قال الباحث الألماني المتخصص في الشأن الليبي وولفرام لاخر، إن الجمود الذي حكم المشهد الليبي منذ العام 2020، على الرغم من هشاشته، نجح في منع انزلاق البلاد إلى حرب واسعة، لكن المبادرة التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط، مسعد بولس، قد تهدد هذا التوازن بدلًا من تثبيته، «عبر محاولة فرض تسوية مباشرة بين عائلتي خليفة حفتر وعبدالحميد الدبيبة الدبيبة».
ويشير الكاتب، في مقال بعنوان «ليبيا: المقامرة الخطيرة»، إلى أن العاصمة طرابلس بدت خلال زيارته الأخيرة في يونيو الماضي أكثر استقرارًا مقارنة بالسنوات السابقة؛ حيث عادت الحركة التجارية، وازدحمت الشوارع ليلًا بالعائلات، بينما تواصل الشركات الأجنبية تنفيذ عقودها في قطاع النفط، إلا أن هذا المشهد، بحسب وصفه، يخفي واقعًا سياسيًا وأمنيًا هشًا، إذ لا تزال ليبيا تعيش انقسامًا بين سلطتين متنافستين، فيما تتصاعد الضغوط الاقتصادية بفعل تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار والانقطاعات المتكررة للكهرباء.
توازن فرضته القوة
المقال، الذي نشرته مجلة «نيويورك بووكس» الأميركية، يبرز حالة الجمود التي تعيشها ليبيا، شارحا أنها ليست نتيجة تسوية سياسية، وإنما نتاج ميزان ردع عسكري تشكل بعد «فشل» هجوم «القيادة العامة» على طرابلس عام 2020، بدعم تركي للقوات في غرب ليبيا مقابل استمرار النفوذ الروسي في الشرق.
وبحسب المقال، يسيطر حفتر على معظم الأراضي الليبية وحقول النفط، بينما تواصل «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» برئاسة الدبيبة إدارة المؤسسات المالية والنفطية في العاصمة، في ظل توازن منع أي طرف من اللجوء إلى الحسم العسكري طوال السنوات الست الماضية.
لكن هذا الانقسام، وفق الكاتب، لم يمنع ظهور تفاهمات غير معلنة بين «العائلتين الحاكمتين في الشرق والغرب»، قادها مستشار رئيس حكومة الوحدة وابن شقيقه إبراهيم الدبيبة، ونجل حفتر ورئيس الأركان العامة لقوات «القيادة العامة» الفريق أول صدام حفتر.
ويقول إن الطرفين توصلا منذ عام 2022 إلى تفاهمات شملت تعيين رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، وتقاسم النفوذ داخل عدد من المؤسسات الاقتصادية والمصارف، مقابل إنهاء إغلاقات النفط، بما خلق نظامًا غير رسمي لتقاسم المصالح بين الطرفين.
حفتر يعزز موقعه
ويرى الكاتب أن السنوات الأخيرة صبت بصورة أكبر في مصلحة معسكر حفتر، الذي استغل الهدوء النسبي لتوسيع قدراته العسكرية والمالية وعلاقاته الخارجية، بينما تراجع موقف حكومة الدبيبة نتيجة الضغوط الاقتصادية وتراجع قيمة العملة واتساع العجز المالي.
ويشير إلى أن هذا التحول جعل كثيرًا من المراقبين في طرابلس يعتقدون أن ميزان القوى يتغير تدريجيًا، وأن مرحلة الجمود قد تكون شارفت على نهايتها.
بولس وتغيير مسار الوساطة
يخصص المقال مساحة واسعة للحديث عن دور مسعد بولس، الذي يقول إنه تجاهل المسار الأممي القائم منذ سنوات، والقائم على التوافق بين مختلف القوى السياسية، واتجه إلى مفاوضات مباشرة بين عائلتي حفتر والدبيبة.
وبحسب الكاتب، بدأت هذه الجهود بمحاولات لمعالجة الخلافات المالية، قبل أن تتطور إلى مناقشة تشكيل سلطة تنفيذية جديدة.
ويشير إلى أن بولس رعى لقاءات بين إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر في روما، ثم توسط لاحقًا في اتفاقين للإنفاق الموحد خلال العامين 2025 و2026، لكنهما لم يدخلا حيز التنفيذ.
ومع تعثر تلك التفاهمات، انتقل بولس إلى طرح أكثر طموحًا يقوم، بحسب مصادر استند إليها الكاتب، على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة يصبح فيها صدام حفتر رئيسًا للدولة، بينما يحتفظ عبدالحميد الدبيبة بمنصب رئيس الحكومة، مع قيادة عسكرية مشتركة بين صدام حفتر وعبدالسلام زوبي.
ويرى لاخر أن هذا الطرح يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يمنح شرعية لحكم العائلتين، دون المرور عبر انتخابات أو توافق وطني واسع.
طرابلس.. هدنة موقتة
ويستعرض المقال تطورات الصراع داخل العاصمة، معتبرًا أن الاشتباكات التي شهدتها طرابلس في مايو 2025 كشفت هشاشة الوضع الأمني.
ويشير إلى أن مقتل عبدالغني الككلي «غنيوة» سمح لقوات موالية للدبيبة بالسيطرة على مناطق نفوذه، قبل أن تحاول توسيع عملياتها ضد جهاز الردع بقيادة عبدالرؤوف كارة.
- «لوفيغارو»: مبادرة بولس تصطدم بـ«عقدة قائمة» في ليبيا منذ 2011
- تحركات واشنطن في ليبيا.. هل تفتح الطريق أمام توحيد المؤسسة العسكرية؟
- محللون يشككون في فرص مبادرة مسعد بولس لتحقيق تسوية مستدامة في ليبيا
- ليبيا بين المبادرة الأميركية وصراع النفوذ.. هل يصنع الداخل التسوية أم حسابات الخارج؟ (فيديو)
لكن التدخل السريع لفصائل من مدينة الزاوية، إضافة إلى الوساطة التركية، حال دون تحول الاشتباكات إلى حرب مفتوحة، لتستقر الأوضاع عند وقف إطلاق نار لا يزال قائمًا حتى الآن.
ويرى الكاتب أن هذا الهدوء لا يعكس تسوية حقيقية، إذ واصل الطرفان، خلال العام الماضي، إعادة التسلح والاستعداد لجولة جديدة من القتال.
استعدادات للحرب
ويقول المقال إن قوات كارة عززت صفوفها بتحالفات مع مجموعات مسلحة سبق أن خسرت نفوذها، من بينها عناصر مرتبطة بهيثم التاجوري، مضيفًا أن مصادر متعددة تحدثت عن إرسال مقاتلين إلى بيلاروسيا للتدريب بدعم من صدام حفتر.
في المقابل، يؤكد الكاتب أن معسكر الدبيبة بدوره استعد للمواجهة المقبلة، عبر شراء طائرات مسيرة يمكن تشغيلها دون الحاجة إلى موافقة تركية، مع الاستفادة من إعادة تشغيل مطار طرابلس الدولي لتعزيز مواقعه.
ويرى أن معظم القادة العسكريين في العاصمة يعتبرون المواجهة المقبلة مسألة وقت، لكن الجديد هو احتمال امتدادها إلى مستوى وطني إذا تدخلت قوات حفتر بصورة مباشرة.
رفض واسع للمبادرة
ويشير لاخر إلى أن مبادرة بولس لا تحظى بقبول واسع داخل ليبيا، إذ ينظر إليها كثيرون باعتبارها محاولة لتكريس حكم العائلتين.
ويقول إن صدام حفتر يعد أكبر المستفيدين منها، لأنها تمنحه أعلى منصب سياسي دون الحاجة إلى خوض انتخابات قد يصعب عليه الفوز بها.
أما بالنسبة لعائلة الدبيبة، فيرى الكاتب أن قبولها بالمبادرة قد يدفع فصائل الغرب الليبي إلى التمرد، خاصة في مدينة مصراتة التي تمثل أحد أهم مراكز القوة العسكرية، والتي أبلغت بولس، بحسب المقال، رفضها الصريح للخطة.
ويرجح الكاتب أن يكون موقف الدبيبة مترددًا بين محاولة كسب الوقت وعدم إغضاب الإدارة الأميركية، مع الرهان على تعثر المبادرة أو تغير الظروف السياسية.
تغيرات إقليمية
ويحذر المقال من أن البيئة الإقليمية أصبحت أكثر تساهلًا مع احتمال تجدد الصراع، فتركيا، التي كانت تمثل الضامن العسكري الأساسي لحكومة طرابلس، عززت خلال العامين الماضيين علاقاتها مع معسكر حفتر، سعياً إلى تثبيت مصالحها في شرق المتوسط، بما في ذلك التصديق على الاتفاقية البحرية الموقعة مع ليبيا.
ويشير الكاتب إلى تقارير تحدثت عن حصول قوات صدام حفتر على طائرات مسيرة تركية من طراز «بيرقدار تي بي2»، معتبرًا أن ذلك يثير قلق الفصائل في غرب ليبيا التي اعتمدت سابقًا على الدعم التركي.
كما ينتقد ما يعتبره تراجعًا في الاهتمام الأوروبي بالملف الليبي، وانشغال العواصم الأوروبية بملف الهجرة أكثر من معالجة أسباب الأزمة، فضلًا عن انتهاء تفويض بعثة «إيريني» لمراقبة حظر السلاح، وعدم توسيع صلاحياتها لمكافحة تهريب الوقود.
تحذير من سيناريو الحرب
ويختتم لاخر مقاله بالتحذير من أن ليبيا تقف أمام مرحلة شديدة الخطورة، إذ إن نجاح مبادرة بولس أو فشلها قد يقود في الحالتين إلى التصعيد، فانهيار المفاوضات قد يدفع صدام حفتر إلى تبني الخيار العسكري بعدما اقترب من الوصول إلى السلطة.
أما إذا نجحت الصفقة، فيعتقد الكاتب أن منح صدام موقعًا رسميًا قد يسمح له باستخدام مؤسسات الدولة لتوسيع نفوذه تدريجيًا، بما يمهد لصدام جديد يشبه، بحسب أحد القادة العسكريين الذين نقل عنهم، تجربة تقاسم السلطة بين قائدي الجيش في السودان قبل اندلاع الحرب هناك.
ويخلص الباحث إلى أن ليبيا دخلت مرحلة تتزايد فيها القدرات العسكرية للطرفين، بينما تتراجع الضمانات الدولية، الأمر الذي يجعل أي محاولة لفرض تسوية ثنائية بين عائلتي حفتر والدبيبة تحمل، في نظره، مخاطر كبيرة قد تنهي سنوات الجمود، لكنها تعيد البلاد إلى دائرة الحرب.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة