حذر الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا «تشاتام هاوس»، تيم إيتون، من أن أي دعم أميركي لترتيب سياسي يقوم على تقاسم السلطة بين عائلتي حفتر والدبيبة قد يؤدي إلى ترسيخ ما وصفه بـ«حكم العائلة» في ليبيا، بدلًا من إنهاء الانقسام السياسي وإطلاق عملية انتقال ديمقراطي.
وفي مقال نشرته مجلة « فورين بوليسي »، اعتبر إيتون أن المسار الذي تعمل عليه واشنطن لتوحيد المؤسسات الليبية قد يمنح شرعية أكبر للعائلتين اللتين تهيمنان على المشهد في شرق البلاد وغربها، محذرًا من أن ذلك قد يقود إلى صراع جديد بدلًا من تحقيق الاستقرار.
لقاء صدام حفتر في واشنطن
وأشار الكاتب إلى أن لقاء صدام حفتر، نجل قائد قوات «القيادة العامة» خليفة حفتر، مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، يمثل مؤشرًا مهمًا على انخراط الولايات المتحدة في جهود إعادة ترتيب المشهد الليبي.
وأوضح أن البيان الأميركي تحدث عن مناقشة توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية، بينما أكد كبير مستشاري الولايات المتحدة لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، أن الخطة الأميركية تستهدف تشكيل حكومة موحدة وتوحيد مؤسسات الدولة، إلا أن الباحث يرى أن النتيجة العملية لهذا المسار ستكون منح الشرعية لسيطرة عائلتي حفتر والدبيبة على السلطة.
صفقة تقاسم السلطة
وبحسب المقال، فإن الاتفاق المطروح يقضي ببقاء رئاسة الحكومة في يد عائلة الدبيبة، مقابل تولي عائلة حفتر قيادة المجلس الرئاسي، مع إسناد عضوية المجلس الرئاسي المكون من ثلاثة أشخاص إلى عضو من غرب البلاد وآخر من الجنوب.
ويرى إيتون أن هذا الترتيب سيعزز قبضة العائلتين على مؤسسات الدولة، باعتبارهما صاحبتي النفوذ الحقيقي داخل السلطة التنفيذية، مشيرًا إلى أن تقديم الاتفاق باعتباره مرحلة انتقالية تمهد للانتخابات يبدو غير مقنع، لأن الطرفين يمتلكان مصلحة مباشرة في تحويل هذا الوضع إلى ترتيب دائم.
وحذّر الباحث من أن إضفاء الشرعية على هذا النموذج سيقضي عمليًا على فرص الانتقال السياسي، ويؤدي إلى تكريس الانقسام بدلًا من تجاوزه، معتبرًا أن كثيرًا من الليبيين ينظرون إلى المبادرة الأميركية باعتبارها عودة إلى نظام الحكم العائلي الذي ثاروا ضده العام 2011. وأضاف أن أحد قادة المؤسسات الليبية وصف مثل هذا الاتفاق بأنه سيكون «نهاية الآمال الديمقراطية لليبيا».
طموحات صدام حفتر
ويرى إيتون أن تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي سيمنحه، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، منصة لتوسيع نفوذ قواته نحو غرب ليبيا. وأشار إلى أن سجل خليفة حفتر ونجله لا يقدم، بحسب رأيه، مؤشرات على وجود استعداد حقيقي لتقاسم السلطة، مرجحًا أن ينظر صدام إلى أي اتفاق سياسي باعتباره نقطة انطلاق لتعزيز السيطرة الكاملة على الدولة.
- جريدة إيطالية: لقاء صدام - روبيو في واشنطن يؤجل الاتفاق على المبادرة الأميركية
- بحضور بولس.. روبيو يستقبل صدام حفتر بمقر الخارجية الأميركي في واشنطن
- بولس: بحثت مع بلقاسم حفتر توحيد المؤسسات الاقتصادية الليبية وفرص الاستثمار الأميركي
- خبراء يشرحون لـ«قناة الوسط»: هل تقود المبادرة الأميركية الأطراف الليبية نحو التوافق السياسي؟
- معهد إيطالي: مبادرات متنافسة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا وسط شكوك بشأن فرص نجاحها
الدبيبة وتمركز السلطة
في المقابل، قال الباحث إن عائلة الدبيبة عملت منذ العام 2021 على تركيز السلطة داخل مكتب رئيس الوزراء، موضحًا أن إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي وابن شقيق رئيس الحكومة، أشرف على توسيع نفوذ المكتب ليشمل عشرات المؤسسات الحكومية التي تدير موارد مالية كبيرة (94 مؤسسة في آخر إحصاء)، وفق الكاتب.
وأضاف أن احتفاظ الدبيبة برئاسة الحكومة يمثل مكسبًا مهمًا، لكنه لن يكون كافيًا لضمان استمرار نفوذه، في ظل غياب ضمانات تحول دون تمدد نفوذ عائلة حفتر. ويضيف الكاتب طبقة أخرى من التعقيد، وهي أن عائلة الدبيبة تنحدر من مصراتة، المدينة القوية في غرب ليبيا التي تبنت موقفًا شديد العداء لحفتر، وفق قوله.
اتفاق الميزانية.. إنجاز مهدد
ورأى الكاتب أن الاتفاق على ميزانية موحدة بقيمة 30.1 مليار دولار، الذي جرى بوساطة أميركية، يمثل أهم اختراق سياسي منذ سنوات، باعتباره أول ميزانية موحدة منذ العام 2014.
لكنه أوضح أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ بصورة كاملة حتى الآن، وأن نجاحه يتطلب خفض الإنفاق الحكومي بنحو 40% مقارنة بمستويات العام 2024، وهو ما يفرض تحديات كبيرة أمام الأطراف الليبية.
كما أشار إلى أن توسع آليات مقايضة النفط والوقود خارج القنوات التقليدية أدى، وفق تحليله، إلى تضخم الإنفاق الحكومي من 18.5 مليار دولار في العام 2021 إلى أكثر من 50 مليار دولار في العام 2024، بما سمح بتحويلات مالية ضخمة خارج آليات الرقابة التقليدية.
النفط والاستثمارات الأميركية
واعتبر إيتون أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى ليبيا أيضًا من زاوية المصالح الاقتصادية، لا سيما في قطاع النفط، مشيرًا إلى أن مسعد بولس تحدث عن فرص واسعة أمام الشركات الأميركية، وساهم في تسهيل عودة شركة «شيفرون» إلى السوق الليبية.
لكنه شدد على أن جذب الاستثمارات الأميركية طويلة الأجل يتطلب أولًا إصلاح منظومة الحوكمة الاقتصادية، وضمان شفافية إدارة الإيرادات العامة، خصوصًا إذا أرادت الشركات الأميركية الدخول في عقود طويلة الأجل وضخ استثمارات كبيرة.
ودعا الباحث الإدارة الأميركية إلى استثمار نفوذها في تنفيذ اتفاق الميزانية بدلًا من التسرع في تشكيل حكومة جديدة، مقترحًا استخدام أدوات ضغط تشمل تقييد الوصول إلى الدولار وفرض عقوبات فردية على المسؤولين الذين يعرقلون تنفيذ الاتفاق.
واعتبر أن تشديد الرقابة على الإنفاق العام سيحد من توسع نفوذ العائلتين داخل مؤسسات الدولة، ويمنح الولايات المتحدة موقعًا تفاوضيًا أقوى في أي عملية سياسية لاحقة.
تحذير من تكرار تجارب سابقة
وفي ختام مقاله، دعا إيتون واشنطن إلى الاستفادة من تجاربها السابقة في دعم شخصيات بعينها داخل الدول التي شهدت نزاعات، مشيرًا إلى تجربتي الرئيس الأفغاني السابق حامد قرضاي ورئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، اللتين اعتبرهما مثالين على فشل الرهان على الأفراد بدلًا من بناء المؤسسات.
وخلص الباحث إلى أن نجاح أي مسار سياسي في ليبيا يتطلب تعزيز المؤسسات، وإعادة الانضباط المالي، واستخدام مزيج الحوافز والضغوط لدفع الأطراف الليبية إلى الالتزام بالإصلاحات، محذرًا من أن أي اتفاق يمنح شرعية لـ«حكم العائلة» قد ينقل الصراع إلى داخل مؤسسات الدولة بدلًا من إنهائه، ويبدد ما تبقى من فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة