آخر الأخبار

ظاهرة الإقدام على السباحة وتجاهل التحذيرات.. عوامل زيادة حالات الغرق في المياه الليبية

شارك
مصدر الصورة
السباحة في أحد الشواطئ الليبية. (أرشيفية: الإنترنت)

رايات حمراء، وتحذيرات متواصلة فرق الإنقاذ البحري موجودة على طول الشريط الساحلي الليبي، يصلون الليل بالنهار في محاولات يائسة منهم لحث الناس على الابتعاد عن السباحة، ولكن في أغلب الأوقات يذهب حرصهم سُدى، وتتكاثر حالات الغرق أمام أعينهم.. شباب وعائلات تسحبهم التيارات إلى «الغريق»، ويغرقون لسبب واحد فقط، وهو أنهم لم يستمعوا بجدية للتحذيرات التي تطلق يوميا على سوء حالة البحر و«هيجانه»، وأنه لا يمكن السباحة فيه.

مصدر الصورة مصدر الصورة

سألت مجموعة من المراهقين خرجوا للتو من البحر فرحين: ألا تخافون من التحذيرات؟ أجابوا بضحكات صاخبة: «كلام فاضي ياحاجة.. ما تعدليش عليهم»، قلت لهم: «ولكن هناك حالات غرق كثيرة»، فقال أحدهم: «مش من المنطقة»، ثم ذهبوا في حال سبيلهم مع ضحكاتهم ومشاكستهم المارة.

وسط هذه الضحكات تبادر لي سؤال: لماذا على الرغم من التحذيرات هناك شباب وعائلات يدخلون البحر ويغرقون؟ وهل هناك تفسير علمي لهذا السلوك الذي يبدو جماعيا؟

لا تفسير لتهور الشباب
يقول حاتم بالحاج علي، الناطق الرسمي باسم «الإنقاذ البحري»: «لا تفسير منطقي لي لهذه السلوكيات إلا أن هؤلاء الشباب يأخذوا في العلو عالبحر، فهناك بعض الأفراد يحاولون فرض شخصياتهم بشكل مبالغ فيه، وكأنهم يمتلكون خبرة أو مكانة خاصة، على غرار تشبيههم أنفسهم بـ(عوامة) في بحر، في إشارة إلى كونهم محورا أو مرجعا في مجال معين».

وأضاف: «هؤلاء الأشخاص يتعاملون مع الأمور باستخفاف، ويتصرفون وكأنهم الضالعون الوحيدون في خضم الأحداث، متناسين أنهم في الحقيقة يفتقرون إلى المعرفة الأساسية، سواء فيما يتعلق بالتيارات أو حتى مهارات السباحة نفسها»، على حد تعبيره.

شباب يقفزون إلى البحر بثقة، وآباء يسمحون لأطفالهم بالنزول إلى المياه، وعائلات تختار قضاء يومها على الشاطئ وكأن شيئا لم يكن، وما هي إلا ساعات حتى تتحول بعض هذه الرحلات إلى مآسٍ، فيُسجل حادث غرق جديد، بينما يظل السؤال ويتكرر بإلحاح: لماذا يصر بعض الأشخاص على السباحة على الرغم من معرفتهم بالخطر، بل وأحيانا بعد أن يشاهدوا بأعينهم حالات غرق أمامهم؟

عوامل نفسية واجتماعية وثقافية
متخصصون في علم النفس يرون أن الإجابة لا تتعلق فقط بعدم الوعي، وإنما بمجموعة معقدة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية التي تدفع الإنسان إلى التقليل من حجم الخطر أو الاعتقاد بأنه قادر على تجاوزه.

المتخصصة في الإرشاد والعلاج النفسي وتعديل السلوك، الدكتورة نزيهة سليمان، ترى أن أول هذه العوامل هو السلوك الاندفاعي، حيث يقدم بعض الأشخاص على تنفيذ الفكرة فورا دون المرور بمرحلة تقييم نتائجها أو التفكير في عواقبها. وتقول إن هناك من تحركه الرغبة في الاستعراض وإثبات الشجاعة أمام الآخرين، فيعتبر خوض البحر الهائج نوعا من البطولة والمغامرة التي تمنحه شعورا بالتميز.

وتشير إلى عامل نفسي آخر، يتمثل في وهم السيطرة، إذ يعتقد بعض السباحين، خصوصا من يمتلكون خبرة سابقة، أنهم قادرون على مواجهة أي ظرف طارئ داخل البحر، فيتولد لديهم إحساس زائف بأن مهاراتهم كافية لتجاوز الأمواج مهما كانت قوتها.

كما ترى أن المشكلة لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد إلى الثقافة المجتمعية، لافتة إلى أن ضعف الانضباط والالتزام بالتعليمات الرسمية، إلى جانب غياب تطبيق العقوبات على المخالفين، تشجع على تكرار هذه السلوكيات، مؤكدة أن للأسرة دورا محوريا في ترسيخ ثقافة احترام التحذيرات، وعدم الاستهانة بالمخاطر.

ضعف الاحتواء الأسري
ويربط الاختصاصي النفسي خالد عطية بين الظاهرة وضعف الاحتواء الأسري، وتراكم الضغوط النفسية التي يتعرض لها بعض المراهقين، مؤكدا أن كثيرا من حالات الغرق تقع بين فئة الشباب، وهي الفئة الأكثر ميلا للمخاطرة وإثبات الذات، خاصة عند غياب التوجيه الأسري.

ويضيف أن تجاهل التحذيرات لا يرتبط دائما بالرغبة في الترفيه، بل قد يعكس في بعض الحالات اضطرابات نفسية أو شعورا باللامبالاة ناتجا عن ضغوط اجتماعية أو اقتصادية أو أسرية متراكمة، وهو ما يستدعي تدخلا مبكرا من المؤسسات النفسية والاجتماعية، وعدم الاكتفاء بالدراسات النظرية، بل الانتقال إلى برامج ميدانية للتوعية والوقاية.

- حالتا غرق في المنطقة الشرقية لشاب ورجل خمسيني
- 7 غرقى و16 ناجيًا على الساحل الليبي خلال يوم واحد
- غرق طفلين شقيقين على أحد شواطئ القرة بوللي
- للاطلاع على العدد «557» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

أما الاختصاصية النفسية خلود حمد عبدالله فتوضح أن مجرد معرفة الإنسان بالخطر لا تعني بالضرورة أنه سيلتزم بتجنبه، فالعقل البشري يقع أحيانا في أخطاء معرفية تجعله يعتقد أنه أقل عرضة للمخاطر من الآخرين، أو أن خبرته السابقة في السباحة كافية لحمايته.

وتلفت إلى أن بعض المعتقدات الشعبية قد تعزز هذا السلوك عندما تُفهم بصورة خاطئة، مثل ترديد عبارات من قبيل «اللي كاتبه ربي بيصير»، بما يدفع البعض إلى التقليل من أهمية الأخذ بأسباب السلامة، على الرغم من أن المفهوم الديني الصحيح يقوم على الجمع بين التوكل على الله واتخاذ أسباب الوقاية.

وترى أن الحد من هذه الحوادث يتطلب برامج توعية مستمرة، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى المساجد ووسائل الإعلام، عبر حملات تشرح طبيعة المخاطر البحرية، وتغرس ثقافة الالتزام بتعليمات السلامة.

تشريعات تنظم استخدام الشواطئ
القضية لا تقف عند الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى الإطار القانوني، حيث تؤكد المحامية فريحة حسين الجيلاني أن التشريعات الليبية تنظم استخدام الشواطئ بشكل واضح، مشيرة إلى قرار وزير الحكم المحلي رقم 439 لسنة 2014 بشأن لائحة تنظيم المصايف والمسابح.

وتوضح أن المادة الخامسة من اللائحة تلزم المصطافين بعدم تجاوز المناطق الآمنة، والامتثال لتعليمات مراقبي الشواطئ ورجال الإنقاذ. كما تمنع ترك الأطفال دون سن العاشرة في المياه دون مرافقة. كذلك تحدد المادة السادسة الضوابط المتعلقة بحركة القوارب والعائمات حفاظا على سلامة مرتادي الشواطئ.

وتشير الجيلاني إلى أن اللائحة لم تكتفِ بالتنظيم، بل نصت أيضا على فرض غرامات مالية وإزالة المخالفات إداريا على نفقة المخالف، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في غياب القوانين، وإنما في ضعف الالتزام بها، وقصور تنفيذها على أرض الواقع.

وترى أن الحد من حوادث الغرق لا يتحقق بإطلاق التحذيرات وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين تطبيق القانون، وتعزيز الرقابة على الشواطئ، وتكثيف حملات التوعية، وبناء ثقافة مجتمعية تجعل احترام تعليمات السلامة مسؤولية جماعية لا خيارا شخصيا للحفاظ على الأرواح.

مصدر الصورة
(من اليمين) نزيهة سليمان وخلود حماد وفريحة الجيلاني. (أرشيفية: الإنترنت)
مصدر الصورة
(من اليمين) حاتم بالحاج وخالد عطية. (أرشيفية: الإنترنت)
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا