فسر تقدير موقف حديث صادر عن «مركز تقدم للسياسات» أسباب «الصمت الرسمي المتعمد» لبريطانيا إزاء المبادرة الأميركية بشأن ليبيا، التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، معتبرًا أن هذا الموقف يعكس توازنًا دقيقًا تحرص عليه لندن بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، والتمسك بالشرعية الدولية المتمثلة في مظلة الأمم المتحدة.
وأوضحت الورقة البحثية، الصادرة عن «وحدة الشؤون الأفريقية» بالمركز، الذي يتخذ من لندن مقرًا له، أن بريطانيا لم تعلّق علنًا على المبادرة الأميركية، على الرغم من ثقلها التقليدي في الملف الليبي، إلا أن تتبع مواقفها داخل مجلس الأمن يكشف عن سياسة واضحة ترتكز على دعم أي خطوة تُفضي إلى توحيد المؤسسات الليبية، مقابل رفض ضمني لأي مسار يُضعف مركزية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أو يؤجل الاستحقاق الانتخابي.
واستدلّ المركز على هذا التوجه بالتمسك البريطاني المعلن بخريطة الطريق الأممية التي تقودها المبعوثة الخاصة، هانا تيتيه، وترحيب لندن باتفاق الميزانية الموحدة، مقابل الامتناع التام عن التفاعل الإعلامي أو السياسي مع التقارير المتداولة بشأن صفقة لتقاسم السلطة في ليبيا.
3 محددات للموقف البريطاني من مبادرة بولس
وعزا تقدير الموقف التموضع البريطاني الحالي إلى محاولة الحفاظ على توازن دقيق بين ثلاثة اعتبارات استراتيجية: الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، والتمسك بمركزية الأمم المتحدة بوصفها المصدر الوحيد للشرعية الدولية، وصون أدوات النفوذ البريطاني الخاصة، وأبرزها موقعها بصفتها «حاملة القلم» الخاص بالملف الليبي في مجلس الأمن.
ورأى المركز البحثي أن تأكيد بولس نفسه أن مبادرته «مكمّلة» وليست بديلة لجهود الأمم المتحدة، سهّل على لندن تفادي أي سجال مباشر مع واشنطن، خصوصًا أن التحرك الأميركي «لا يزال يبدو مبادرة شخصية لم تتبنها المؤسسات الأميركية رسميًا بعد».
تقاطع المصالح ومخاوف «تأبيد الانقسام»
وفيما يتعلق بنقاط الالتقاء والافتراق، أوضح التقرير أن المصالح البريطانية تتقاطع مع أهداف مبادرة بولس في الجوانب المتعلقة بتوحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية، وضمان استقرار إنتاج النفط وتدفقه.
في المقابل، تبتعد لندن عن المبادرة عندما تسعى الأخيرة إلى تقديم تفاهمات ومصالح «النخب الحاكمة» على حساب بناء شرعية سياسية جديدة عبر صناديق الاقتراع، إذ تخشى الدبلوماسية البريطانية أن يؤدي ذلك إلى إنتاج «انقسام أكثر ثباتًا وأقل شرعية».
وخلص مركز «تقدم» في ختام قراءته للمشهد إلى أن مسار العلاقة بين لندن والمبادرة الأميركية سيتحدد بمصيرها؛ فإذا أفضت إلى توافق ليبي واسع تحت مظلة الأمم المتحدة، فمن المرجح أن تنخرط بريطانيا فيها تدريجيًا. أما إذا تحولت إلى آلية لتكريس تقاسم السلطة بين النخب القائمة خارج المسار الأممي، فستتسع الفجوة السياسية بين لندن والمبادرة، مع استمرار حرص بريطانيا على تجنب أي مواجهة علنية مع واشنطن.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة