رغم استمرار الحراك السياسي المحلي والدولي بشأن الأزمة الليبية، لا تزال حالة الانقسام المؤسساتي والخلافات حول آليات إدارة المرحلة الانتقالية تلقي بظلالها على مستقبل العملية السياسية، في ظل تعدد المبادرات وتباين مواقف الأطراف المحلية والدولية، وسط تساؤلات حول إمكانية الوصول إلى انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتكررة.
وفي قراءة للمشهد السياسي الليبي، أكد المحلل السياسي محمد امطيريد، في تصريح خاص لشبكة «عين ليبيا»، أن الوضع الحالي لا يمكن وصفه بانفراج كامل، وإنما يمثل انفراجاً جزئياً ومرحلة انتقالية جديدة، معتبراً أنها قد تكون المرحلة الانتقالية الأخيرة التي تمر بها البلاد.
وأوضح امطيريد أن سنوات الجمود السياسي التي مرت بها ليبيا أثرت بشكل كبير على طبيعة المشهد السياسي، وجعلته مشهداً هشاً وغير متزن، مشيراً إلى أن مختلف المراحل السياسية والمبادرات والوساطات الدولية السابقة انتهت في معظمها إلى الفشل.
وقال إن المرحلة الحالية تمثل محاولة للانتقال من حالة الجمود إلى مرحلة جديدة، لكنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة مرتبطة بطبيعة الأزمة الليبية وتعقيداتها الداخلية والخارجية.
البعثة الأممية.. إدارة للأزمة أكثر من كونها حلاً
وحول تقييمه لأداء بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، قال امطيريد إن دور البعثة يُصنف في إطار إدارة الأزمة، مؤكداً أنها لم تقدم حتى الآن حلاً نهائياً ينهي الأزمة الليبية.
وأضاف أن البعثة الأممية، رغم محاولاتها السابقة، لم تتمكن من الوصول إلى حل دائم، مشيراً إلى أن تجربة ملتقى الحوار السياسي في جنيف كانت من أبرز المحطات التي شهدت بوادر للوصول إلى انتخابات في ديسمبر 2021، إلا أن تلك المساعي لم تكتمل.
وأشار إلى أن الجدل الذي رافق نتائج ملتقى الحوار والاتهامات التي أثيرت بشأن وجود تجاوزات وشبهات حول عملية الاختيار، إضافة إلى عدم الكشف الكامل عن بعض التحقيقات المتعلقة بتلك المرحلة، ساهم في استمرار الانتقادات الموجهة للبعثة الأممية.
وأكد أن البعثة لا تستطيع بمفردها حل الأزمة الليبية، باعتبار أن قراراتها مرتبطة بمجلس الأمن والتوافقات الدولية، موضحاً أن بعض الدول الفاعلة داخل المجلس لا ترغب، بحسب تقديره، في وصول ليبيا إلى حالة استقرار نهائي.
وأضاف أن استمرار هذا الوضع يجعل الأزمة تدور في دائرة المراوحة دون الوصول إلى حل شامل.
آلية اختيار رئيس المفوضية العليا للانتخابات لا تكفي لتسريع المسار
وفيما يتعلق باجتماع اللجنة المصغرة وآلية اختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، أوضح امطيريد أن اللجنة المصغرة «4+4» أقرت في البداية أن يكون الاختيار عبر النائب العام، قبل أن يتم تغيير الآلية بعد عدم تجاوبه، والانتقال إلى آلية جديدة للترشيح.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول دور اللجنة، قائلاً إن اللجنة التي تضع الآليات الزمنية لمعالجة الأزمة السياسية وتبحث في القوانين الانتخابية وملف رئيس المفوضية، لا يمكن في الوقت ذاته أن تكون هي الجهة التي تضع الآلية وتقوم بالتسمية، باعتبار أن ذلك قد يدخلها في دائرة التشكيك.
وأكد أن الأطراف السياسية الليبية لم تصل بعد إلى مرحلة القبول الكامل بمخرجات اللجنة المصغرة، سواء من مجلس النواب أو مجلس الدولة، وهو ما يجعل أي خطوة مرتبطة بها بحاجة إلى توافق أوسع.
الانتخابات تحتاج إلى مصداقية وضمانات قبل تحديد موعدها
وعن إمكانية تسريع الوصول إلى الانتخابات، شدد امطيريد على أن الأمر يحتاج أولاً إلى وجود مصداقية وشفافية من جميع الأطراف السياسية، وقبول من مراكز صنع القرار في الشرق والغرب.
وأوضح أن تجربة عام 2021، عندما تم تأجيل الانتخابات تحت مبررات ما وصفه بـ«القوة القاهرة»، ما زالت حاضرة، مؤكداً ضرورة وجود خارطة زمنية واضحة، وآلية محددة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وضمانات محلية ودولية لقبول النتائج.
وأشار إلى أن الانتخابات الرئاسية تبدو أكثر صعوبة في ظل استمرار الانقسام الحالي، بينما قد تكون الانتخابات البرلمانية خياراً أكثر واقعية في المرحلة المقبلة، باعتبارها لا ترتبط بأشخاص محددين، ويمكن أن تعيد الشرعية إلى الشارع الليبي.
وأضاف أن إعادة الشرعية للمواطنين وإنهاء وجود الأجسام السياسية الحالية، بما فيها مجلسا النواب والدولة، يمثلان خطوة مهمة لإعادة ترتيب المشهد السياسي.
الانقسام المؤسساتي أبرز عوائق الانتخابات
وحول العقبات التي تمنع إجراء الانتخابات، أكد امطيريد أن الانقسام المؤسساتي يأتي في مقدمة هذه العوائق، إضافة إلى الجدل المستمر حول رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وأوضح أن الجانب الفني للعملية الانتخابية كان جاهزاً في عام 2021، مشيراً إلى أن المفوضية سجلت أرقاماً قياسية في عدد الناخبين، سواء في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، وكانت الأطقم الفنية والرقابية مستعدة، إلا أن ما وصفه بالقوة الدولية كان أكبر من الإرادة المحلية.
وأضاف أن الانتخابات الرئاسية لا يمكن إنجازها في ظل حالة الفوضى وعدم الاستقرار الحالية، محذراً من إمكانية استخدام أي أزمة طارئة لتعطيلها.
وأكد أن الانتخابات البرلمانية قد تكون الأقرب والأكثر إمكانية، باعتبارها مدخلاً لإعادة الشرعية للمواطنين وإعادة بناء المؤسسات.
توحيد المؤسسات يحتاج إلى مبادرة واضحة
وفيما يتعلق بإمكانية إنهاء الانقسام بين المؤسسات السياسية والتنفيذية، قال امطيريد إن هذا الانقسام هو السبب الرئيسي في حالة الانسداد السياسي الحالية.
وأشار إلى وجود مبادرات مطروحة، من بينها المبادرة الفنية التي تعمل عليها البعثة الأممية عبر لجنة الحوار المهيكل، والتي ستُعرض توصياتها على اللجنة المصغرة «4+4».
واعتبر أن هذه المبادرة قد تكون الأقرب لوضع الأزمة على مسار يؤدي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام.
وحذر من استمرار الوضع الحالي، مؤكداً أن استمرار الانقسام قد يؤدي إلى فقدان الدولة الليبية لكيانها الحاكم، ويزيد من حالة الفوضى والتشظي والانهيار الاقتصادي.
وأضاف أن الواقع الحالي أصبح يشبه وجود نظام فدرالي غير معلن، وهو أمر يحتاج إلى إطار قانوني ينظم العلاقة بين المؤسسات المختلفة.
المبادرات الدولية بين الإصلاح والحل السياسي
وحول المبادرات الدولية الأخيرة، قال امطيريد إن مبادرة الولايات المتحدة الأمريكية، التي وصفها بمبادرة إصلاحية، قد تكون الأقرب لمعالجة الأزمة الليبية، باعتبارها تستهدف معالجة الاختلالات المرتبطة بالمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية والاختصاصات التي ساهمت في استمرار الانقسام.
وأضاف أن بعض المبادرات الأخرى، ومنها المبادرة الثلاثية، جاءت كرد فعل على التحركات الأممية، لكنها لم تحقق نتائج واضحة أو تأثيراً عملياً حتى الآن.
التدخلات الخارجية كرست الانقسام
وفي تقييمه لدور الأطراف الإقليمية والدولية، قال امطيريد إن هذه الأطراف كانت سبباً رئيسياً في الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية، من خلال تدخلاتها السياسية والأمنية والعسكرية.
وأضاف أن التطورات الأخيرة، خصوصاً الدور الأمريكي، قد تفتح المجال أمام مسار مختلف، خاصة مع وجود مصالح دولية مرتبطة بالطاقة والاستثمار والموقع الاستراتيجي لليبيا.
وأكد أن المرحلة المقبلة قد تشهد تقارباً بين الأطراف الدولية المختلفة، بما فيها تركيا ومصر وفرنسا وإيطاليا، للوصول إلى تفاهمات تخدم مصالحها، وهو ما قد يمثل فرصة أمام الليبيين لتحقيق الاستقرار.
فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات تتسع
وحول ثقة الشارع الليبي في المسار السياسي، أكد امطيريد أن فجوة الثقة تتسع مع مرور الوقت، مشيراً إلى أن المواطن لم يعد يثق بأي مسار سياسي ما لم تظهر نتائج حقيقية على الأرض.
وأوضح أن إعادة الثقة تتطلب إجراء انتخابات، وإعادة المؤسسات إلى دورها الطبيعي، ومعالجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية، مثل التضخم ونقص السيولة وأزمات الوقود.
وأشار إلى أن ضعف المشاركة في انتخابات البلديات الأخيرة يعكس حالة من التراجع في ثقة المواطن، ويكشف ما وصفه بالانهيار المعنوي في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وحول السيناريوهات المتوقعة في حال استمرار تعثر خارطة الطريق الأممية، قال امطيريد إن المرحلة المقبلة قد تشهد دخول المبادرة الأمريكية بشكل أكبر عبر وسطاء دوليين وإقليميين.
وأضاف أنه في حال فشل المسار الدبلوماسي، فقد يتم الاتجاه نحو فرض حلول سياسية جديدة، من خلال تغيير بعض الأجسام التنفيذية أو تشكيل حكومة جديدة ومجلس رئاسي جديد.
وأوضح أن مجلس النواب قد يكون أمام خيار تسمية مجلس رئاسي ورئيس حكومة جديدين، مع احتمال حصول ذلك على قبول دولي، خاصة من الولايات المتحدة وحلفائها.
وختم امطيريد حديثه بالتأكيد على أن ليبيا لا تزال أمام مرحلة حساسة، وأن نجاح أي مسار سياسي مرتبط بوجود توافق داخلي وضمانات دولية حقيقية، بما يسمح بإنهاء الانقسام والانتقال إلى مرحلة الاستقرار وبناء المؤسسات.
المصدر:
عين ليبيا