انتقد مقال تحليلي نشرته «مجلة القاهرة للشؤون العالمية» مقاربات الوساطة الدولية في ليبيا، معتبرًا أنها ركزت على إدارة التوازنات بين النخب المتنافسة وعقد صفقات تقاسم السلطة، بدلًا من معالجة أزمة الشرعية وبناء مؤسسات تحظى بتوافق شعبي.
ويرى تحليل المجلة، وهي مجلة فصلية تصدرها كلية الشؤون العالمية والسياسة العامة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، أن استمرار الأزمة الليبية يرتبط بمنظومة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية التي جعلت مؤسسات الدولة ومواردها، خاصة في القطاعين المالي والنفطي، مجالًا للتنافس بين قوى سياسية ومسلحة، وهو ما ساهم في تكريس حالة انعدام الاستقرار.
ويدعو التحليل، بقلم أستاذ العلاقات الدولية يوسف الصواني، إلى تجاوز صفقات النخب نحو مسار يعتمد على بناء المؤسسات من القاعدة المحلية، وتعزيز دور المجالس المنتخبة، وإشراك المواطنين في صياغة مستقبل الدولة بعيدًا عن ترتيبات تقاسم النفوذ، مضيفًا أن المبادرة التي يقدمها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لا تختلف كثيرًا عن المبادرات الدولية التي سبق وأثبتت فشلها، وساهمت في ترسيخ نفوذ النخب السياسية والتشكيلات المسلحة.
آليات الوساطة الدولية في ليبيا
إلى ذلك، ينتقد الكاتب نهج المجتمع الدولي في التعامل مع الأزمة الليبية، معتبرًا أن الجهود الدولية ركزت خلال السنوات الماضية على إدارة الخلافات بين النخب السياسية القائمة، بدلًا من معالجة الأسباب العميقة التي أدت إلى استمرار الانقسام وضعف مؤسسات الدولة.
- المجلس الأطلسي: ماذا وراء مبادرة بولس في ليبيا وهل تنجح في تحقيق الاستقرار؟
- شاهد في «تغطية خاصة»: مبادرة بولس تفجر حراكًا سياسيًا في ليبيا
- جريدة «الوسط»: مبادرات محلية بالجملة في مواجهة «خطة بولس»
ويرى أن المقاربة الدولية اعتمدت على ما يسميه «تجاوز المؤسسات أو الالتفاف على بناء الدولة»، من خلال عقد اتفاقات سياسية بين أطراف النفوذ، بدلًا من بناء شرعية سياسية جديدة قائمة على مشاركة شعبية واسعة.
ويقول إن بعثة الأمم المتحدة للدعم، التي تقودها هانا تيتيه، تحولت من «جهة يفترض أن تعمل كوسيط محايد إلى جهة تدير الوضع القائم، عبر تنظيم حوارات لا نهائية ومسارات سياسية متكررة تجمع الأطراف نفسها التي يعتبرها الكاتب جزءًا من الأزمة».
وفي حين ركزت الدبلوماسية خلال السنوات القليلة الماضية على نهج من ثلاثة مسارات يعالج القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية، يرى محللون أن تلك المسارات تعطلت باستمرار بسبب أجندات جيوسياسية متنافسة لأطراف خارجية، ونفوذ التشكيلات المسلحة المترسخة في البلاد.
وبحسب المقال، فقد ركز المجتمع الدولي على التوصل إلى حلول سريعة وإجراءات مؤقتة، بدلًا من دعم عملية مصالحة وطنية يقودها الليبيون أنفسهم. كما انتقد الكاتب ما يصفه بـ«العقلية التعاقدية» في إدارة الملف الليبي، قائلًا إن الوسطاء الدوليين تعاملوا مع ليبيا باعتبارها خريطة لتوزيع النفوذ بين القوى المتنافسة، وليس باعتبارها مجتمعًا له احتياجات سياسية واجتماعية خاصة.
مبادرة مسعد بولس كنموذج للمقاربة التفاوضية
يربط المقال هذا الانتقاد بمبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والشرق الأوسط، مسعد بولس، والتي يصفها بأنها تمثل استمرارًا لهذا النهج القائم على إعادة ترتيب موازين القوى بين النخب.
ووفقًا للنص، تقترح المبادرة مرحلة انتقالية متعددة السنوات تهدف إلى توحيد مؤسسات الدولة، من خلال اتفاق بين معسكر رئيس «حكومة الوحدة الوطنية»، عبدالحميد الدبيبة، ومعسكر خليفة حفتر. ويعد صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة الشخصيتين الرئيسيتين في الطرح الذي قدمه بولس.
ويرى الكاتب أن هذا النوع من المبادرات يتعامل مع الأزمة باعتبارها مسألة ترتيب بين مراكز نفوذ، وليس باعتبارها أزمة شرعية مؤسساتية تحتاج إلى توافق شعبي. وقال: «في ظل هذه الخلفية من التنافس الداخلي، تحولت الجهود الدولية نحو مبادرات تركز على الاقتصاد القائم على المعاملات أولًا، مثل ما يسمى بالميزانية الموحدة، والسيطرة على عائدات النفط، والتنسيق الأمني، مما يختزل الدولة إلى مجرد مفاوضات بين أصحاب المصلحة المسلحين والماليين».
وتواجه مبادرة بولس بالفعل اعتراضات من قوى سياسية ومسلحة في مصراتة ومناطق أخرى، إضافة إلى تيارات سياسية أخرى ورئيس المجلس الرئاسي، الذين وصفوا المقترح بأنه «زواج قسري» يفرض على الليبيين، وأنه يمثل تهديدًا للمسار الديمقراطي.
الصراع في ليبيا ليس على طبيعة النظام السياسي
وينبه المقال إلى أن «حصر المنافسة في ليبيا بين الحكم العسكري والديمقراطي يبسط تعقيدات الوضع الراهن. فما يجري ليس صراعًا على طبيعة النظام السياسي، بل صراع بين شبكات راسخة على مكانتها فيه. وترى تلك الشبكات أن أي تسوية لا تحافظ على موقعها في قلب الهيكل الناشئ تشكل تهديدًا لمصالحها».
وأضاف: «منح الأولوية لمصالح الفصائل المتنفذة على حساب بناء دولة مستدامة يتناقض مع السيادة كبند قابل للتفاوض، ويحول الخطاب السياسي إلى تنافس على المناصب الحكومية، بدلًا من السعي لتحقيق العدالة. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تستسلم النخب المحلية لتبريرات انتهازية، فتغير مبادئها لتتوافق مع أي صفقة خارجية تعدها بحصة من النفوذ».
وتابع: «التركيز على موازنة القوى العسكرية والمالية يعرض جهود الوساطة الدولية لخطر تحويل مساعي السلام إلى وقود للصراعات المستقبلية. مجلس النواب يوافق على زيادة مرتبات العاملين بالقطاع الصحي بنسبة 75%.
أربعة ركائز لبناء تحالف بين الشبكات المحلية والأحزاب
ومن أجل تحويل أي مبادرة إلى إطار وطني دائم، يشدد المقال على أهمية بناء تحالف استراتيجي بين الشبكات المحلية المتوازية والأحزاب السياسية الناشئة، يدعم أربع ركائز غير قابلة للتفاوض، هي أولًا: عقد جمعية تأسيسية، على أن تكون عملية شفافة تشاركية لصياغة عقد اجتماعي محلي يضمن توزيعًا عادلًا للثروة بشكل لا مركزي.
والركيزة الثانية هي وضع أجندة وطنية ديمقراطية موحدة بقيادة أحزاب ذات برامج محددة تركز على التماسك الوطني، وترفض صراحة اتفاقيات تقاسم السلطة النخبوية ذات المحصلة الصفرية.
أما الركيزة الثالثة، فهي فرض انسحاب جميع القوات الأجنبية، من خلال توحيد الضغط المدني والسياسي للمطالبة بالطرد الفوري وغير المشروط لجميع القوات الأجنبية وهياكل المرتزقة.
ورابعًا، إضفاء الطابع المؤسسي على الاستفتاءات المباشرة، وإعادة حق النقض إلى الشارع الليبي من خلال فرض تصويتات شعبية مباشرة على القرارات الاقتصادية الكلية والدستورية الحاسمة.
«نظام فوضى مُدار بدقة»
في استعراضه لجذور الأزمة السياسية الراهنة في ليبيا، يرى المقال أن وصف الوضع الحالي بـ«دولة فاشلة» أو «فراغ أمني» لا يعكس حقيقة الوضع على الأرض، موضحًا أن «ليبيا ليست دولة فاشلة تعاني من انهيار مؤسسي تلقائي، بل نظام فعال من الفوضى المُدارة في مسرح وصاية غير معلن، حيث تعمل كارتلات محلية فاسدة وقوى أجنبية لإبقاء البلاد في حالة من عدم الاستقرار الدائم».
وقال إن «هذا النظام من الفوضى يضمن سهولة استخراج واستغلال الثروة السيادية لليبيا، وبقاء السكان محرومين من الاستفادة منها»، مشيرًا إلى «تحول ليبيا إلى (دولة كارتلات) مربحة، ما يعني سيطرة تشكيلات مسلحة ونخب سياسية على هيكل الدولة الرسمي، تعامل الموارد الوطنية كغنائم خاصة».
بداية الأزمة في ليبيا
واستعرض المقال أبعاد الأزمة التي تعاني منها ليبيا منذ العام 2011، التي شكلت الوضع الراهن، معتبرًا أن بداية الأزمة الليبية الحديثة كانت بالتدخل العسكري الذي قاده حلف شمال الأطلسي (الناتو) العام 2011، تحت مظلة مبدأ «مسؤولية الحماية» التابع للأمم المتحدة.
ويقول إن التدخل تم تقديمه في ذلك الوقت باعتباره عملية إنقاذ لحماية المدنيين من قمع قوات نظام القذافي للاحتجاجات، خاصة بعد تهديداته المعلنة ضد المدن المعارضة، التي شبهها المقال بما حدث في سربرنيتسا خلال حرب البوسنة.
وبحسب التحليل، جرى تقديم تدخل «مسؤولية الحماية» باعتباره انتصارًا للضمير الأخلاقي العالمي، إلا أن الكاتب يرى أن ما حدث لاحقًا كان مختلفًا، إذ اعتبر أن التحالف الدولي لم يستمر بعد سقوط النظام لمساعدة ليبيا على بناء مرحلة انتقالية مستقرة.
ويضيف أن ليبيا تحولت إلى ساحة لتجربة الأسلحة الحديثة وتنافس النفوذ، مشيرًا إلى استخدام دول إقليمية، مثل تركيا والإمارات وروسيا، الأراضي الليبية في سياق صراعات النفوذ، عبر استخدام الطائرات المسيرة ونشر مقاتلين أجانب، بينهم مقاتلون سوريون ومجموعة «فاغنر» الروسية.
ليبيا «دولة الكارتل»
ويرى الكاتب أن مفهوم السيادة في ليبيا أصبح مرتبطًا بمدى توافق القوى المحلية المسلحة مع مصالح العواصم الخارجية، ويصف الوضع الحالي بأنه شكل من «الاحتلال الناعم»، بسبب استمرار وجود شبكات عسكرية وأمنية خارجية تؤثر في المشهد الأمني، من شبكات مرتبطة بروسيا إلى قوات مدعومة من تركيا وأجهزة استخبارات خارجية.
ويشرح المقال أن هذا النموذج يعمل عبر نظام متعدد المستويات، تقوم فيه القوى الخارجية بتمرير أهدافها الاستراتيجية من خلال شركاء محليين وجماعات مسلحة ومقاتلين أجانب، بما يؤدي إلى تجاوز مؤسسات الدولة الرسمية.
ويعتبر الكاتب أن هذا الواقع أدى إلى ظهور بيئة من عدم الاستقرار المستمر، سمحت بتشكل نموذج داخلي وصفه بـ«دولة الكارتل».
الانقسام السياسي وتثبيت مراكز النفوذ
في سياق متصل، يرى الكاتب أن استمرار الجمود السياسي لأكثر من عقد أدى إلى بقاء قيادات انتقالية في مواقعها لفترات طويلة، على الرغم من غياب تفويض انتخابي جديد، مشيرًا إلى أن قوى سياسية استفادت من استمرار المرحلة الانتقالية للحفاظ على مواقعها ومصالحها المالية.
وأصبحت المؤسسات المالية الليبية، وعلى رأسها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، المحور الأساسي للتنافس السياسي، لأنها تتحكم في تدفقات الأموال الناتجة عن قطاع النفط والغاز.
ويقول الكاتب إن طبيعة الاقتصاد الريعي في ليبيا، الذي يعتمد بشكل كبير على إيرادات النفط، جعلت من السيطرة على هذه المؤسسات فرصة تمنح الطرف المسيطر قدرة واسعة على إدارة الموارد العامة دون الحاجة إلى الاعتماد على نظام ضريبي أو الحصول على موافقة شعبية مباشرة.
وكشفت أزمة المصرف المركزي العام 2024، بحسب المقال، طبيعة هذا الصراع، إذ أظهرت أن المصرف المركزي لم يكن مجرد مؤسسة مالية، بل أصبح جزءًا من معركة النفوذ على موارد الدولة.
الدور الدولي في ليبيا
إلى ذلك، انتقد الكاتب طريقة تعامل المجتمع الدولي مع أزمة المصرف المركزي، قائلًا إن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تدخلت بهدف إعادة تدفق النفط إلى الأسواق الدولية، لكنها، حسب رأيه، ركزت على إدارة الأزمة بدلًا من معالجة أسبابها السياسية والاقتصادية.
وأشار إلى أن الوساطة الأممية انتهت إلى اتفاق محدود حول إدارة المصرف المركزي وتوزيع المناصب داخله بين الأطراف المتنافسة، وهو ما اعتبره الكاتب إعادة إنتاج للوضع القائم بدلًا من تغييره.
وقال: «لقد حققوا الهدف المباشر المتمثل في عودة تدفق النفط إلى الأسواق الدولية، لكنهم فعلوا ذلك بتعزيز نفوذ نفس الجهات الفاعلة التي تسببت في الأزمة من الأساس. وهذا يعني ضمنًا أن الأزمة التالية مسألة وقت لا أكثر».
استغلال قطاع الطاقة
في الإطار ذاته، يرى الكاتب أن قطاع الطاقة يمثل المجال الأكثر وضوحًا، بحسب وصفه، في استغلال موارد الدولة الليبية ضمن منظومة المصالح المتنافسة، باعتبار أن النفط والغاز يشكلان المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد.
وفي حين تملك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، ينتقد المقال طريقة إدارة هذا القطاع، معتبرًا أن بعض الترتيبات المتعلقة بالإنتاج وتقاسم العوائد تتم خارج إطار المنافسة والشفافية الكاملة.
ويقول إن وجود اتفاقيات إنتاج غير واضحة، إلى جانب شبكات تهريب الوقود المدعومة من جهات داخل الدولة، سمح لتلك الآليات لشبكات سياسية ومسلحة بالحصول على جزء من الثروة الوطنية، مع الحفاظ على مظهر وجود مؤسسات رسمية تدير القطاع.
تأثير الأزمة الاقتصادية
ينتقل الكاتب إلى الحديث عن تأثير هذه المنظومة على المواطنين، قائلًا إن الليبيين أصبحوا، بحسب وصفه، يتحملون تبعات الأزمات المالية على الرغم من استمرار تدفق عائدات النفط.
ويشير إلى أن انخفاض قيمة الدينار، وارتفاع الأسعار، ونقص السيولة النقدية، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، أصبحت مظاهر يومية للضغوط الاقتصادية.
ووفقًا للأرقام التي أوردها النص، وصلت إنتاجية النفط الخام في ليبيا حتى يونيو 2026 إلى نحو 1.49 مليون برميل يوميًا، بينما استمرت معاناة المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأضاف التقرير أن هذا الضغط الاقتصادي تزامن مع ارتفاع تكلفة السلع الأساسية، إذ ارتفعت سلة الحد الأدنى للإنفاق بأكثر من 10% خلال أبريل 2026 وحده، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر، بالتزامن مع استمرار أزمة السيولة في المصارف وأجهزة الصراف الآلي.
المجتمع الليبي بين الواقع الاجتماعي والصورة النمطية
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى انتقاد الطريقة التي يجرى بها تفسير الأزمة الليبية خارجيًا، معتبرًا أن بعض التحليلات الدولية تربط تعثر بناء الدولة بما تصفه بـ«الطبيعة القبلية» للمجتمع الليبي.
ويرفض الكاتب هذا التفسير، معتبرًا أن البنى الاجتماعية المحلية لم تكن، بحسب رؤيته، سببًا في انهيار الدولة، بل لعبت تاريخيًا دورًا في الحفاظ على تماسك المجتمع خلال فترات الأزمات.
ويشدد على ضرورة التمييز بين البنية الاجتماعية التقليدية وبين الجماعات المسلحة التي تسيطر على أجزاء من المشهد الأمني. ويقول: «يجب التأكيد على أن التشكيلات المسلحة التي تدير عمليات ابتزاز في المناطق الغربية، وخاصة طرابلس، أو تسيطر على طرق التهريب في المناطق النائية، ليست (مقاتلين قبليين). إنها أذرع تجارية حديثة للغاية تابعة لدولة الكارتل نفسها. وعندما تتخذ أسماء قبلية، فإنها تفعل ذلك كتمويه لإخفاء عمليات النهب الاقتصادي والابتزاز».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة