آخر الأخبار

من الساحل إلى ليبيا وأوروبا.. كيف تعمل شبكات تهريب الكوكايين؟

شارك
مصدر الصورة
خريطة توضح مسارات تهريب الكوكايين من دول منطقة الساحل إلى داخل ليبيا. (المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية)

خلص تقرير أعدته المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية إلى وجود علاقة وثيقة بين الوصول إلى الحماية السياسية في ليبيا ومالي والنيجر، وانتعاش أنشطة وشبكات تهريب الكوكايين، موضحًا أن الوصول إلى الحماية السياسية والسيطرة على الأراضي يمثلان عاملين حاسمين في تحديد الجهات القادرة على نقل كميات كبيرة من الكوكايين.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وعلى الرغم من بعض التحسن المسجل في الوضع الأمني في ليبيا، رجح تقرير المبادرة الدولية أن تظل منظومات التهريب التي تربط منطقة الساحل بليبيا وأوروبا قادرة على التكيف، في ظل تأثرها بتغيرات الصراع والتحولات السياسية والاستراتيجيات المتطورة لشبكات التهريب.

المجموعات المسلحة والحماية السياسية
استعرض التقرير دور الجماعات المسلحة المرتبطة بالدولة في ليبيا ومالي والنيجر في تسهيل وتنشيط تجارة الكوكايين، وقال إن جماعات وأطرافًا مرتبطة بالدولة تهيمن على القطاعات الأكثر ربحية في أنشطة تهريب الكوكايين بين دول منطقة الساحل وليبيا، وخلص إلى أن القدرة على تهريب شحنات ضخمة من مخدر الكوكايين، سواء في ليبيا أو مالي أو النيجر، تعتمد على حجم الوصول إلى الحماية السياسية.

- تقرير دولي يدعو إلى فرض عقوبات على شبكات تهريب الكوكايين في ليبيا ومنطقة الساحل
- من هو «بيديكا» كبير مهربي المخدرات إلى ليبيا عبر النيجر؟

ووجد أن الجماعات المسلحة في ليبيا ودول منطقة الساحل تلعب دورًا رئيسيًا في أنشطة تهريب الكوكايين، وتؤدي دورًا عملياتيًا من خلال توفير الحماية المسلحة وتأمين مسارات التهريب عبر الأراضي الواقعة تحت سيطرتها.

وعلى الرغم من الدور المحدود الذي تلعبه التنظيمات المتطرفة العنيفة في تنظيم أنشطة تهريب الكوكايين، فإنها تتربح بشكل غير مباشر، وبدا ذلك واضحًا في الصلات التي طورتها مجموعات مثل «داعش في منطقة الساحل» منذ العام 2023 مع شبكات تهريب الكوكايين.

أربع مسارات رئيسية
بحسب خريطة أوردها التقرير، تمتد مسارات تهريب الكوكايين الرئيسية إلى مناطق واسعة من ليبيا. ومنها ما يبدأ من النيجر ويدخل ليبيا جنوبًا عبر ممر السلفادور، ويصل إلى أوباري وسبها، ثم إلى الزنتان، ومنها إلى طرابلس وصبراتة.

كما تصل بعض ممرات التهريب الرئيسية من القطرون جنوبًا إلى وسط ليبيا، إلى سبها وتازربو، ومنها ما يصل عبر الحدود إلى مصر، أو يتجه شرقًا إلى طبرق وبنغازي، لتستمر أنشطة التهريب عبر البحر.

وبشكل عام، حدد التقرير أربعة ممرات برية رئيسية لتهريب الكوكايين من منطقة الساحل، تبدأ من موانئ الوصول في غرب أفريقيا، وتمر عبر منطقة الساحل، وتخرج عبر ليبيا أو المغرب أو موريتانيا باتجاه أوروبا.

ويتجه اثنان من هذه الممرات شمالًا: أحدهما من نقاط الدخول الساحلية في المركز الغربي، وموريتانيا والسنغال وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا وليبيريا وسيراليون، عبر مالي والنيجر إلى ليبيا؛ والآخر من توغو وبنين وغانا أو نيجيريا، وبدرجة أقل بوركينا فاسو، عبر النيجر إلى ليبيا.

ويتجه ممر ثالث شمالًا أيضًا، ولكن غربًا على طول ساحل المحيط الأطلسي، ويربط الموانئ الساحلية في السنغال وغامبيا بموريتانيا، ويتحد مع التدفقات البحرية الواردة إلى ذلك البلد، قبل أن يتجه برًا نحو المغرب ثم إلى إسبانيا.

أما الممر الرابع، فيمر عبر نيجيريا، مستفيدًا من موانئها البحرية الرئيسية، لاغوس وبورت هاركورت، بالإضافة إلى الدول الساحلية المجاورة، مستخدمًا شبكة الطرق النيجيرية الواسعة للوصول إلى النيجر.

ومع ذلك، تُستخدم شبكة أكثر تعقيدًا وتنوعًا من الطرق لربط نقاط الدخول بنقاط الخروج الأكثر ملاءمة من الناحية اللوجستية، إذ تربط الواردات غير المعبأة في حاويات عبر المناطق الساحلية المفتوحة بالموانئ البحرية الكبرى في المنطقة لتصديرها إلى أوروبا.

تغييرات ملحوظة منذ العام 2023
وفيما تتبع تقرير المبادرة الدولية تطور أنشطة تهريب الكوكايين منذ العام 2009 عبر منطقة الساحل وإلى ليبيا، أشار إلى تغيرات جوهرية شكلت عمل شبكات التهريب في ليبيا ومالي والنيجر منذ العام 2023، وترتبط بالتطورات السياسية والأمنية الداخلية في كل بلد.

وأبرز التقرير هشاشة الوضع السياسي في شمال غرب البلاد، الذي يتسم بالتنافس المستمر بين الجماعات المسلحة، في ظل ما وصفه بـ«سيطرة ضعيفة من قبل حكومة الوحدة الوطنية الموقتة، التي اضطرت إلى الدخول في مفاوضات معقدة مع الجماعات المسلحة في محاولة لبسط نفوذها، مما يدل على قدر كبير من الاستقلالية والإفلات من العقاب على المستوى المحلي في غرب ليبيا».

عقد هذا الوضع جهود مكافحة أنشطة تهريب الكوكايين، مع تغير ميزان القوى بشكل سريع بين التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا. وكان أبرز تلك التغييرات، بحسب التقرير، مقتل عبدالغني الككلي في مايو 2025، الذي كان متورطًا بشكل مباشر في تهريب الكوكايين. وأسفر مقتله عن إعادة تشكيل التحالفات بين الجماعات المسلحة في الغرب، وتمكين جهات أمنية من توسيع دورها في تجارة الكوكايين.

أما في المنطقة الشرقية، وفي حين سجل التقرير تحسنًا أكبر في الوضع الأمني، نتيجة السيطرة القوية لقوات «القيادة العامة»، فإنه أشار في الوقت نفسه إلى «تورط بعض الشخصيات المقربة من السلطات في أنشطة التهريب، مستغلة نفوذها في جنوب وشرق البلاد»، على حد قوله.

وعززت تلك الأطراف سيطرتها على طرق تهريب المخدرات، ولا سيما تلك التي تنقل شحنات الحشيش والكوكايين عالية القيمة من الجزائر ومنطقة الساحل عبر جنوب غرب ليبيا إلى شمال شرقها. وقد أدى ذلك إلى تهيئة بيئة مستقرة وعملية ومواتية للتهريب، مما ساهم بدوره في توسع هذه التجارة.

شبكة معقدة من الوسطاء تحظى بالحماية
كما استعرض التقرير شبكات الوسطاء المعقدة، التي تضم مجموعة ضئيلة من الأفراد والأطراف في كل من مالي والنيجر وليبيا، وتتولى تسهيل أنشطة تهريب ونقل شحنات الكوكايين بين البلدان الثلاثة.

وقال إن أنظمة الحماية الحكومية، التي تضم النخب السياسية وأجهزة الاستخبارات وكبار المسؤولين الأمنيين، تسهل تهريب الكوكايين في البلدان الثلاثة. وخلال فترات بقاء هذه الأنظمة سليمة، يستمر التهريب على نطاق واسع، مما يعكس نمطًا إقليميًا ثابتًا، حيث يعتمد تهريب الكوكايين بشكل أقل على حدة الصراع في مناطق العبور، وأكثر على استمرارية أنظمة الحماية هذه.

وتحدث التقرير عن «حماية تحظى بها أنظمة وشبكات تهريب الكوكايين في ليبيا، يتورط فيها شخصيات وأطراف تابعة للسلطات في طرابلس وبنغازي والجماعات المسلحة المرتبطة بهما».

ونقلت المبادرة الدولية عن مصادر لم تسمها داخل ليبيا قولها إن «مسؤولًا بارزًا يتبع القيادة العامة يتولى حماية شحنات الكوكايين والتربح منها، وهو يوصف بأنه قمة الهرم في شبكة معقدة تضم عناصر إجرامية ومسؤولين حكوميين».

وينطبق الأمر نفسه على المنطقة الغربية في ليبيا، إذ قال التقرير إن «الحماية رفيعة المستوى لتهريب الكوكايين تحمل أهمية بالغة في طرابلس. إلا أن المشهد الأمني المتصدع في المنطقة يمكن جماعات مسلحة متعددة من فرض سيطرتها، مما يعني أن الحماية توفرها جماعات مسلحة مختلفة متورطة في نقاط متفرقة على طول طرق التهريب».

الكوكايين.. مصدر حيوي لبقاء المجموعات المسلحة
خلص التقرير إلى بقاء الكوكايين مصدرًا مهمًا لتمويل عدد من الجماعات المسلحة في ليبيا ومالي والنيجر، بما يساهم في استمرار انعدام الاستقرار، ويدعم وجودًا شبه دائم للجماعات المسلحة، ويخلق حوافز لها لحماية طرق التهريب باعتبارها شريان حياة اقتصاديًا.

وحذر في الوقت نفسه مما وصفه بـ«مخاطر توطيد السيطرة وتعزيز الاستحواذ المؤسسي»، لافتًا إلى مؤشرات على أن هياكل معينة تابعة للدولة في ليبيا ومالي والنيجر قد تعمل على توطيد سيطرتها على تجارة الكوكايين.

وكما هو الحال في شرق ليبيا، توقع التقرير أن «تواصل بعض الجهات الرئيسية في المنطقة الغربية توطيد سيطرتها على أجزاء من تجارة الكوكايين. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة نفوذ جهة متقلبة داخل المشهد السياسي والأمني المنقسم، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على الحوكمة وعمليات تهريب الكوكايين إلى أوروبا، بما في ذلك عبر البحر».

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا