قال الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد «تشاتام هاوس» تيم إيتون إن التحقيقات الأخيرة المتعلقة بملفي الوقود والأدوية تكشف أن الأزمة الليبية تتجاوز الانقسام السياسي، لتصل إلى وجود اختلالات هيكلية في إدارة الموارد العامة، وهو ما يجعل أي تسوية سياسية غير كافية ما لم تقترن بإصلاحات شاملة في منظومة الحوكمة.
وأوضح إيتون، في مقال نشره المعهد البريطاني، أن ملف الوقود تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مظاهر الفساد والهدر المالي في ليبيا، مشيرًا إلى أن التغييرات التي شهدتها المؤسسة الوطنية للنفط العام 2022، عقب تفاهمات بين معسكري خليفة حفتر وعبدالحميد الدبيبة، أعقبها توسع كبير في عمليات استيراد الوقود.
وأضاف أن ليبيا، على الرغم من كونها دولة منتجة للنفط، تعاني محدودية في قدراتها على تكرير الخام، ما يفرض عليها استيراد كميات كبيرة من الوقود لتغطية احتياجات السوق المحلية، في وقت لا تزال فيه أسعار بيع الوقود للمستهلك مدعومة بشكل كبير، وهو ما يرفع قيمة فاتورة الدعم إلى مستويات غير مسبوقة.
تضاعف حجم الواردات من الوقود
ورأى أن هذه الأرقام تعكس خللاً كبيرًا في آليات إدارة قطاع الوقود، موضحًا أن تقدير الاحتياجات لا يستند إلى أسس فنية أو علمية واضحة، بل يعتمد على طلبات متزايدة من جهات حكومية مختلفة لا تتحمل في كثير من الأحيان التكلفة الفعلية لما تطلبه من كميات.
%1500 زيادة في مخصصات الديزل لـ«التشكيلات المسلحة»
وأضاف إيتون أن التحقيقات كشفت أيضًا ارتفاعًا استثنائيًا في استهلاك بعض الجهات الحكومية، إذ زادت كميات الديزل المخصصة لـ«تشكيلات مسلحة» تتبع الدولة بأكثر من 1500% خلال ثلاث سنوات، كما ارتفع استهلاك إحدى محطات الكهرباء في جنوب طرابلس بأكثر من 1300% خلال الفترة نفسها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الوجهة الحقيقية لهذه الكميات.
- النيابة العامة تعلن نتائج التحقيق في مخالفات استيراد المحروقات
- «المركزي» يجمد حسابات 12 شركة في قضية فساد «الإمداد الطبي»
وأشار إلى أن هذه المؤشرات تعزز فرضية تسرب جزء كبير من الوقود المدعوم إلى السوق السوداء أو تهريبه خارج البلاد، بما يحقق أرباحًا ضخمة لشبكات تستفيد من استمرار الفوضى وضعف الرقابة على حركة السلع المدعومة.
ولفت الباحث إلى أن المستفيدين من هذه المنظومة لا يقتصرون على أطراف داخل ليبيا، بل تمتد آثارها إلى شركات أجنبية تعمل في مجال توريد الوقود، موضحًا أن عدد الشركات الموردة انخفض من 17 شركة في العام 2021 إلى ست شركات فقط في العام 2024، وهو ما أثار مخاوف بشأن تراجع المنافسة وزيادة احتمالات الاحتكار.
ارتفاع تكلفة شراء الوقود
وأضاف أن التحقيقات أظهرت أن العديد من هذه الشركات حديثة التأسيس، بينما أصبحت الأسعار التي تدفعها الدولة الليبية لاستيراد الوقود أقل تنافسية بصورة متزايدة، مشيرًا إلى أن تكلفة شراء الديزل، إلى جانب التأمين والشحن، ارتفعت بنحو 450%، وهو ما تسبب، وفق التقديرات الواردة في التحقيقات، في خسائر تقارب 600 مليون دولار خلال العام 2024 فقط.
وفي السياق ذاته، أوضح إيتون أن التحقيقات الخاصة بقطاع الأدوية أظهرت نمطًا مشابهًا من أوجه القصور المؤسسي، حيث لا توجد، بحسب ما خلصت إليه النتائج، منظومة وطنية متكاملة لتنظيم عمليات شراء الأدوية أو تحديد الاحتياجات الفعلية للقطاع الصحي.
وأضاف أن تقدير الكميات المطلوبة يعتمد على آليات وصفها بأنها أقرب إلى التقديرات غير الدقيقة، ما يفتح المجال أمام التوسع في الإنفاق دون وجود ضوابط فعالة أو معايير واضحة لتحديد الاحتياجات.
خلل في نظام تسجيل الأدوية
وأشار الباحث إلى أن نظام تسجيل شركات الأدوية يعاني من اختلالات كبيرة، موضحًا أن عددًا محدودًا من الشركات تمكن خلال السنوات الأخيرة من تحقيق توسع ملحوظ في حصته السوقية وأرباحه، وسط مؤشرات على وجود علاقات مباشرة تربط بعض هذه الشركات بمسؤولين حكوميين وأعضاء في مجلس النواب.
واعتبر أن هذه العلاقة تمثل نموذجًا واضحًا لتضارب المصالح، إذ يشارك بعض المسؤولين في رسم سياسات الشراء واتخاذ القرارات المتعلقة بقطاع الدواء، في الوقت الذي تستفيد فيه شركات مرتبطة بهم من العقود الحكومية، وهو ما يضعف الشفافية ويقوض قواعد المنافسة العادلة.
وخلص الباحث إلى أن ما تكشفه التحقيقات في قطاعي الوقود والأدوية يعكس أزمة حوكمة عميقة داخل مؤسسات الدولة الليبية، مؤكدًا أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إصلاحات مؤسسية ورقابية شاملة، وليس مجرد إعادة ترتيب موازين السلطة بين الأطراف السياسية المتنافسة، لأن استمرار شبكات المصالح الاقتصادية سيبقي عوامل عدم الاستقرار قائمة حتى في حال التوصل إلى اتفاق سياسي جديد.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة