آخر الأخبار

«تشاتام هاوس»: تحديات تعيق نجاح الخطة الأميركية لتقاسم السلطة في ليبيا

شارك
مصدر الصورة
مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس. (أرشيفية: الإنترنت)

قال الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد «تشاتام هاوس»، تيم إيتون إن التحركات الأميركية الأخيرة لإعادة توحيد السلطة في ليبيا تعكس رغبة واشنطن في إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي التي تشهدها البلاد، إلا أن هذه المقاربة قد تواجه صعوبات كبيرة إذا ظلت تركز على التوصل إلى اتفاق بين النخب السياسية والعسكرية، من دون معالجة أوجه القصور في الحوكمة ومكافحة الفساد وتحسين أداء مؤسسات الدولة.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وأوضح إيتون، في مقال نشره المعهد البريطاني اليوم الإثنين، أن الإدارة الأميركية كثفت خلال الأسابيع الماضية اتصالاتها مع الأطراف الليبية الفاعلة، بقيادة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الذي يسعى إلى دفع مختلف القوى المؤثرة نحو اتفاق يقود إلى تشكيل حكومة موحدة تنهي الانقسام القائم بين شرق البلاد وغربها، بعد سنوات من ازدواجية المؤسسات التنفيذية والتنافس على الشرعية.

وأضاف أن المشهد الليبي ما يزال منقسمًا بين حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب في شرق البلاد والمدعومة من «القيادة العامة» بقيادة المشير خليفة حفتر، وهو ما جعل واشنطن تعتبر أن التوصل إلى تفاهم بين هذين المعسكرين يمثل مدخلًا لإنهاء الجمود السياسي الذي عطّل إجراء الانتخابات وأطال أمد المرحلة الانتقالية.

وأشار الباحث إلى أن الجهود الأميركية شملت عقد لقاءات مباشرة مع شخصيات بارزة من معسكر شرق ليبيا، إذ زار صدام حفتر، أحد أبرز أبناء المشير خليفة حفتر، العاصمة الأميركية واشنطن، حيث التقى مسؤولين أميركيين، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، في إطار مناقشة التصورات المتعلقة بالتسوية السياسية وإعادة ترتيب السلطة في ليبيا. وفي المقابل، لم تشارك شخصيات من معسكر الدبيبة في هذه اللقاءات، إلا أن الاتصالات الأميركية استمرت في محاولة لإقناعها بالانخراط في المبادرة المطروحة.

صيغة لتقاسم السلطة
ورأى إيتون أن جوهر المبادرة الأميركية يقوم على جمع أبرز مراكز النفوذ الليبية في إطار صيغة لتقاسم السلطة، باعتبار أن إشراك القوى الأكثر تأثيرًا قد يساهم في تخفيف حدة الصراع وتهيئة الظروف لإعادة توحيد المؤسسات السيادية والتنفيذية. لكنه لفت إلى أن هذا التصور يواجه انتقادات واسعة داخل ليبيا، حيث ينظر إليه كثيرون باعتباره امتدادًا للاتفاقات السابقة التي ركزت على توزيع المناصب بين الأطراف المتنافسة، من دون إحداث تغيير حقيقي في طريقة إدارة الدولة.

وأضاف أن عددا كبيرا من الليبيين ينظرون إلى مثل هذه التفاهمات باعتبارها تمنح شرعية إضافية للنخب التي هيمنت على المشهد السياسي خلال السنوات الماضية، في حين تبقى مطالب المواطنين المتعلقة بتحسين الخدمات العامة، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، خارج دائرة الاهتمام الأساسية في أي تسوية سياسية جديدة.

وأشار الباحث إلى أن التركيز على إعادة توزيع المناصب بين القوى النافذة لا يعالج الأسباب العميقة للأزمة الليبية، موضحًا أن الانقسام السياسي ليس سوى أحد مظاهر المشكلة، بينما تتمثل الأزمة الأساسية في ضعف مؤسسات الدولة، وغياب آليات فعالة للمساءلة، واستمرار شبكات المحسوبية التي تستفيد من الوضع القائم.

- خبراء: المبادرات الدولية لن تنهي الأزمة الليبية دون توافق داخلي وتوحيد المؤسسات
- هل تنجح واشنطن في «تدوير البوصلة» الليبية بعيدًا عن موسكو؟
- «ديكود 39» يحذر: «مبادرة بولس» قد تعني تهميش المسار الأممي في ليبيا
- اجتماع سرت.. هل ينجح في فك شفرة الأزمة الليبية؟
- خبراء يحذرون من «صفقة النخب» في ليبيا.. هل تقوض المبادرة الأميركية مسار الانتخابات؟

وأوضح أن السنوات الماضية أظهرت أن الاتفاقات السياسية التي تقوم على تقاسم السلطة بين النخب غالبًا ما توفر هدوءًا موقتًا، لكنها لا تؤدي إلى بناء مؤسسات أكثر كفاءة أو إلى تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى عودة الخلافات السياسية والأمنية بمجرد تغير موازين القوى أو اختلاف المصالح بين الأطراف المشاركة.

تحقيقات الفساد تؤكد أن المشكلة ليست سياسية فقط
وأضاف إيتون أن التحقيقات الليبية المتعلقة بمكافحة الفساد تكشف حجم التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة، وتبرز أن المشكلة لا تقتصر على الانقسام السياسي، وإنما تمتد إلى طريقة إدارة الموارد العامة وآليات الإنفاق والرقابة، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة توحيد السلطة غير كافية إذا لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية حقيقية تعزز الشفافية وتفرض المساءلة على جميع مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن نجاح أي حكومة موحدة لن يقاس فقط بقدرتها على جمع الخصوم السياسيين حول طاولة واحدة، وإنما بمدى قدرتها على استعادة ثقة المواطنين من خلال تحسين الخدمات الأساسية، وإدارة الموارد المالية بكفاءة، والحد من مظاهر الفساد التي أصبحت من أبرز أسباب تراجع ثقة الليبيين في المؤسسات الرسمية.

ورأى الباحث أن المجتمع الدولي يركز منذ سنوات على التوصل إلى تسويات سياسية بين مراكز القوى، بينما تحظى ملفات الإصلاح الإداري والاقتصادي والمؤسسي باهتمام أقل، رغم أنها تمثل الركيزة الأساسية لأي استقرار طويل الأمد. وأضاف أن الاكتفاء بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية من دون إصلاح قواعد إدارة الدولة سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها، حتى وإن تغيرت أسماء الحكومات أو المسؤولين.

شرط نجاح أي اتفاق
كما اعتبر إيتون أن أي اتفاق لا يضع تحسين الحوكمة في صدارة أولوياته سيبقى معرضًا للفشل، لأن المؤسسات الضعيفة ستظل عاجزة عن تنفيذ السياسات العامة أو تقديم الخدمات أو إدارة الإيرادات النفطية بصورة تحقق العدالة والكفاءة، وهو ما يفتح الباب أمام استمرار الصراعات على النفوذ والثروة.

وأوضح أن المطلوب لا يقتصر على إنهاء الانقسام بين الشرق والغرب، بل يشمل أيضًا بناء مؤسسات قادرة على العمل بصورة مستقلة وشفافة، وتطوير أجهزة الرقابة والمحاسبة، وإرساء قواعد واضحة لإدارة المال العام، بما يضمن تقليص فرص الفساد وسوء استخدام الموارد.

واختتم الباحث مقاله بالتأكيد على أن فرص نجاح المبادرة الأميركية ستظل محدودة إذا اقتصرت على جمع الشخصيات الأكثر نفوذًا داخل السلطة، من دون أن تقترن بإصلاحات حقيقية تعالج جذور الأزمة الليبية، معتبرا أن تحقيق الاستقرار المستدام يتطلب الانتقال من سياسة تقاسم المناصب بين النخب إلى مشروع متكامل لإصلاح الحوكمة، وتعزيز سيادة القانون، وبناء مؤسسات قادرة على تلبية احتياجات المواطنين واستعادة ثقتهم في الدولة، وهو ما يمثل، في نظره، الشرط الأساسي لإنهاء حالة الانقسام ووضع ليبيا على مسار أكثر استقرارًا.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا