤدي إلى تأخر فتح الاعتمادات المستندية، وبالتالي تأخر وصول بعض السلع إلى السوق.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بتأخر وصول البضائع، وإنما أيضًا بارتفاع تكلفة الاستيراد، موضحًا أن زيادة المخاطر المرتبطة بالحصول على العملة الأجنبية قد تنتقل في النهاية إلى المستهلك.
وأكد بالكور أن انعكاس أي اضطراب نقدي على المواطن سيكون سريعًا، خصوصًا في ظل ارتباط أسعار عدد كبير من السلع بالسوق الخارجية وسعر العملة الأجنبية.
وأوضح أن ارتفاع الدولار يؤدي إلى زيادة تكلفة الاستيراد، فيما يؤدي تراجع الدينار إلى تآكل القوة الشرائية للمواطن.
وقال بالكور، إن المعادلة بالنسبة للمواطن بسيطة: كلما ارتفعت تكلفة الدولار، ارتفعت معها تكلفة السلع والخدمات المرتبطة بالاستيراد، وبالتالي يصبح المواطن أمام أسعار أعلى ودخل يفقد جزءًا من قدرته الشرائية.
وحذر من أن استمرار هذه الضغوط قد يفتح الباب أمام موجة تضخمية جديدة، إذا لم تتم معالجة أسباب الضغط على سعر الصرف.
وفي قراءته لأسباب الأزمة، شدد بالكور على أن استقالة المحافظ لا يمكن فصلها عن الوضع المالي العام في البلاد.
وأشار بالكور، إلى أن ضبط الإنفاق العام وتوريد عوائد النفط يمثلان عنصرين أساسيين في استقرار السياسة النقدية.
وأوضح بالكور، أن مصرف ليبيا المركزي لا يستطيع بمفرده معالجة جميع الاختلالات المالية، مؤكدًا أن استقرار الدينار يحتاج إلى تعاون المؤسسات المختلفة، خصوصًا فيما يتعلق بالإنفاق العام والإيرادات النفطية.
وأضاف بالكور، أن عدم تعاون الأطراف المختلفة في الدولة بشأن ضبط الإنفاق وتوريد عوائد النفط يضع ضغوطًا كبيرة على السياسة النقدية، ويجعل مهمة المصرف المركزي أكثر صعوبة.
ويرى بالكور أن عوائد النفط تمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، ولذلك فإن انتظام توريدها إلى مصرف ليبيا المركزي يمثل عاملًا رئيسيًا في الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي.
وأوضح بالكور، أن الدولة تعتمد بصورة أساسية على النفط لتمويل نفقاتها وتوفير النقد الأجنبي، وبالتالي فإن أي خلل في تدفق الإيرادات النفطية ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على إدارة مواردها.
وفي المقابل، أكد بالكور، أن ضبط الإنفاق يمثل الوجه الآخر للمعادلة، مشيرًا إلى أن زيادة الإنفاق دون موارد حقيقية كافية تخلق ضغوطًا إضافية على الاقتصاد وعلى السياسة النقدية.
وتأتي استقالة المحافظ في وقت كان فيه ملف توحيد الإنفاق العام حاضرًا بقوة في المشهد الاقتصادي الليبي.
ويعد الاتفاق على الإنفاق الموحد محاولة لإنهاء حالة الازدواج المالي التي عانى منها الاقتصاد الليبي لسنوات، لكن نجاحه يبقى مرتبطًا بمدى التزام المؤسسات المختلفة بتنفيذه.
ويشير بالكور إلى أن استمرار الإنفاق المنضبط وتوريد الإيرادات النفطية يمثلان ضرورة للحفاظ على استقرار السوق، محذرًا من أن العودة إلى الإنفاق غير المنضبط قد تزيد الضغوط على الدينار وتفاقم الاختلالات المالية.
تكمن حساسية استقالة محافظ المصرف المركزي في أنها تأتي وسط مجموعة من الضغوط الاقتصادية المتزامنة.
فالدينار يواجه ضغوطًا في السوق الموازية، والاقتصاد يعتمد بشكل رئيسي على النفط، فيما لا تزال قضية الإنفاق العام واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل.
ويضاف إلى ذلك اعتماد السوق الليبية على الاستيراد، وهو ما يجعل سعر الدولار عنصرًا مؤثرًا بصورة مباشرة في أسعار السلع.
وبالتالي، فإن أي غموض بشأن مستقبل قيادة المصرف المركزي قد يدفع الأسواق إلى التحرك قبل ظهور أي قرارات رسمية جديدة.
ولا يقتصر تأثير الاستقرار داخل مصرف ليبيا المركزي على السوق المحلية.
فالمصرف يرتبط بعلاقات مالية ومصرفية مع مؤسسات دولية وبنوك مراسلة، ويحتاج القطاع المصرفي الليبي إلى وضوح واستقرار في إدارة التحويلات الخارجية وتمويل التجارة والعمليات المصرفية الدولية.
ومن هنا، فإن انتقال إدارة المصرف بطريقة منظمة يحافظ على استمرارية العمل ويبعث برسالة طمأنة إلى المتعاملين المحليين والدوليين، بينما قد يؤدي أي فراغ أو صراع مؤسسي إلى زيادة حالة عدم اليقين.
بالنسبة للمواطن، لن يكون تقييم المرحلة المقبلة عبر البيانات الرسمية فقط، بل عبر ثلاثة مؤشرات واضحة:
سعر الدولار:
هل يستقر الدينار أم يواصل التراجع أمام العملات الأجنبية؟
الاعتمادات المستندية:
هل تستمر عمليات تمويل الاستيراد بصورة طبيعية، أم تظهر عراقيل وتأخيرات؟
أسعار السلع:
هل تستقر الأسعار، أم تنتقل ضغوط سوق الصرف إلى المواد الغذائية والأدوية والسلع الأساسية؟
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤