تتواصل في ليبيا الدعوات المطالبة بإعادة ترتيب أولويات الإصلاح الاقتصادي والإداري، في ظل تحديات مالية ومؤسسية تلقي بظلالها على بيئة الأعمال والاستثمار، حيث طرح وزير الاقتصاد والصناعة الليبي السابق منير علي عصر رؤية متكاملة تربط بين تنشيط الاقتصاد الوطني، وتعزيز ثقة المستثمرين، وإصلاح الإدارة العامة، وتطوير المنظومة القانونية والقضائية، باعتبارها مرتكزات رئيسية لأي عملية تنموية مستدامة.
وتأتي هذه الطروحات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الليبي تحديات متراكمة تتعلق بضعف كفاءة المؤسسات، وتباطؤ تنفيذ الإصلاحات، واستمرار العراقيل الإدارية، وهو ما ينعكس، بحسب مراقبين، على معدلات الاستثمار والإنتاج والخدمات، ويغذي المطالب بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الحوكمة والشفافية والمساءلة، بعيدًا عن السياسات التي يرون أنها لم تحقق النتائج المرجوة خلال سنوات عمل حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية.
وأكد منير علي عصر أن رأس المال الوطني يمثل القاطرة الأولى للاستثمار، موضحًا أنه لا توجد دولة حققت نهضة اقتصادية وهي تنتظر المستثمر الأجنبي ليبدأ عملية البناء قبل المستثمر المحلي، مشيرًا إلى أن المستثمر الوطني هو الأكثر معرفة ببيئة بلده، والأقدر على تحمل المراحل الأولى من التنمية، والأكثر ارتباطًا بالمصلحة الوطنية على المدى الطويل.
وأضاف أن ثقة المستثمر الليبي في اقتصاد بلاده تمثل رسالة عملية للمستثمر الأجنبي تفوق في تأثيرها أي حملات ترويجية، معتبرًا أن دعم رأس المال الوطني لا يعني إغلاق الباب أمام الاستثمار الخارجي، وإنما إقامة شراكة متوازنة يكون فيها المستثمر الليبي شريكًا في التنمية وليس مجرد متابع لها.
وأوضح أن هذه الشراكة تبدأ بتوفير بيئة قانونية مستقرة، وإجراءات واضحة، وتمويل إنتاجي، وقضاء يحمي الحقوق، وإدارة تنجز ولا تعطل، مؤكدًا أن الدول تبنى أولًا بثقة أبنائها ثم بثقة العالم فيها.
وفي رؤية تركز على الحوكمة المؤسسية، اعتبر عصر أن المشكلة لا تكمن في غياب التشريعات، وإنما في عدم فهم القانون التجاري وتطبيقه بصورة صحيحة.
وأشار إلى أن الالتزام بإقفال الميزانيات السنوية وفقًا لأحكام القانون التجاري يكشف بصورة موضوعية نتائج أعمال المؤسسات، من خلال حسابات الأرباح والخسائر، وموقف القضايا، والديون المشكوك فيها، والديون الممتازة، والديون المعدومة، إضافة إلى تقارير المراجع الداخلي، والمراجع الخارجي، ولجنة المراقبة.
ورأى أن تطبيق هذه الآليات كفيل بإقصاء المديرين غير الأكفاء بصورة تلقائية، وتقليص فرص الواسطة والمحسوبية، لأن تقييم الإدارات سيصبح قائمًا على النتائج المالية والإدارية الفعلية، وليس على الاعتبارات الشخصية.
وأضاف أن المصارف تمنح فوائد على الودائع، وأن أي شركة عاملة تحقق أرباحًا صافية تقل عن هذا المستوى لا تكون قد حققت، من وجهة نظره، ربحًا محاسبيًا حقيقيًا، الأمر الذي يجعل معيار الأداء واضحًا أمام الجمعيات العمومية، بما يتيح استبدال المدير الذي لا يحقق نتائج مناسبة، مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجنائية متى توافرت أسبابها القانونية.
وشدد على أن نجاح هذا النموذج يرتبط بوجود جمعيات عمومية حقيقية، ومراجعين داخليين وخارجيين مستقلين، ولجان رقابة متخصصة تمارس دورها بصورة فعلية، مؤكدًا أن الخلل يكمن في سوء فهم القانون وليس في غيابه.
كما تناول الوزير السابق قضية الهياكل التنظيمية في المؤسسات الليبية، معتبرًا أن أحد أبرز مشكلات الإدارة العامة يتمثل في غياب البناء العلمي للهياكل التنظيمية بما يخدم رسالة كل مؤسسة.
وأوضح أن إعداد الهياكل ينبغي أن ينطلق من أهداف المؤسسة، ثم تحديد الوظائف وشروطها واختصاصاتها، مع الفصل الواضح بين الملاك الفني، والإداري، والخدمي، بحيث يؤدي كل قطاع مهامه دون تداخل أو تجاوز على اختصاصات القطاعات الأخرى.
وأضاف أن الواقع الحالي، بحسب توصيفه، يشبه البناء العشوائي، حيث تضم المؤسسات تخصصات لا تخدم رسالتها الأساسية، بينما ينشغل عدد من العاملين بالحصول على الترقيات والدرجات الوظيفية دون ارتباط ذلك بطبيعة الوظيفة أو بإنجازات مهنية متميزة.
وفي جانب آخر من رؤيته، أكد عصر أن جذب الاستثمار لا يتحقق بالحوافز الضريبية وحدها أو بكثرة التشريعات، بل يبدأ من ضمان العدالة الاقتصادية.
وأوضح أن المستثمر يضع في مقدمة أولوياته مدى قدرة الدولة على حماية الحقوق والعقود، ولذلك فإن وجود مؤسسات قضائية مستقلة، وإجراءات واضحة، وسرعة في الفصل في النزاعات، يمثل عنصرًا حاسمًا في بناء الثقة.
ودعا إلى إنشاء دوائر ومحاكم اقتصادية متخصصة، وتطوير منظومة التحكيم التجاري، وتسريع الفصل في القضايا الاستثمارية، معتبرًا أن هذه الخطوات ليست مطلبًا قانونيًا فقط، وإنما قرار اقتصادي من الدرجة الأولى، لأن الدول التي تحمي العقود تجذب رؤوس الأموال، بينما تصبح الثقة في العدالة أفضل وسيلة لجذب المستثمرين.
وتطرق عصر إلى إدارة المال العام، مؤكدًا أن قيمة الموازنة لا تقاس بحجم الإنفاق وإنما بنتائج هذا الإنفاق على حياة المواطنين.
وأشار إلى أن ضخ أموال كبيرة لا يحقق بالضرورة تطورًا في التعليم أو الصحة أو البنية التحتية إذا غابت مؤشرات الأداء والمساءلة، بينما تستطيع دول أخرى تحقيق نتائج أفضل بموارد أقل عندما تربط كل مشروع بهدف واضح، وكل مسؤول بمعايير أداء قابلة للقياس.
ورأى أن الإصلاح المالي الحقيقي يبدأ بالانتقال من ثقافة الإنفاق إلى ثقافة الإنجاز، ومن قياس حجم الاعتمادات إلى قياس النتائج والأثر، بحيث يتحول كل دينار من المال العام إلى خدمة أفضل أو مشروع تنموي أو فرصة عمل، مؤكدًا أن الإنفاق الذي لا يحقق أثرًا يمثل تكلفة على الدولة وليس استثمارًا في مستقبلها.
منير علي عصر يدعو إلى تمكين رأس المال الوطني، وتطبيق القانون التجاري، وإصلاح الإدارة والقضاء والإنفاق العام، وتعزيز دور البلديات لبناء اقتصاد ليبي أكثر كفاءة وثقة.وفي محور التنمية المحلية، شدد الوزير السابق على أن التنمية لا ينبغي أن تبقى محصورة في العاصمة، لافتًا إلى أن المدن الليبية تمتلك موارد وفرصًا اقتصادية متنوعة يمكن أن تتحول إلى محركات للنمو في مجالات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية والصيد البحري والطاقة المتجددة.
وأوضح أن منح البلديات صلاحيات أوسع في التخطيط والتنفيذ يجب أن يتم داخل إطار وطني يحفظ وحدة الدولة ويضمن العدالة بين المناطق، مؤكدًا أن المقصود ليس العمل بمعزل عن الدولة، وإنما تمكين البلديات من استثمار مواردها وتحسين خدماتها ضمن منظومة رقابة ومساءلة واضحة.
ويرى متابعون أن هذه الرؤية تطرح تصورًا متكاملًا يربط بين الإصلاح المؤسسي، وتفعيل القانون، وتعزيز دور القطاع الخاص الوطني، وإرساء العدالة الاقتصادية، واللامركزية الإدارية المنضبطة، وهي ملفات تزداد أهميتها في ظل المطالب المتصاعدة بإصلاح الأداء الحكومي، ومعالجة أوجه القصور التي يرى منتقدون أنها رافقت عمل حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية، بما يفتح المجال أمام سياسات أكثر كفاءة تعزز ثقة المواطن والمستثمر في مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على وحدة ليبيا وبناء اقتصاد قادر على تحقيق التنمية المستدامة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤