Contents
تتداخل في ليبيا مجدداً أزمات السياسة والأمن والاقتصاد والهجرة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الموجهة إلى أداء الأجسام السياسية والبعثة الأممية، وسط دعوات متباينة بين الانفتاح على المجتمع الدولي، واستعادة السيادة الوطنية، وإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة.
اتهم عضو مجلس الدولة الاستشاري عادل كرموس البعثة الأممية بعدم الجدية في معالجة الإشكالية السياسية الليبية، معتبراً أن تحركاتها الحالية تهدف أساساً، بحسب تقديره، إلى كسب الوقت وتحقيق أكبر استفادة ممكنة من استمرار الأزمة وتمديدها.
وأوضح كرموس أن عضوي مجلس الدولة المشاركين في لجنة «4+4» أكدا بشكل قاطع أنهما لا يمثلان المجلس رسمياً في هذه المرحلة، مشيراً إلى أن مخرجات اللجنة ونتائجها ستُعرض لاحقاً على مجلسي النواب والدولة لمناقشتها والموافقة عليها قبل اعتمادها بصورة قانونية.
وفي قراءة أخرى لمسار اللجنة، قال عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني إن إعلان البعثة التوصل إلى اتفاق بشأن آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، خلال الجولة السابعة من اجتماعات «4+4»، لا يمثل مجرد تقدم إجرائي، بل يأتي ضمن صراع أوسع حول الجهة التي ستملك القدرة على صياغة المرحلة المقبلة وضمانات استمرار نفوذها.
ورأى الباروني أن المفوضية، رغم طبيعتها الفنية المستقلة المفترضة، تحولت في الحالة الليبية إلى أحد مفاتيح السلطة، لأن الجهة التي تتحكم في قواعد العملية الانتخابية تستطيع التأثير في مسارها ونتائجها. ولفت إلى أن الخلاف حول رئاسة المفوضية يرتبط بمعايير الترشح، وسجل الناخبين، والإشراف على مراحل الانتخابات، وإعلان النتائج، والتعامل مع الطعون والنزاعات القانونية.
وأضاف أن مهمة «4+4»، التي أُنشئت أساساً لتقريب وجهات النظر بشأن القوانين الانتخابية، باتت تواجه ملفات تتجاوز اختصاصها، من بينها توحيد المؤسسة العسكرية، وتوزيع الموارد النفطية، وإنهاء الانقسام الحكومي، وتحديد شكل النظام السياسي، ومعالجة الوجود العسكري الأجنبي وإعادة هيكلة المؤسسات السيادية.
وبحسب الباروني، فإن تعثر المسارات السابقة يرتبط بغياب الثقة المتبادلة، ونظر أطراف سياسية إلى الانتخابات باعتبارها وسيلة لتعزيز النفوذ، إلى جانب تضارب المصالح الداخلية ومخاوف القوى السياسية والعسكرية من تغيير موازين القوة، فضلاً عن تعدد مراكز النفوذ وتباين مصالح الدول الفاعلة بين الطاقة والأمن والنفوذ الجيوسياسي والهجرة غير النظامية.
وفي مقابل الجدل حول دور الخارج، دعا المهندس محمد المزوغي، المرشح لرئاسة الحكومة الليبية الموحدة، إلى التركيز على الداخل وإصلاح مؤسسات الدولة ومعالجة الأزمات التي يعيشها المواطنون.
وقال المزوغي إن المرحلة الحالية تتطلب وضع إنقاذ الوطن وإصلاح المؤسسات ومعالجة الأزمات في مقدمة الأولويات، بعيداً عن الانشغال بالصراعات الإقليمية أو الملفات التي لا تخدم المصلحة الوطنية الليبية.
وربط المزوغي بين الانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية وتردي الخدمات والانفلات الأمني، داعياً إلى إقامة علاقات متوازنة ومحترمة مع دول الجوار والمحيط الإقليمي، لكن من دون تدخل في شؤون الآخرين أو السماح بتحويل ليبيا إلى ساحة للصراعات الإقليمية.
وأكد أن بناء دولة مستقرة وموحدة وذات سيادة وقادرة على حماية مصالحها وحدودها يتطلب إغلاق أبواب التدخل في الشأن الليبي، بالتوازي مع ابتعاد ليبيا عن التدخل في شؤون الدول الأخرى.
وفي الاتجاه ذاته، أكد المحلل السياسي سعد الدينالي تأييده للمبادرة الأمريكية للسلام انطلاقاً، بحسب قوله، من هدف الحفاظ على ما تبقى من الدولة وإنقاذها من الفوضى والفساد. واعتبر أن الأجسام السياسية الموجودة حالياً لا تستطيع صناعة حل، بل أصبحت، وفق تقييمه، مصدراً للفوضى والفساد.
وقال الدينالي إنه يدعم أي مشروع يرى فيه جدية للحفاظ على مؤسسات الدولة ونوايا حقيقية لبناء وطن، في مقابل ما وصفه بمشاريع الفساد والتفكك والتدمير الممنهج.
في المقابل، حذر المحلل السياسي عبد الله الديباني من أن عزل ليبيا عن محيطها الدولي ليس طريقاً لحماية السيادة، بل قد يؤدي إلى تعميق أزماتها. ورفض اختزال التعاون السياسي والاقتصادي مع المجتمع الدولي في مؤامرات خارجية، معتبراً أن السيادة الحقيقية تقوم على الشراكة الدولية والمصالح المتبادلة.
وأوضح الديباني أن الاستثمار وتبادل الخبرات والتكامل الاقتصادي والتعاون الأمني يمكن أن تكون أدوات لتمكين ليبيا من استعادة دورها، وليس بالضرورة تهديداً لهويتها أو إرادتها الوطنية. ورأى أن تبني نظرية المؤامرة أدى خلال العقود والسنوات الماضية إلى تفويت فرص استثمار وتنمية، وحذر من تكرار الأمر بما يبقي البلاد في حالة جمود وعزلة.
على الصعيد الأمني، قال سفير ليبيا السابق لدى سوريا محمد شعبان المرداس إن مدينة الزاوية تعاني منذ نحو 15 عاماً صراعاً دموياً مستمراً يتفاقم بصورة يومية.
وأوضح المرداس أن استمرار الحرب يعمق جراح المدينة ويدفع الأهالي إلى اليأس من المشهد، مؤكداً أن السكان سئموا من المليشيات المتصارعة، وأن هناك حاجة إلى تنظيم الشباب المنخرطين فيها تحت مظلة مؤسسية.
وأشار إلى أن الشارع الليبي في المنطقة الغربية يطالب بتوحيد الجيش ومعالجة ملف التشكيلات المسلحة، معتبراً أن الوصول إلى حل يتطلب دوراً خارجياً وتوحيد المؤسسة العسكرية، لأن الأطراف المتصارعة، بحسب تقديره، لم تتمكن من الوصول إلى تسوية فيما بينها.
وفي طرابلس، حذر مجلس حكماء وأعيان طرابلس المركز من تصاعد مظاهر الانفلات الأمني، مطالباً وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية التابعة لها بتحمل مسؤولياتها في حماية الأرواح والممتلكات.
وأشار المجلس إلى تكرار حوادث السطو المسلح والاعتداءات، ومنها واقعة تعرض المواطن العارف أربيش لاعتداء في سوق المشير، وحادثة سطو مسلح في منطقة أبو مشماشة، إضافة إلى وفاة المواطن ياسر سيفاو داخل مقر أمني إثر ما وصفه المجلس بالتعذيب، مع الإشارة إلى الإجراءات التي اتخذها النائب العام بحق المتهمين في الواقعة.
واعتبر المجلس أن هذه الوقائع تعكس تراجع الشعور بالأمن والأمان، محملاً وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية مسؤولية التصدي للجريمة. كما انتقد حجم الميزانيات المخصصة للوزارة والأجهزة التابعة لها، مطالباً بمراجعة الأداء وآليات العمل وتوجيه الإمكانات المتاحة نحو تعزيز الأمن.
ودعا المجلس رئاسة الحكومة ووزير الداخلية إلى إجراءات عاجلة، وجدد رفضه وجود مقرات أمنية داخل الأحياء السكنية، محذراً من أن استمرار الجريمة قد يدفع المواطنين إلى حماية أنفسهم بوسائل مختلفة، بما قد يقود إلى انتشار مظاهر الأمن الذاتي والفوضى.
وأشاد المجلس بجهود النائب العام، وطالب بمواصلة الإجراءات القانونية والقبض على مرتكبي الجرائم وتقديمهم للعدالة، كما دعا المجلس البلدي طرابلس المركز إلى وضع الملف الأمني في مقدمة أولوياته والتنسيق مع الجهات المختصة والمكونات المدنية.
وفي تقييم أكثر حدة، قال المحلل السياسي السنوسي إسماعيل إن استخدام أسلحة متطورة وطائرات مسيرة في المواجهات بين التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا يعكس استمرار المعادلة الصفرية بينها، في ظل عجز حكومة الدبيبة، بحسب تقديره، عن وقف المواجهات أو فرض سلطتها.
وحذر إسماعيل من انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، بحيث تصبح المنشآت العامة والخاصة والمدنيون أهدافاً محتملة، معتبراً أن ما يحدث يعكس خروجاً شبه كامل للمنطقة الغربية عن سلطة حكومة الوحدة المؤقتة وغياب قوة واحدة قادرة على فرض الأمن.
وأشار إلى أن المنطقة العسكرية الغربية يفترض أن تتبع رئاسة الأركان، وأنها تحتاج إلى الإمكانات والصلاحيات والإرادة اللازمة لبسط الأمن، فيما اعتبر أن اتفاقات وقف إطلاق النار بين التشكيلات تظل مؤقتة، خصوصاً مع استمرار عمليات القتل والاغتيالات حتى خلال فترات الهدوء.
وشدد على أن المشكلة تتجاوز وقف الاشتباكات إلى غياب حوار حقيقي بين القوى المسلحة، في ظل سعي كل طرف، بحسب وصفه، إلى إقصاء الآخر. كما طالب بالتحقق من مصادر الطائرات المسيرة وكيفية دخولها إلى ليبيا والجهات التي وزعتها على التشكيلات المسلحة.
واعتبر أن تسليح مجموعات مسلحة غير خاضعة لمؤسسات الدولة يمثل خطراً بالغاً، خصوصاً في ظل القيود الدولية المفروضة على تصدير الأسلحة إلى ليبيا. وحذر من أن امتلاك هذه المجموعات أسلحة متطورة سيجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة حتى أمام أي حكومة موحدة مقبلة.
وأكد إسماعيل أن المنطقة الغربية تضم نحو ثلث سكان ليبيا، وأن أي قتال فيها ينعكس مباشرة على المدنيين، داعياً إلى تحرك وطني لحماية السكان والممتلكات.
Screenshotكما حمّل مجلس الدولة والقوى الاجتماعية والأحزاب والقوى الوطنية مسؤولية التحرك، وحمّل البعثة الأممية مسؤولية كبيرة تجاه حماية الليبيين من الانتهاكات، مطالباً بموقف جاد من الأحداث.
وحمّل حكومة الوحدة المؤقتة مسؤولية مباشرة عن الانفلات الأمني، داعياً إياها إلى فرض سلطة وزارتي الداخلية والدفاع ورئاسة الأركان، أو الإعلان عن عجزها وفتح المجال أمام تشكيل حكومة جديدة قادرة على ضبط الوضع.
وأكد أن جهود الأعيان لفرض الهدن لا تشكل حلاً دائماً، وأن الحل الجذري، من وجهة نظره، يتمثل في تفكيك التشكيلات المسلحة ودمج أفرادها في الجيش والشرطة.
وحذر كذلك من تداعيات الاضطرابات على الطريق الرابط بين طرابلس ورأس جدير، باعتباره طريقاً حيوياً لجميع الليبيين، مؤكداً أن إغلاقه أو تهديده ينعكس على حركة المواطنين وأمن المسافرين.
وفي تفسيره لتزايد الاهتمام الدولي بليبيا، ربط إسماعيل جانباً منه بأزمة مضيق هرمز وما أظهرته من هشاشة سوق الطاقة العالمي، معتبراً أن استقرار ليبيا بات مهماً لأوروبا والولايات المتحدة ودول الجوار، خصوصاً تركيا ومصر.
وفي ملف الهجرة، قال رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا عبد المنعم الحر إن شبكات الاتجار بالبشر تضم عناصر من جنسيات متعددة، وقد ينتمي بعض أفرادها إلى دول يأتي منها الضحايا أنفسهم.
وأوضح أن نشاط التهريب يتركز في مناطق ساحلية تمتد من مسلاتة إلى رأس جدير، مستفيداً من ضعف السيطرة على أجزاء من الحدود والمياه الإقليمية. وربط انتشار هذه الشبكات بالانقسام السياسي والمؤسساتي، الذي أضعف قدرة السلطات على تبادل المعلومات وملاحقة قادة شبكات التهريب، داعياً إلى تعاون أمني وقضائي بين دول المنشأ والعبور والمقصد.
بدوره، حذر أستاذ العلوم السياسية والخبير في قضايا المهاجرين يوسف الفارسي من أن ملف الهجرة غير النظامية أصبح من أكثر الملفات تعقيداً وخطورة، منتقداً السياسات الأوروبية التي تتعامل مع ليبيا باعتبارها دولة عبور واستقبال للمهاجرين.
وأشار الفارسي إلى الموقع الجغرافي لليبيا ودورها في طرق الهجرة نحو جنوب أوروبا، معتبراً أن استمرار تدفق المهاجرين في ظل ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي والأمني فاقم التحديات الأمنية والإنسانية والاجتماعية.
ولفت إلى انتشار شبكات الاتجار والتهريب والاستغلال والابتزاز، وتحدث عن تقارير وشكاوى تتعلق بمطالبة أسر مهاجرين بدفع أموال مقابل إطلاق سراحهم، داعياً إلى التحقيق في أي ممارسات من هذا النوع ومساءلة المسؤولين عنها.
ورفض الفارسي تحويل ليبيا إلى دولة ثالثة لاستقبال أو توطين أعداد كبيرة من المهاجرين، مؤكداً أن ليبيا، في رؤيته، يجب أن تبقى دولة عبور وليست دولة توطين، وأن أي توجه لفرض التوطين ستكون له انعكاسات على الأمن القومي والسيادة والمؤسسات والمجتمع.
وأوضح أن الدخول القانوني للأجانب إلى ليبيا لا يمثل مشكلة من حيث المبدأ، بينما يخضع الدخول غير النظامي للقوانين الليبية، مشدداً على أن معالجة الملف تحتاج إلى مؤسسات قوية قادرة على تطبيق القانون، ومواجهة الاتجار والتهريب والاستغلال والابتزاز، وتحسين أوضاع مراكز الإيواء وضمان حقوق المهاجرين.
وفي السياق نفسه، طالب اللواء نايف الحاسي، مدير مكتب المعلومات والتوثيق بوزارة الداخلية سابقاً، بوقف منح طالبي اللجوء شهادات الاعتراف بصفة لاجئ داخل ليبيا، معتبراً أن استمرار تكديس اللاجئين في مراكز الإيواء أو المدن يمكن أن يتحول إلى توطين مبطن.
ودعا الحاسي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى إدارة خدماتها وملفاتها خارج الأراضي الليبية، مؤكداً رفض التوطين، ومشيراً إلى أن الظروف الأمنية الحالية لا تؤهل ليبيا لمنح الحماية لمن يستحقها.
واعتبر أن التدخل الدولي في ملف اللاجئين يتجاوز، بحسب تقديره، الحدود الدبلوماسية والإنسانية، مستنداً إلى أن ليبيا دولة منقسمة سياسياً لكنها، في رأيه، تظل صاحبة سيادة على أراضيها.
واستند الحاسي إلى القانون رقم 6 لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب وخروجهم وتعديلاته، مشيراً إلى تجريم الدخول خلسة أو دون تأشيرة رسمية، كما قال إن التشريعات الليبية لا تتضمن نصاً ينظم صفة اللاجئ بالمفهوم الذي تحاول المنظمات الدولية تطبيقه.
وأشار كذلك إلى أن ليبيا لم تصادق على اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين ولا بروتوكول عام 1967، معتبراً أن عمل اللجان الدولية والمفوضية داخل البلاد يجب أن يقتصر على الدعم الإنساني واللوجستي المؤقت بهدف الترحيل أو إعادة التوطين في دول ثالثة.
وفي بعد جديد للملف، قالت حنين بوشوشة، مديرة إدارة الخبراء بوزارة الخارجية ونائبة مدير مركز دراسات وأبحاث الهجرة، إن الاتجار بالبشر دخل مرحلة جديدة مع استخدام التكنولوجيا ووسائل الاحتيال الإلكتروني.
وأضافت أن استمرار النزاعات في دول الجوار، خصوصاً عند الحدود الجنوبية، يزيد المخاطر، مشيرة إلى عمل السلطات الليبية على تطوير التشريعات والسياسات الوطنية لمواجهة التحولات التي طرأت على جرائم الاتجار بالبشر.
اقتصادياً، حذر الخبير الاقتصادي سعيد رشوان من تآكل الاحتياطيات من العملة الأجنبية، معتبراً أن المؤشرات المتاحة تستوجب التعامل معها بأقصى درجات المسؤولية.
وقال رشوان إن المعلومات الفنية تشير إلى اقتراب الوضع من مرحلة حرجة مع تناقص الأصول الحرة بوتيرة مقلقة، محذراً مما وصفه بالاستخدام غير الرشيد والمفرط للأرصدة.
وأشار إلى الضغوط التي يتعرض لها مصرف ليبيا المركزي، لكنه أكد أن مسؤوليته القانونية والوطنية تفرض عليه الالتزام بالقانون وإطلاع الرأي العام على حقيقة الوضع المالي بشفافية.
ودعا إلى إجراءات إصلاحية وتقشفية مدروسة لحماية الاحتياطيات والحفاظ على الاستقرار المالي، محذراً من أن التأخر في الإصلاح قد يجعل تكلفته أعلى ويفتح الباب أمام الاعتماد على مؤسسات الإقراض الدولية وما يرتبط بها من شروط وقيود اقتصادية.
وفي ملف الخدمات، انتقد عضو مجلس النواب محمد عامر العباني تراجع مستوى الصحة والتعليم والكهرباء، معتبراً أن عوائد النفط لم تعد، بحسب تعبيره، كافية لملء جيوب المسؤولين، بينما يدفع المواطن ثمن ضعف الخدمات.
وتساءل العباني عن إمكانية حصول المواطن على نصيبه المباشر من عوائد النفط، مستشهداً بالتجربة الفنلندية.
وفي منشور آخر، وصف العباني انقطاع الكهرباء بأنه أزمة اعتاد الليبيون عليها، لكنه أكد أن استمرار الانقطاع تجاوز حدود الاحتمال، معبراً عن حالة غضب من تكرار الظلام وصعوبة الحصول حتى على ساعات محدودة من الكهرباء.
وربط الخبير الاقتصادي وحيد الجبو بين تزايد هجرة الشباب الليبي وبين الضائقة الاقتصادية وتراجع فرص العمل، مشيراً إلى أن قرارات وقف التعيينات في مؤسسات الدولة والقطاع العام جعلت الحصول على وظيفة أكثر صعوبة.
وأوضح أن عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي وغياب رؤية واضحة لإدارة الدولة دفعا قطاعات من الشباب إلى فقدان الأمل في تحسن الأوضاع، في ظل استمرار حالة التخبط لأكثر من 15 عاماً وعدم الوصول إلى توافق سياسي أو قواعد دستورية مستقرة أو تداول سلمي للسلطة.
وأضاف أن ضعف تنويع مصادر الدخل والاعتماد على نمط اقتصادي محدود أسهما في زيادة الضغوط، ما دفع بعض الشباب إلى البحث عن الهجرة باعتبارها وسيلة لتحسين ظروفهم المعيشية.
وأشار إلى أن بعض الشباب يسلكون طرقاً قانونية عبر تأشيرات السفر ثم البقاء في الدول الأوروبية أو طلب اللجوء، بينما يلجأ آخرون إلى الهجرة غير النظامية عبر البحر رغم مخاطرها.
صادرات نفط الخليج ترتفع في يوليو وسط تباطؤ الشحن عبر هرمزوفي ملف السيادة، قالت عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور رانيا الصيد إن ليبيا لا تزال تواجه تداعيات قرار مجلس الأمن رقم 1973 الصادر عام 2011 تحت عنوان حماية المدنيين، معتبرة أن التدخل العسكري الذي أعقبه أدى إلى سقوط نظام الحكم ثم استمرار البلاد تحت مظلة الفصل السابع.
وقالت الصيد إن استمرار هذا الوضع يعني، من وجهة نظرها، سيادة منقوصة وتدخلاً دولياً في القرارات الكبرى، مشيرة إلى تجميد أموال ليبية في الخارج وخضوع جوانب من الإنفاق والاستثمار لرقابة دولية، فضلاً عن تحول ليبيا إلى ملف دائم في مجلس الأمن.
وحددت أربعة شروط تراها ضرورية للخروج من الفصل السابع: إنهاء الانقسام وبناء سلطة واحدة، وإثبات قدرة الدولة على حفظ الأمن، والتحرك الدبلوماسي الموحد، وبناء خطاب وطني جامع.
ودعت إلى حكومة وبرلمان ومؤسسة عسكرية وأمنية موحدة، وخطة لدمج المسلحين وتأمين المنافذ ومكافحة الهجرة غير النظامية وتفكيك اقتصاد الحرب.
كما طالبت بتحرك دبلوماسي يطرح أمام مجلس الأمن ملفاً متكاملاً يتضمن انتخابات جاهزة واستقراراً نسبياً وتراجعاً في التهديد الإرهابي وتعافياً اقتصادياً وتحالفاً دولياً داعماً.
وأكدت أن الخطاب الوطني الموحد بين الشرق والغرب والجنوب وطرابلس وبنغازي وفزان يجب أن يتمحور حول استعادة السيادة كاملة، معتبرة أن استمرار الانقسام الداخلي يمثل أحد أسباب بقاء الفصل السابع.
وفي المقابل، اعتبر الخبير الأمني والاستراتيجي محمد الترهوني أن إشادة الاتحاد الأوروبي بتمرين «فلينتلوك 2026» تعكس، وفق تقديره، تطوراً مهنياً وعملياتياً في المؤسسة العسكرية الليبية.
وأشار إلى اللقاء الذي عقد في معسكر الحنيوه وضم مبعوثين من القيادة العامة للقوات المسلحة والمنطقة الغربية وأعضاء من القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا والجانب الإيطالي، معتبراً أنه امتداد لنتائج تمرين «فلينتلوك 2026» والتحضير لاستكمال المسار في «فلينتلوك 2027».
وقال الترهوني إن القيادة العامة تطور دورها في حفظ الأمن، وإن الاهتمام الدولي بها يعكس، بحسب تقديره، جهوداً مرتبطة بتوحيد المؤسسة العسكرية وضمان الأمن على كامل التراب الليبي.
وأضاف أن اللقاءات العسكرية المشتركة تتناول رفع كفاءة الأفراد وتطوير التجهيزات والآليات، معتبراً أن المجتمع الدولي أصبح أكثر قناعة بدور المؤسسة العسكرية في إدارة ملف الدفاع.
وربط الترهوني بين ما وصفه بالاستقرار في مناطق تمتد من المنطقة الوسطى إلى سرت وأقصى الجنوب وبين ما اعتبره قدرة على إدارة الملفات السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، في مقابل حالة الانفلات التي يرى أنها قائمة في أجزاء من الغرب.
وأشار إلى أن القيادة العامة، بحسب تقييمه، راكمت خبرة في مواجهة الجماعات المتطرفة وتأمين الحدود، وأن هذا الأمر أسهم في زيادة الاهتمام الدولي بالدور الذي تؤديه.
كما رأى أن الزيارات التي أجراها نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر إلى تركيا والولايات المتحدة وإيطاليا، والزيارات المتكررة لمسؤولين أوروبيين وسفراء إلى القيادة العامة، تعكس اهتماماً دولياً متزايداً بالتجربة العسكرية الليبية.
وأكد أن العلاقات المتطورة مع تركيا والولايات المتحدة وباكستان ودول أخرى أسهمت، وفق تقديره، في إبراز الدور الاستراتيجي للقوات المسلحة، معتبراً أن توحيد المؤسسة العسكرية يمثل أحد المسارات الضرورية للخروج من حالة الاختناق التي تعيشها ليبيا.
تكشف هذه المواقف المتباينة أن الأزمة الليبية لم تعد محصورة في الخلاف على السلطة، بل باتت تتقاطع فيها شرعية المؤسسات مع الأمن والاقتصاد والهجرة والسيادة والعلاقات الخارجية.
وبينما يرى منتقدون للبعثة والأجسام السياسية أن استمرار المسارات الحالية يطيل أمد الأزمة، يعتقد آخرون أن الانفتاح الدولي والشراكة الخارجية يمكن أن يشكلا أدوات مساعدة لاستعادة الاستقرار والتنمية، شرط قيامهما على المصالح المتبادلة واحترام القرار الوطني.
وفي الجانب الأمني، تبدو مسألة التشكيلات المسلحة وتعدد مراكز القوة من أكثر الملفات إلحاحاً، خصوصاً مع الحديث عن استخدام أسلحة متطورة وطائرات مسيرة داخل مناطق مأهولة، بينما تظل الدعوات إلى توحيد الجيش والشرطة ودمج المسلحين في مؤسسات الدولة مطروحة باعتبارها أحد الحلول الجذرية.
اقتصادياً، تتزامن المخاوف بشأن الاحتياطيات والعملات الأجنبية مع تراجع الخدمات واستمرار أزمة الكهرباء، في وقت يبحث فيه الشباب عن فرص خارج البلاد بسبب ضعف سوق العمل وعدم وضوح الأفق السياسي والاقتصادي.
أما الهجرة، فتجمع المواقف المطروحة بين التحذير من التوطين والتمسك بالسيادة الوطنية، وبين الدعوة إلى حماية المهاجرين ومكافحة الاتجار بالبشر والتهريب، بما يجعل الملف مرتبطاً في آن واحد بالأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان والعلاقات مع أوروبا ودول المصدر والعبور.
وفي المحصلة، تضع هذه الملفات المتداخلة الدولة الليبية أمام اختبار يتجاوز تغيير الحكومات أو إعادة توزيع المناصب، ليصل إلى القدرة على بناء مؤسسات موحدة، وفرض القانون، وحماية الحدود، وإدارة الموارد بشفافية، وإنهاء الانقسام، بما يسمح باستعادة القرار الوطني وتقليص الحاجة إلى الأدوار الخارجية.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤