أثارت التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية ووزير الداخلية، وما تبعها من تعليقات سياسية، موجة جديدة من النقاش بشأن قدرة مؤسسات الدولة الليبية على فرض القانون، وسط انتقادات متصاعدة لطبيعة إدارة الأزمات الأمنية والسياسية، في وقت تتزايد فيه مطالب الشارع بترجمة الوعود الرسمية إلى إجراءات عملية تعيد الاعتبار لهيبة الدولة ومبدأ المساءلة.
وفي هذا السياق، علقت عضو لجنة الحوار المهيكل الدكتورة منال أبوعميد، عبر صفحتها على موقع فيسبوك، على المشهد السياسي والأمني، مقدمة قراءة نقدية للأداء الحكومي، دون تحميل تصريحاتها أي دلالات تتجاوز ما ورد فيها، إذ ركزت على ما اعتبرته تناقضًا بين الخطاب الرسمي والنتائج العملية على الأرض.
وقالت أبوعميد إن رئيس الحكومة “كل يوم يطلع يهدرز ويستنكر، وكأنه متفرج مش صاحب القرار”، معتبرة أن تكرار الحديث عن التحقيق والمحاسبة يحمل في مضمونه دلالتين لا ثالث لهما، فإما أن السلطة التنفيذية لا تمتلك السلطة الكافية لاتخاذ القرار، أو أنها لا تمتلك الإرادة اللازمة لتنفيذه.
وبحسب طرحها، فإن استمرار الخطاب القائم على الوعود بفتح التحقيقات ومحاسبة المسؤولين، دون ظهور نتائج ملموسة للرأي العام، يثير تساؤلات حول مدى قدرة السلطة التنفيذية على تحويل تصريحاتها إلى إجراءات فعلية، خاصة في ظل استمرار الملفات الأمنية والخدمية والسياسية العالقة.
وتوقفت أبوعميد عند تصريح وزير الداخلية الذي قال فيه إنه “ما عنديش قدرة نواجه الأجهزة الأمنية”، معتبرة أن هذا التصريح لا يمكن التعامل معه باعتباره زلة لسان أو تصريحًا عابرًا، بل وصفته بأنه اعتراف سياسي وإداري خطير.
ووفقًا لما كتبته، فإن مضمون هذا التصريح يعني أن الدولة تعترف بوجود جهات أقوى من مؤسساتها، أو أنها اختارت التعايش مع هذا الواقع بدلًا من تغييره، وهو ما اعتبرت أنه يطرح علامات استفهام كبيرة بشأن طبيعة العلاقة بين المؤسسات الرسمية والجهات المسلحة، ومدى قدرة الدولة على فرض سلطتها على جميع مكوناتها.
وانطلاقًا من هذا التصور، طرحت أبوعميد مجموعة من الأسئلة التي رأت أنها تعكس جوهر الأزمة، متسائلة: إذا كان المسؤول الأول عن الأمن يعترف بالعجز، فمن المسؤول؟ ومن يحاسب من؟ وكيف يمكن مطالبة المواطن باحترام القانون بينما يقال إن الجهات المفترض بها تطبيقه أصبحت خارج السيطرة؟
وتعكس هذه التساؤلات، بحسب مضمون منشورها، مخاوف تتعلق بمبدأ سيادة القانون، وبالعلاقة بين السلطة التنفيذية وأجهزة إنفاذ القانون، ومدى قدرة المؤسسات الرسمية على ممارسة اختصاصاتها بصورة كاملة.
وأضافت أن كل أزمة يعاد تقديمها بصياغة جديدة، وكل إخفاق يجري تغليفه بقصة مختلفة، فيما يتم استبدال كل استحقاق مؤجل بمعركة إعلامية جديدة تشغل الرأي العام عن جوهر الأزمة الحقيقية.
كما اعتبرت أن صناعة الجدل أصبحت وسيلة لتسويق ما يوصف بالإنجازات، وأن الروايات الإعلامية تُطرح للرأي العام على أنها الحقيقة الوحيدة، بينما تبقى الحقيقة، بحسب وصفها، حاضرة في الواقع المعيشي الذي يواجهه المواطن يوميًا، وليس في المؤتمرات أو التصريحات الرسمية.
وأكدت أبوعميد أن المشكلة، من وجهة نظرها، لا تكمن في عدم فهم المواطنين لما يجري، وإنما في الرهان على انشغالهم بالضجيج الإعلامي، بما يصرف اهتمامهم عن طرح الأسئلة الأساسية المتعلقة بالنتائج، وهيبة الدولة، وآليات المحاسبة.
ويأتي هذا الطرح في ظل استمرار النقاش داخل الأوساط السياسية والاجتماعية الليبية بشأن فعالية مؤسسات الدولة، وقدرتها على الاستجابة للتحديات الأمنية والاقتصادية والخدمية، وسط مطالب متكررة بتفعيل أدوات الرقابة والمساءلة وتعزيز سلطة القانون.
وفي ختام منشورها، شددت أبوعميد على أن بناء الدولة لا يتحقق بالاستعراض، ولا بإدارة الرأي العام، ولا بإعادة تدوير الأزمات، وإنما يتحقق عندما يخضع الجميع للقانون، ويكون المسؤول قادرًا على تنفيذ قراراته، لا الاكتفاء بتبرير العجز عن تنفيذها.
وأضافت أن من يعترف بعدم امتلاكه القدرة على إدارة مؤسسات الدولة، ينبغي عليه كذلك أن يتحمل مسؤولية الاعتراف بأنه لم يعد يمتلك المبرر للاستمرار في منصبه، معتبرة أن الشعوب تحتاج إلى دولة تُدار بالفعل، لا إلى سلطة تتقن صناعة الوهم وتسويق الأزمات.
وتأتي هذه التصريحات في سياق حالة الجدل السياسي المتواصلة بشأن أداء حكومة الوحدة منتهية الولاية، واستمرار التحديات الأمنية والمؤسسية، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية والسياسية بإرساء سيادة القانون، وتعزيز هيبة مؤسسات الدولة، وتحقيق المساءلة، بما يضمن معالجة جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بإدارتها إعلاميًا.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤
مصدر الصورة
مصدر الصورة