طالب رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، مجلس الأمن الدولي بالنظر في التظلمات المقدمة من مواطنين ومؤسسات ليبية بشأن التقرير الأخير الصادر عن فريق الخبراء المعني بليبيا، معتبرًا أن بعض الوقائع والاستنتاجات الواردة فيه «محل نزاع جوهري أو تفتقر إلى الأدلة القاطعة التي تبرر تبنيها ضمن استنتاجات نهائية يمكن البناء عليها»، الأمر الذي يثير «تساؤلات حول مدى التزام الفريق بمعايير التدقيق والتحقق والحياد والاستقلالية».
وأوضح حماد أن الحكومة المكلفة تلقت التظلمات من مواطنين ومؤسسات وردت أسماؤهم أو أُشير إليهم ضمن الوقائع والاستنتاجات الواردة في التقرير رقم «224/2026/5»، والمؤرخ في 24 مارس الماضي، وذلك حسب الكتاب الذي وجِّه إلى مجلس الأمن أمس الثلاثاء واطلعت عليه «بوابة الوسط».
اتهامات تقرير الخبراء
وقال تقرير الخبراء إن قرار حظر التسليح في ليبيا فقد تأثيره الجوهري في كثير من الحالات، وأصبح «رمزيًا»، حيث «انتهكت الأطراف الليبية وعديد من دول الأعضاء في الأمم المتحدة القرارات الأممية»، مشيرًا إلى أن «الطرفين في الشرق والغرب أبرما اتفاقية ثنائية لشراء أسلحة ذات منفعة متبادلة، بمبادرة من رجال أعمال ليبيين مقيمين في الإمارات، جرى التفاوض عليها من قبل ممثلين رفيعي المستوى في (حكومة الوحدة الوطنية الموقتة) و(القيادة العامة) برعاية إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر».
واتهم التقرير أيضًا جهاز الأمن الداخلي وبعض الجهات الأمنية باحتجاز عدد من النشطاء تعسفيًا، كما وجه انتقادات حول تعامل الجهات الأمنية في طرابلس وبنغازي مع ملف الحريات، كما عرج على ملف تهريب الوقود والنفط، مشيرًا إلى تسجيل مستويات غير مسبوقة خلال الفترة التي شملها التقرير، وتحدث عن «تورط مباشر لكل من إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر، اللذين وفرا مظلة من الحصانة لمجموعة من الأفراد أفقدت المؤسسة الوطنية للنفط قدرتها على حماية مصالح الدولة الليبية».
توجيه التظلمات إلى النائب العام
وفي كتابه، أشار حماد إلى أنه جرى توجيه المتضررين لتقديم تظلماتهم إلى الجهات المختصة، وفي مقدمتها مكتب النائب العام، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، مرفقة بمستندات ووثائق رسمية يرى مقدموها أنها تستوجب إعادة النظر في بعض الوقائع والاستنتاجات الواردة بالتقرير والتحقق منها بصورة جادة ومسؤولة وأكثر تفصيلاً.
وأكد احترام دور مجلس الأمن وآليات الأمم المتحدة المختلفة في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز سيادة القانون، مشددًا في الوقت ذاته على أن «من واجب الحكومة، بحكم مسؤولياتها الوطنية، متابعة كل ما من شأنه التأثير في حقوق المواطنين والمؤسسات الليبية أو الانعكاس على حالة الاستقرار داخل البلاد».
بعض التظلمات تضمنت دفوعًا ومستندات
وأضاف رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أن بعض التظلمات المقدمة تضمنت دفوعًا ومستندات ووثائق ترى الجهات والأفراد مقدموها أنها قد تؤثر في تقييم بعض الوقائع أو تفسيرها، الأمر الذي يجعل مقتضيات العدالة والشفافية والموضوعية تستوجب إتاحة الفرصة للنظر في هذه التظلمات والتحقق من مضمونها وفق الأطر والإجراءات المناسبة.
ولفت إلى أن «ما يثير القلق» بصورة أكبر هو أن بعض الوقائع التي عرضها التقرير باعتبارها حقائق ثابتة «اتضح، وفق المستندات المقدمة، أنها محل نزاع جوهري أو تفتقر إلى الأدلة القاطعة التي تبرر اعتمادها ضمن استنتاجات نهائية، وهو ما يطرح - بحسب الكتاب - تساؤلات مشروعة حول مدى التزام فريق الخبراء بمعايير التدقيق والتحقق والحياد والاستقلالية التي يفترض أن تشكل الأساس الناظم لعمله».
ورأى أن ما ورد في التقرير تترتب عليه آثار قانونية وسياسية ومعنوية بحق أفراد ومؤسسات دون أن تكون الوقائع المنسوبة إليهم قد خضعت للمراجعة الموضوعية الكافية أو استندت إلى أدلة قاطعة يمكن التحقق منها وفق المعايير الدولية المتعارف عليها.
- فريق الخبراء الأممي: الأطراف الليبية و5 دول انتهكت حظر تصدير الأسلحة
- ماذا قالت لجنة الخبراء الأممية عن المجموعات المسلحة وحظر الأسلحة والانتخابات البلدية وتهريب النفط والوقود؟
- مؤسسة النفط: «تقرير الخبراء» تضمن قصورا في عرض بيانات القطاع
ومن هذا المنطلق، اعتبرت الحكومة المكلفة أن التقرير بصيغته الحالية «يثير شكوكًا جدية بشأن سلامة منهجيته ومهنية بعض مخرجاته، الأمر الذي يستوجب إجراء مراجعة مستقلة ومحايدة للتأكد من مدى التزام فريق الخبراء بالضوابط المهنية والإجرائية المقررة لعمل لجان الخبراء التابعة للأمم المتحدة»، وفق الكتاب.
كما حذرت من أن «استمرار الاعتماد على استنتاجات محل اعتراض قانوني وجدي من قبل المتضررين قد يلحق الضرر بسمعة مواطنين ليبيين ومؤسسات وطنية، بما قد ينعكس سلبًا على فرص الاستثمار والتنمية الاقتصادية والاستقرار المالي في ليبيا، وهو ما يتعارض مع الأهداف التي تسعى الأمم المتحدة إلى دعمها داخل البلاد».
مراجعة تقرير الخبراء
وفي هذا السياق، طالب حماد مجلس الأمن استكمال التحقق والمراجعة الفنية للمعلومات والاستنتاجات الواردة في التقرير، في ضوء الملاحظات والتظلمات المقدمة، بما يكفل تعزيز دقة الوقائع الواردة فيه واستيفاءها لمعايير التوثيق والتحقق المعتمدة لدى الأمم المتحدة.
كما دعا إلى دراسة مدى الحاجة لإجراء مراجعة فنية أو إجرائية للوقائع محل الاعتراض من خلال تشكيل لجان فنية متخصصة للتحقق من المعلومات ذات الصلة وفق المعايير المعمول بها داخل منظومة الأمم المتحدة، على أن تشمل هذه المراجعة الإحاطة بالتظلمات والوثائق المقدمة من الأشخاص والجهات الوارد ذكرها في التقرير، وما تتضمنه من وقائع ومستندات ترى تلك الجهات أنها تستحق المراجعة والتقييم.
ونبه إلى أهمية «إجراء مراجعة مستقلة للتقرير والتحقق من سلامة مصادر المعلومات التي اعتمد عليها ومدى خضوعها لمعايير التحقق والتدقيق المعتمدة دوليًا، إلى جانب تقييم أداء فريق الخبراء المعني بليبيا والتحقق من مدى التزامه بمبادئ الحياد والاستقلالية والنزاهة المهنية، وضمان عدم تأثر أعماله بأي معلومات غير موثوقة أو مصادر ذات دوافع سياسية أو شخصية».
كما شدد على «ضرورة تمكين جميع المتضررين ممن وردت أسماؤهم وصفاتهم في التقرير من ممارسة حقهم في الرد وتقديم الأدلة والوثائق المؤيدة لمواقفهم، وإدراج تلك الردود ضمن السجلات الرسمية ذات الصلة».
دعوة للتواصل مع المتضررين
ودعا الكتاب فريق الخبراء المعني بليبيا إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع الأشخاص والجهات المتضررة من التقرير، ودراسة التظلمات والوثائق المقدمة منهم بصورة موضوعية، وإدراج أي تصحيحات جوهرية في التقارير اللاحقة أو في ملحق رسمي يصدر لهذا الغرض.
وطلب أيضًا «عدم الاستناد إلى الاستنتاجات محل الاعتراض الواردة في التقرير لاتخاذ أي إجراء أو توصيات أو تدابير دولية بحق الأشخاص أو المؤسسات المعنيين إلى حين استكمال عملية المراجعة والتحقق المستقلة».
وأكد في الختام التزامه الكامل بالتعاون مع مجلس الأمن والمجتمع الدولي، معتبرًا أن ترسيخ الأمن والسلم المجتمعيين لا ينفصل عن صون الحقوق القانونية للأفراد والمؤسسات، وأن تعزيز الثقة في المؤسسات الدولية والوطنية يظل مرهونًا بالالتزام الدائم بمبادئ العدالة والموضوعية والشفافية، الأمر الذي يقتضي التصدي لأي قصور مهني أو منهجي قد يشوب أعمال اللجان والخبراء التابعين للأمم المتحدة.
وجدد احترامه لمجلس الأمن، معربًا عن أمله في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لضمان مراجعة التقرير على نحو يرسخ الثقة في آليات الأمم المتحدة ويحفظ حقوق المواطنين الليبيين ومؤسسات الدولة، وأكد أن طلبه لا يستهدف الانتقاص من دور الأمم المتحدة أو آلياتها، وإنما يهدف إلى تكامل الأدوار الوطنية والدولية بما يعزز مصداقيتها ويضمن التزامها بأعلى معايير الحياد والنزاهة والشفافية.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة