حلقة أخرى من مسلسل الصراع السياسي وثيق الصلة بإشكالية التكليف للمناصب العليا، أو السيادية، تعلقت هذه المرة بحقيبة رئيس جهاز المخابرات الليبية، وبينت هشاشة التحالفات الحالية، وصعوبة الوصول إلى توافق مستدام حول هذه المناصب.
فبعد أقل من أسبوعين على إعلان المجلس الرئاسي ومجلس النواب والأعلى للدولة، في بيان مشترك، اعتماد وثيقة مبادئ لخريطة طريق سياسية تقود إلى إجراء الانتخابات في موعد أقصاه فبراير 2027، كشفت عملية اختيار شاغلي عدد من الوظائف الأمنية والعسكرية العليا عن عمق أزمة الانقسام الحاد على مستوى رؤوس المؤسسات الرسمية.
وحسب القواعد المنصوص عليها في الاتفاق السياسي بجنيف، لا يمكن تعيين رئيس جهاز المخابرات إلا بقرار من المجلس الرئاسي مجتمعًا، مشروطًا أيضًا بموافقة رئيس مجلس النواب، لكن دائمًا يحدث هذا الخلاف حول الصلاحيات. وقد تفجرت أزمة جديدة مع إعلان المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي اعتماد قرار يقضي بتعيين عبدالمجيد إبراهيم مليقطة رئيسًا جديدًا لجهاز المخابرات العامة، مشيرًا إلى أن «القرار صدر بالإجماع خلال اجتماع رسمي للمجلس»، وأنه يأتي في إطار ممارسة المجلس لاختصاصاته السيادية.
الكوني وعقيلة يرفضان قرار تعيين مليقطة لرئاسة المخابرات
وفور إعلان القرار، قوبل برفض من عضو المجلس موسى الكوني، الذي صرح إلى موقع «جيوبولوتيكل دسك» بأنه شارك جزئيًا في اجتماع الرئاسي عبر تقنية الاتصال المرئي، وكان رأيه هو: إذا جرى عزل الرئيس الحالي لجهاز المخابرات حسين العائب، فيجب على المجلس الرئاسي الإشراف على الجهاز من خلال ضابط مخابرات محترف يجرى اختياره حسب الأقدمية، إلى حين اختيار مرشح توافقي، لافتًا إلى أن الاجتماع انتهى بمشادة كلامية حادة، أعلن بعدها المنفي قرار التعيين.
وشدد الكوني على أن القرارات المتعلقة بالمؤسسات السيادية لا يمكن أن تكون محل إجراء منفرد، أو أن تصدر خارج إطار التوافق المنصوص عليه في الاتفاق السياسي.
واصطدم قرار المنفي برفض رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، الذي وجه خطابًا إلى رؤساء ومديري أجهزة المخابرات في «الدول الشقيقة والصديقة»، أكد فيه أن تعيين أو إعفاء رئيس جهاز المخابرات الليبية «لا يكون نافذًا إلا بعد عرضه على مجلس النواب واعتماده في جلسة رسمية مكتملة النصاب». ولا يخفي متابعون للشأن الليبي الإشارة إلى أن العائب هو شخصية محسوبة على رئيس مجلس النواب، بينما يحسب مليقطة على «الرئاسي».
الدبيبة مستعد لدعم القرار
ليس بعيدًا عن ذلك، كان هناك تقارب في المواقف بين المنفي، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة، ورئيس مجلس الدولة محمد تكالة، على الرغم من انفراط عقد التوافق الثلاثي الذي ظهر مع خروج ما سمي بخطة مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس إلى العلن.
- للاطلاع على العدد «554» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
فأبدى الدبيبة، الذي يزور دولة الإمارات العربية المتحدة، استعداده لدعم جهاز المخابرات لدى استقباله مليقطة، فيما استقبل محمد تكالة، الأربعاء، مليقطة بمقر المجلس في العاصمة طرابلس، وجرى التركيز على الملفات المرتبطة بالأمن القومي الليبي، وبحث آليات تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة بهدف دعم الاستقرار العام، حسب بيان مجلس الدولة.
ظهور لافت للنمروش وخالد حفتر
على جانب آخر من المشهد الليبي، وبالتزامن مع استمرار الحديث محليًا ودوليًا وإقليميًا بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، ظهر رئيس الأركان المكلف في «حكومة الوحدة الموقتة» صلاح النمروش بجانب رئيس الأركان بـ«القيادة العامة»، خالد حفتر، في صورة لافتة الثلاثاء الماضي، خلال حضورهما مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة بالعاصمة الأنغولية لواندا.
وعلق محمد المنفي لاحقًا عبر حسابه بمنصة «إكس»، قائلًا إن تعدد التمثيل العسكري الليبي في المحافل الدولية يفرض مسؤولية وطنية تستوجب الإسراع في توحيد المؤسسة العسكرية، مشيرًا إلى أن الوقت قد حان لاتخاذ القرارات اللازمة لإنجاز هذا الاستحقاق، وأن اللقاء الذي جمع ممثلين عن المؤسسة العسكرية الليبية لن يكون الأخير.
وشدد رئيس المجلس الرئاسي على ضرورة توحيد الجيش الوطني ضمن قيادة مشتركة مهنية ومحايدة، تعمل تحت سلطة مدنية، وتؤسس لمؤسسة عسكرية تنأى بنفسها عن العمل السياسي، وتقتصر مهامها على حماية الحدود، وصون مقدرات الدولة، ومكافحة التهريب، وحماية المرجعيات الدستورية، وترسيخ النظام الديمقراطي وسيادة الدولة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المجلس الرئاسي مجتمعًا هو القائد الأعلى للجيش.
الملف العسكري يطير إلى واشنطن
في السياق، طار الملف العسكري إلى واشنطن، التي استقبلت كلًا من وكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالسلام الزوبي، ونائب القائد العام للجيش التابع لـ«القيادة العامة» الفريق صدام حفتر. فالتقى الأخير وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومستشار الرئيس دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، والقائم بالأعمال الأميركي في طرابلس، جيرمي برنت. ووفق تصريحات الجانب الأميركي، فقد جرى خلال اللقاءات بحث مشروع توحيد المؤسسة العسكرية، في سياق العمل على توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية.
من جانبه، أجرى الزوبي مباحثات مع بولس والمدير الأول لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا بمجلس الأمن القومي، واين وول، حول مواصلة دعم توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتعزيز التعاون الأمني، والبناء على التقدم نحو توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية في ليبيا.
ولأن هذا الحراك يأتي مرتبطًا بتوجهات ما يوصف بخطة بولس، دافع الأخير عن خطته مؤكدًا أنها دخلت مراحلها الأخيرة، وأن واشنطن ستجمع الأطراف الليبية للتوقيع على اتفاق نهائي برعاية الرئيس ترامب بمجرد استكمال التوافقات.
وعلى الرغم من جو التفاؤل الذي لا يخفيه المبعوث الأميركي، فإن الخطة التي يطرحها مهددة بعراقيل على الأرض، أولها مسألة إقناع المعارضين لها بهذا الطرح، خصوصًا أنها ارتبطت إعلاميًا بشخصيات جدلية ستكون محور تقاسم السلطة المفترضة في الخطة، ولن تحظى، كما يبدو، بإجماع أطراف المنطقة الغربية من البلاد، كما أن الخطة لا تزال حتى الآن مطروحة كرؤوس أقلام بغرض النقاش، يشوبها الغموض، ولم يُعلن عنها مكتملة رسميًا، أو تتبنَّها الحكومة الأميركية عبر وزارة خارجيتها، أو البيت الأبيض نفسه.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة