لم تعد قوافل التجارة العابرة للحدود بين لييبا ودول جوارها، السودان وتشاد والنيجر، بمنأى عن تداعيات الحرب الأهلية وعدم الاستقرار؛ إذ تواجه مخاطر متزايدة تهدد حركة الإمدادات والتبادل التجاري بينها.
لعل آخرها ما تعرضت له قافلة تجارية في السودان كانت قادمة من ليبيا محملة بالمواد الغذائية، في تطور يسلط الضوء على هشاشة النشاط التجاري في المناطق الحدودية المضطربة، ذلك الحادث الذي ألقت قوات الدعم السريع بمسؤولية استهدافه على الطيران المسيَّر التابع للجيش السوداني.
إذ دانت ما تُسمى بـ«حكومة السلام»، التي يرأس مجلسها الرئاسي قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» في بيان، الإثنين، استهداف القافلة القادمة من ليبيا عبر طريق الصحراء، وكانت تنقل مواد غذائية وسلعًا أساسية مملوكة لمواطنين سودانيين، بالطيران المسيّر، متهمةً الجيش بالوقوف وراء الهجوم.
وأضافت أن الحادث أسفر عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، وأثار مخاوف بالغة بشأن سلامة المدنيين وحرية حركة التجارة والإمدادات الأساسية.
وما حدث يوم الإثنين يظهر الخطر الذي يهدد قوافل التجارة؛ إذ شهدت المنطقة الحدودية بين ليبيا والسودان وتشاد والنيجر تحولات أمنية واقتصادية واسعة، مدفوعة بتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، ومسارات التجارة غير الرسمية في الصحراء.
وفي حين شكلت المناطق الحدودية، خلال العقود الماضية، فضاءً للتجارة وحركة البضائع والأشخاص، أعادت التوترات في السودان وتشاد والنيجر تشكيل التحالفات الإقليمية، بما غيّر موازين القوى ومسارات التجارة والتهريب.
- «حكومة الوحدة» توقع مذكرة تفاهم للتعاون العسكري مع النيجر
- تحولات أمنية وتجارية تُعيد رسم المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والنيجر
إحصاءات التجارة التشادية
وحسب إحصاءات التجارة التشادية للعام 2025، كشفت البيانات عن قدرة هذه الدول على الصمود، إذ تحتل ليبيا المرتبة الثالثة بين موردي تشاد، وتمثل وارداتها خلال العام 2025 نحو 8.6% من إجمالي الواردات، وهو رقم لافت بالنسبة لبلد يفتقر إلى حكومة موحدة منذ سقوط القذافي العام 2011.
ويكشف هذا الواقع عن حقيقة جوهرية تتعلق بطبيعة التجارة الأفريقية العابرة للحدود، فهي لا تتوقف خلال الأزمات، بل تتكيف، وتعيد تنظيم نفسها، وتستخدم قنوات غير رسمية، وتتجاوز العقبات، فيما يستمر تداول الأفراد والسلع حتى في ظل اختلال وظائف الدول.
وبالتزامن، كشف تقرير لمجلة «أفريك 21» الفرنسية عن تعزيز قوات القيادة العامة سيطرتها على الجنوب الليبي خلال الفترة الأخيرة، حيث جرى استبدال نقاط التفتيش غير الرسمية التي كانت تديرها جماعات متمردة.
ونقل الموقع الفرنسي عن عناصر متمردة سابقة أن جماعات تشادية ونيجرية كانت تدير، في السابق، نقاط عبور على الطرق الصحراوية، وتفرض رسومًا على شاحنات نقل الوقود والبضائع لتمويل أنشطتها المسلحة.
لكن هذه النقاط جرى تفكيكها تدريجيًا لصالح نقاط تفتيش رسمية تابعة لقوات القيادة العامة، لا سيما على الطرق الرابطة بين سبها والقطرون والحدود التشادية.
وأوضح التقرير أن السلطات التابعة لبنغازي أوقفت كذلك تصدير الوقود بصورة غير رسمية إلى الدول المجاورة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود في شمال تشاد والنيجر.
تشكيل قوة مشتركة
وإلى جانب تشديد الرقابة على الحدود من الجانب الليبي، أشار الموقع إلى تشكيل قوة مشتركة بين قوات «القيادة العامة» والجيش التشادي لضبط الحدود بين البلدين، حيث جرى تنصيب قائدها نهاية فبراير الماضي، كما خصصت القيادة العامة 22 مركبة لهذه القوة المشتركة، على أن يقدم الجانب التشادي الدعم اللوجستي.
وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى محاولات لتبني ما وصفه تجار ومسؤولون على الجانب التشادي بـ«سياسة ذكية» لتشجيع القنوات الرسمية للتجارة بين ليبيا وتشاد والنيجر.
وفي هذا السياق، جرت مفاوضات بين سلطات الجمارك التشادية ونقابات التجار الليبية والتشادية في معبر كوري بوغودي الحدودي، وهو المعبر التجاري الرئيسي بين شمال غرب تشاد وليبيا، بهدف وضع سياسة تشجع التجارة الرسمية وتحد من التهريب.
وتعد تجارة السجائر مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ يقول مسؤول جمركي سابق في تشاد: «في منتصف العام 2025، اتفقنا على تخفيض الرسوم الجمركية على كل شحنة سجائر، وتختلف هذه الرسوم بحسب الشحنة، وقبل ذلك، كان التجار يفضلون التهريب على التصريح عن البضائع لدى الجمارك، ومع هذا النظام أصبح الجميع رابحًا؛ فلم يعودوا بحاجة إلى سلوك طرق ملتوية، بينما باتت الدولة تجني عائدات الضرائب».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة