تشهد الساحة الليبية اتساعًا في دائرة الانتقادات الموجهة إلى حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالتزامن مع تفاقم أزمات الكهرباء والسيولة والأسعار والخدمات العامة، وتزايد الدعوات لإنهاء المرحلة الانتقالية والانتقال إلى تسوية سياسية شاملة تقود إلى انتخابات وطنية، في وقت تتواصل فيه المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى كسر حالة الجمود السياسي.
أكد عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي أن حكومة الدبيبة دخلت، وفق تقديره، مرحلة الانهيار السياسي، مشيرًا إلى أن حالة الرفض لاستمرارها لم تعد مقتصرة على خصومها السياسيين، بل امتدت إلى أطراف كانت توصف سابقًا بأنها حليفة لها.
وأوضح العرفي أن التشكيلات المسلحة التي كانت تدعم رئيس الحكومة بدأت، بحسب قوله، في التخلي عنه، معتبرًا أن ذلك يعكس تحولًا في موازين القوى المرتبطة بالمشهد السياسي والأمني.
الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي قدمت سلسلة من المواقف التي ركزت على أزمة الكهرباء باعتبارها عنوانًا لفشل الإدارة العامة، مقترحة بصورة ساخرة اعتماد حلول تقوم على الاستعانة بالخبرات الفنية الدولية وإجراء منافسة شفافة لاختيار أفضل العروض الفنية بأقل تكلفة وأسرع تنفيذ.
كما انتقدت استمرار الانقطاعات الكهربائية، معتبرة أن الأزمة لم تعد تقتصر على الكهرباء وحدها، بل أصبحت تمتد إلى المياه والخدمات الأساسية والحياة اليومية للمواطنين.
وربطت البركي بين تردي الخدمات واستمرار الإنفاق العام الكبير، متسائلة عن أسباب غياب أدوات الضغط السلمي، ومن بينها الإضراب العام، رغم اتساع معاناة المواطنين.
وفي ملف الأمن، وصفت الأوضاع الأمنية في مدينة الزاوية بأنها مقلقة، مشيرة إلى استمرار حوادث القتل والاغتيال رغم استمرار النشاط اليومي داخل المدينة، معتبرة أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بإنهاء هذه الظواهر.
كما انتقدت طريقة تعامل حكومة الدبيبة مع ملف الهجرة غير الشرعية، معتبرة أن السياسات المتبعة قد تجعل ليبيا تتحمل أعباء أمنية واجتماعية كبيرة مقابل استمرار الحكومة في السلطة، وفق تعبيرها.
وتطرقت البركي كذلك إلى الخطاب السياسي لرئيس الحكومة، معتبرة أن تصريحاته العفوية كشفت، بحسب رأيها، طبيعة خطابه الحقيقي بعيدًا عن النصوص المعدة مسبقًا.
من جانبه، أكد عضو الحوار المهيكل أشرف بودوارة أن حكومة الدبيبة تعرضت لانتقادات متزايدة نتيجة عدم تحقيق الهدف الأساسي الذي منحت الثقة من أجله، والمتمثل في تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
وأوضح أن إطالة عمر الحكومات الانتقالية تؤدي إلى تعميق الانسداد السياسي وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات، مشيرًا إلى أن ليبيا ما تزال تعاني آثار سنوات الانقسام وازدواجية المؤسسات وتعثر تنفيذ الاستحقاقات السياسية.
وفي المقابل، رأى المحلل السياسي إدريس أحميد أن الجهود الرامية إلى تحريك العملية السياسية ما تزال مستمرة من خلال المبادرة التي يقودها مسعد بولس، موضحًا أن المبادرة تحتاج إلى مزيد من الوقت لاستكمال المشاورات مع الأطراف الليبية والدول المعنية قبل طرحها بصيغتها النهائية.
وأشار إلى أن المبادرة بدأت تكتسب زخمًا تدريجيًا بعدما نجحت في جمع أهم طرفين في المعادلة السياسية، معتبرًا أن استمرار الدعم الإقليمي والدولي قد يمنحها فرصة حقيقية لتحقيق تقدم.
وأضاف أن بعض القوى الرافضة للمبادرة لا ترغب في أي تسوية ما لم تكن جزءًا منها، معتبرًا أن هذه المواقف تسهم في تعطيل العملية السياسية.
وأكد أن أي تقارب بين الفرقاء ينبغي أن ينطلق من مطالب الشارع الليبي الساعي لإنهاء الانقسام، موضحًا أن نجاح المسار السياسي سيمهد لمعالجة ملفات توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء الانقسام المؤسسي وتحقيق الاستقرار.
وفي قراءة أخرى، تناول إدريس أحميد ملف الأمن الغذائي، مؤكدًا ارتباطه الوثيق بالأمن المائي، نظرًا لاعتماد ليبيا بصورة كبيرة على المياه الجوفية.
وأوضح أن استنزاف الموارد المائية، وضعف الإرشاد الزراعي، والانقطاعات المتكررة للكهرباء التي تؤثر في تشغيل الآبار وأنظمة الري، جميعها عوامل تقلل الإنتاج الزراعي.
كما شدد على ضرورة تعزيز الرقابة على الأسواق والمنافذ لمنع دخول المبيدات المحظورة والمنتجات غير المطابقة للمواصفات، مثمنًا جهود النائب العام في متابعة هذا الملف، مع التأكيد على أهمية تكامل أدوار الأجهزة الرقابية والوزارات المختصة وتحويل الأمن الغذائي إلى مشروع وطني دائم.
المستشار في الأمن القومي فيصل بوالرايقة اعتبر أن المواطن أصبح ينتقل من أزمة إلى أخرى، معددًا ملفات الكهرباء والبنزين والسيولة وسعر الدينار والأسعار والصحة والدواء والمياه والصرف الصحي والحمى القلاعية والكتاب المدرسي.
ورأى أن المشكلة لا تكمن في تعدد الأزمات فقط، بل في غياب الإدارة المتكاملة التي تربط بين الملفات المختلفة، معتبرًا أن مؤسسات الدولة تعمل بصورة منفصلة، بينما تبقى تقارير الرقابة والملفات المعروفة دون محاسبة حقيقية.
الباحث في شؤون الأمن القومي، فيصل بوالرايقة،بدوره، أكد عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة أن الدبيبة لا يستطيع التنصل من مسؤولية أزمة الكهرباء، باعتباره رئيس الجمعية العمومية للشركة العامة للكهرباء، مشددًا على أن المسؤولية السياسية والإدارية تظل قائمة.
وأشار إلى أن مليارات الدنانير أنفقت على القطاع دون انعكاس ملموس على مستوى الخدمات، معتبرًا أن المواطن ينتظر نتائج فعلية لا تبادلًا للمسؤوليات، كما لفت إلى تعميم سابق يقضي بعدم تعامل الجهات مع الأجهزة الرقابية إلا بإذن من رئيس الحكومة.
وفي السياق ذاته، انتقد عضو مجلس النواب جاب الله الشيباني ما وصفه بمحاولة التنصل من المسؤولية، مؤكدًا أن القائد يتحمل مسؤولية أخطاء مرؤوسيه ولا يلقيها عليهم عند الأزمات.
كما علق وكيل وزارة الخارجية الأسبق حسن الصغير على الوثيقة المتعلقة بنقص الوقود اللازم لمحطات الكهرباء، معتبرًا أن توقيت ظهورها يثير تساؤلات، وطرح احتمالين، إما أنها أُعدت مؤخرًا بتاريخ قديم، أو أنها سُربت مع الحديث عن تغيير إدارة الشركة.
أما الإعلامي طه حديد فذكّر بأن الإدارة التي انتقدها الدبيبة هي نفسها التي كلفها قبل أربع سنوات، معتبرًا أن تحمل المسؤولية يجب أن يكون شاملًا في النجاح والإخفاق معًا.
واتهم رئيس مؤسسة همم لذوي الإعاقة صلاح كحيل الحكومة بتهميش الأشخاص ذوي الإعاقة، بعد إعلان عدم إمكانية زيادة المعاشات الأساسية، معتبرًا أن ذلك يعكس غياب العدالة الاجتماعية، وداعيًا إلى التحرك لمعالجة أوضاع هذه الفئة.
من جانبه، أكد المحلل السياسي فضيل الأمين أن بناء الدولة يقوم على نزاهة موظفي الخدمة العامة والكفاءة والشفافية والمساءلة، معتبرًا أن الفساد يقوض الثقة في المؤسسات ويعتدي على حقوق المواطنين.
كما رأى المستشار والناشط الحقوقي هشام الحاراتي أن المواطن هو من يتحمل تكلفة الأزمات المتلاحقة، مؤكدًا أن استمرار النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور، وأن الإدارة الكفؤة والمحاسبة الحقيقية تمثلان المدخل الأساسي لحماية حقوق المواطنين.
الدبلوماسي الليبي السابق عادل عيسىوفي سياق متصل، رأى السفير الليبي الأسبق لدى أوكرانيا عادل عيسى أن مؤشرات التقارب في المسارين المالي والعسكري كانت تعزز فرص إنهاء الانقسام، إلا أن ظهور تحركات ميدانية وإعلامية متزامنة مع بوادر التقارب السياسي يثير تساؤلات بشأن وجود أطراف لا ترى مصلحة في نجاح التسوية، محذرًا من استخدام التوترات الأمنية لإرباك المسار السياسي، ومؤكدًا أن الحل الشامل يظل الخيار الأكثر استدامة لإنهاء الأزمة الليبية.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤