آخر الأخبار

ما لا يُقال عن أزمة الدينار.. شبكة «عين ليبيا» تكشف حقيقة التشوهات التي تُدار في الخفاء

شارك

بينما تستمر ليبيا في تحقيق إيرادات نفطية كبيرة وتمتلك احتياطيات مهمة من النقد الأجنبي، يبقى المواطن أمام واقع اقتصادي لا يعكس حجم هذه الموارد، وسط أزمات متواصلة في الخدمات، وضغوط على العملة المحلية، وتحديات مرتبطة بالإنفاق العام وإدارة الدولة للثروة. وبين وفرة الموارد واستمرار الأزمات، يبرز سؤال جوهري حول الخلل الحقيقي: هل تعاني ليبيا من نقص الإمكانيات، أم من طريقة إدارة هذه الإمكانيات وتحويلها إلى تنمية مستدامة؟

وقال المحلل الاقتصادي منذر الشحومي، في تصريح لشبكة عين ليبيا، إن الأزمة الاقتصادية في ليبيا هي في جوهرها أزمة مؤسسات وحوكمة وليست أزمة موارد، مؤكداً أن البلاد تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، واحتياطيات مريحة من النقد الأجنبي، إضافة إلى سوق محلية صغيرة نسبياً مقارنة بحجم ثرواتها.

وأوضح الشحومي أن المشكلة لا تكمن في نقص الإمكانيات، وإنما في الطريقة التي صُممت بها المؤسسات الاقتصادية والحوافز التي تحكم عملها، مشيراً إلى أن النظام الاقتصادي الحالي يكافئ الاستهلاك أكثر من الإنتاج، ويكافئ المضاربة أكثر من الاستثمار، ويجعل تحقيق الريع أسهل بكثير من خلق القيمة المضافة.

وأضاف أن هذه الاختلالات تمنع تحول الثروة الطبيعية إلى تنمية مستدامة، وتجعل الاقتصاد يدور في دورة متكررة من الإنفاق والاختلالات، مشدداً على أن المقارنة الصحيحة لا ينبغي أن تكون مع الدول الفقيرة بالموارد، وإنما مع الدول التي امتلكت موارد مشابهة واستطاعت تحويلها إلى ثروة مستدامة.

وأكد أن الفارق بين التجارب الناجحة وغيرها لم يكن في النفط أو حجم الموارد، بل في المؤسسات التي تدير هذه الموارد وكيفية توجيهها.

أزمة الدينار.. تشوهات اقتصادية لا نقص في الدولار

وفيما يتعلق بالضغوط التي يواجهها الدينار الليبي في سوق الصرف، قال الشحومي إن أزمة العملة المحلية ليست أزمة نقص في الدولار، وإنما أزمة حوافز اقتصادية مشوهة.

وأوضح أن تعدد أسعار الصرف، والتوسع المستمر في الإنفاق العام، والدعم غير المستهدف، والتشوهات داخل الجهاز المصرفي، كلها عوامل خلقت اقتصاداً قائماً على المراجحة وتحقيق الأرباح من فروقات الأسعار، بدلاً من النشاط الاقتصادي الحقيقي والإنتاج.

وأشار إلى أن استمرار هذه التشوهات يجعل أي تعديل في سعر الصرف إجراءً مؤقتاً يعالج النتيجة وليس السبب، موضحاً أن تخفيضات سعر الصرف السابقة لم تنه المشكلة، وإنما أعادت إنتاجها بعد فترة قصيرة.

وأكد أن الاستقرار الحقيقي للدينار يبدأ بإزالة الحوافز التي تجعل المضاربة أكثر ربحية من الإنتاج، وربط السياسة النقدية بسياسة مالية منضبطة، وتوحيد السوق بشكل فعلي وليس شكلياً.

لماذا لا يشعر المواطن بعوائد النفط؟

وحول استمرار تدفق إيرادات النفط رغم عدم انعكاسها بشكل واضح على حياة المواطن، أوضح الشحومي أن الإيرادات لا تخلق التنمية تلقائياً.

وقال إن القيمة الحقيقية لا تقاس بعدد البراميل المصدرة، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذه الإيرادات إلى استثمارات منتجة، وبنية تحتية، وتعليم، وصحة، وفرص عمل، وخدمات عامة ذات جودة.

وأشار إلى أن الإيرادات في ليبيا تمر عبر سلسلة من الاختلالات، حيث يتآكل جزء منها بسبب تشوهات سعر الصرف، وجزء بسبب الدعم غير الكفؤ، وجزء آخر بسبب هيكل إنفاق يركز على المصروفات التشغيلية أكثر من الاستثمار.

ولفت إلى أن ارتفاع الإيرادات النفطية لا يعني بالضرورة تحسن مستوى معيشة المواطن، ما لم تتحول هذه الأموال إلى مشاريع تنموية وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

الإنفاق العام.. المشكلة في النوعية لا الحجم

وفي تقييمه لسياسة الإنفاق العام في ليبيا، قال الشحومي إن المشكلة ليست في حجم الإنفاق، وإنما في نوعيته وفي الحوافز التي يخلقها.

وأوضح أن الجزء الأكبر من الإنفاق العام لا يزال يذهب إلى الرواتب والدعم والمصروفات التشغيلية، بينما يبقى الاستثمار في البنية التحتية والاقتصاد الإنتاجي محدوداً.

وأضاف أن الموازنة الليبية ما زالت تقيس حجم الإنفاق أكثر مما تقيس النتائج، مشدداً على ضرورة الانتقال إلى موازنة قائمة على الأداء، بحيث يصبح السؤال: ماذا حقق كل دينار تم إنفاقه؟ وليس فقط كم أنفقنا.

وأكد أهمية إخضاع السياسة المالية لقاعدة واضحة تمنع ربط الإنفاق الجاري بتقلبات أسعار النفط، حتى لا يبقى الاقتصاد الليبي رهينة لدورات السوق النفطية.

الانقسام السياسي.. تكلفة إضافية لا تعالج وحدها الأزمة

وبشأن تأثير الانقسام السياسي والمؤسسي على الاقتصاد الليبي، أكد الشحومي أن هذا الانقسام زاد من تكلفة إدارة الاقتصاد، وأضعف الثقة، وأخر تنفيذ الإصلاحات.

لكنه أشار إلى أن انتهاء الانقسام السياسي وحده لن يكون كافياً لتحقيق النتائج المطلوبة، ما لم تتم إعادة تصميم المؤسسات الاقتصادية للدولة.

وأوضح أن ليبيا تحتاج إلى مؤسسات ذات اختصاصات واضحة، ومساءلة واضحة، واستقلالية مهنية، بعيداً عن تداخل الأدوار الذي يضعف الكفاءة ويعطل اتخاذ القرار.

وأكد أن الإصلاح المؤسسي لا يقل أهمية عن الحل السياسي، لأن المؤسسات القوية هي التي تضمن استدامة أي إصلاح بغض النظر عن تغير الحكومات.

الكهرباء.. أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة تمويل

وفي ملف الكهرباء والخدمات، قال الشحومي إن أزمة الكهرباء في ليبيا هي أزمة هيكلية قبل أن تكون أزمة مالية.

وأوضح أن الدولة أنفقت مليارات الدنانير على القطاع، لكن النتائج لم تكن متناسبة مع حجم الإنفاق، وهو ما يعني أن المشكلة تكمن في طريقة تنظيم القطاع وليس فقط في حجم التمويل.

واقترح إعادة هيكلة الشركة العامة للكهرباء لتصبح شركة وطنية للبنية التحتية، تكون مسؤولة عن إدارة وصيانة وتطوير شبكة النقل الوطنية، بينما تتولى شركات توزيع محلية تعمل على مستوى البلديات أو الأقاليم مسؤولية توزيع الكهرباء، والتحصيل، وخدمة العملاء، وتقليل الفاقد، وتحسين جودة الخدمة.

وأكد أن هذا النموذج يخلق مسؤولية واضحة، ويرفع كفاءة التشغيل، ويقرب الخدمة من المواطن، ويتيح قياس الأداء بصورة شفافة.

وأشار إلى أن المنطق ذاته ينطبق على الإدارة المحلية، موضحاً أن البلديات لا يمكن أن تكون مجرد جهات تنفذ تعليمات الحكومة المركزية، بل يجب أن تمتلك نموذجاً تشغيلياً موحداً على مستوى الدولة، مع صلاحيات تنفيذية ومالية حقيقية، وقدرة قانونية على تحصيل الرسوم والضرائب المحلية لتمويل الخدمات والتنمية المحلية.

وشدد على أن المساءلة لا تتحقق إلا عندما تقترن الصلاحيات بالمسؤولية.

تنويع الاقتصاد.. يبدأ بالمؤسسات وليس باختيار القطاعات

وحول قدرة الاقتصاد الليبي على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، قال الشحومي إنه لا يؤمن بأن التنويع يبدأ باختيار قطاعات جديدة، بل ببناء المؤسسات والقوانين التي تسمح لهذه القطاعات بالنمو.

وأوضح أن الحديث عن المناطق الحرة موجود بكثرة، لكن المشكلة أنها أُنشئت دون رؤية وطنية موحدة ودون إطار قانوني وتنظيمي يجعلها مناطق اقتصادية خاصة بالمعنى الحقيقي.

وبيّن أن المنطقة الاقتصادية الخاصة تحتاج إلى منظومة قانونية متكاملة تشمل سجلاً تجارياً خاصاً، وإجراءات مستقلة لتأسيس الشركات، وإطاراً لترخيص المؤسسات المالية والمصرفية، وآليات واضحة لتحويل الأموال من وإلى المنطقة، ونظاماً جمركياً وضريبياً تنافسياً، ومنظومة فعالة لتسوية المنازعات، وإدارة مستقلة ذات حوكمة حديثة.

وأضاف أن الصناعات البتروكيماوية، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، والتعدين، والزراعة الحديثة، كلها قطاعات يمكن أن تسهم في التنويع الاقتصادي، لكنها تحتاج أولاً إلى بيئة قانونية وتنظيمية تسمح لرأس المال بالاستثمار بثقة.

وأكد أن التنويع الاقتصادي ليس قراراً حكومياً فقط، وإنما نتيجة طبيعية لبناء مؤسسات وأسواق تعمل بكفاءة.

إصلاحات عاجلة لإنقاذ الاقتصاد ودعم المواطن

وفي ختام حديثه، أكد الشحومي أن الإصلاح الاقتصادي في ليبيا يجب أن يكون شاملاً، لأن المشكلات الاقتصادية مترابطة ولا يمكن معالجة ملف بمعزل عن الآخر.

وحدد عدداً من الإصلاحات العاجلة، تبدأ بفرض انضباط مالي حقيقي وربط الإنفاق العام بإطار مالي مستدام، مع إعادة هيكلة الموازنة لتصبح أداة للنمو والاستثمار وليس للاستهلاك فقط.

كما شدد على ضرورة إصلاح منظومة الدعم بشكل فوري وليس تدريجياً، موضحاً أن الإصلاح التدريجي يبقي التشوهات والحوافز التي يقوم عليها التهريب والفساد.

وأكد أن نجاح إصلاح الدعم مشروط بتحرير سوق شراء وبيع المحروقات، بحيث تنتقل الدولة من دور التاجر إلى دور المنظم والرقابي، بينما يتولى القطاع الخاص عمليات الاستيراد والتوزيع ضمن سوق تنافسية خاضعة للرقابة.

ودعا إلى إصلاح سوق الصرف من خلال إزالة التشوهات التي تسمح بالمراجحة، وتوحيد سعر الصرف الفعلي، وربط السياسة النقدية بالسياسة المالية، وتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي.

وشدد على أهمية تحديث نموذج حوكمة قطاع النفط، بحيث يصبح التركيز على تعظيم القيمة الاقتصادية لكل برميل وليس فقط زيادة الإنتاج، مع الفصل الواضح بين رسم السياسات والتنظيم والتشغيل التجاري وفق أفضل الممارسات الدولية.

كما دعا إلى إطلاق إصلاح مؤسسي شامل للإدارة المحلية وإعادة هيكلة القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء، بحيث تنتقل الخدمات التي يمكن إدارتها محلياً إلى مؤسسات محلية تتمتع بالاستقلالية والمساءلة، بينما تحتفظ الدولة بإدارة الأصول الاستراتيجية ووضع السياسات الوطنية.

وأكد ضرورة استكمال الإطار التشريعي والمؤسسي للاقتصاد الحديث، بما يشمل المناطق الاقتصادية الخاصة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتمويل طويل الأجل، وأسواق رأس المال، والهوية الرقمية، والتجارة الإلكترونية.

واختتم الشحومي بالتأكيد على أن الاقتصاد لا ينمو بالتمويل وحده، وإنما بالمؤسسات التي تمنح المستثمر الثقة والاستقرار.

آخر تحديث: 15 يوليو 2026 - 09:56
عين ليبيا المصدر: عين ليبيا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا