تحدث الخبير النفطي محمد الشحاتي عن عودة مجمع راس لانوف النفطي إلى الإدارة الليبية الكاملة إثر توقيع الاتفاق الذي أنهى الشراكة الإماراتية، طارحًا سؤالاً بشأن ما ستضيفه المصفاة للصناعة النفطية والاقتصاد الوطني في حال تشغيلها من الناحية الحسابية والكمية.
وقال الشحاتي، في مقال عبر صفحته على «فيسبوك» بعنوان «التكرير في ليبيا.. تطبيق على مصفاة راس لانوف ومصفاة الزاوية»، إنه اعتمد في دراسته على منهج مقارن مع مصفاة الزاوية، مستندا إلى معدل أسعار خام برنت وأسعار المحروقات لعام 2025 لأغراض القياس المحاسبي، مع الأخذ في الاعتبار جودة خام الشرارة كمصدر تغذية لمصفاة الزاوية، ومزيج خامي مسلة والسرير كمصدر تغذية لمصفاة راس لانوف، بالإضافة إلى الطاقة التصميمية لكلتا المصفاتين، وأثرها على توزيع المنتجات والعائد الصافي للتكرير مقاسا بالدولار للبرميل.
أرباح محدودة لمصفاة الزاوية
وأضاف الخبير النفطي أن الدراسة تضمنت خمسة محاور رئيسية، شملت التوزيع المئوي للمحروقات الخارجة من كل مصفاة وفقا لمصدر تغذيتها من الخام، وأسعار المنتجات النفطية مقابل سعر خام برنت لعام 2025، بالإضافة إلى احتساب هامش الربح المتوقع من عمليات التكرير بعد خصم تكاليف التكرير والتشغيل مقارنة بسعر السوق لمصادر الخام، فضلا عن تقدير الربح أو الخسارة السنوية المتوقعة، وكذلك الدخل النقدي المتوقع للإيرادات النفطية الشهرية.
ووفقا لما أورده الشحاتي، فإن «النتيجة الأولى» أظهرت أن مصفاة الزاوية حققت خلال عام 2025 هامش ربح يقدر بـ0.32 دولار للبرميل. وبافتراض تشغيلها المتواصل 100% من الطاقة التصميمية، البالغة 120 ألف برميل يوميا، فإن ذلك يقود إلى ربح سنوي يقدر بنحو 14 مليون دولار.
وأشار إلى أن أسعار المحروقات جرى احتسابها بالسعر العالمي، ما يعني أن الدولة مطالبة بدفع الفرق بين السعر المحلي والعالمي في صورة دعم نقدي، لافتا إلى أن هذا الأمر «لا يحدث محاسبيا اليوم».
- سليمان: استئناف تشغيل مصفاة رأس لانوف في غضون 6 أشهر إلى سنة
- أبوشيحة: عودة رأس لانوف للإدارة الليبية تقلل الاعتماد على الواردات
- الدبيبة: عودة مصفاة رأس لانوف إلى الإدارة الليبية أغلقت ملفًا معقدًا
تشغيل راس لانوف يقود إلى خسارة نظرية
أما «النتيجة الثانية»، فقال الشحاتي إن الافتراض النظري لتشغيل مصفاة راس لانوف بكامل طاقتها التصميمية، البالغة 220 ألف برميل يوميا، خلال عام 2025 كان سيقود إلى هامش ربح سلبي أو خسارة مقارنة بالسعر العالمي بمعدل 1.74 دولار سالب للبرميل، وهو ما يترجم إلى نحو 140 مليون دولار سنويا.
وشدد على أن هذه الخسارة «ليست محاسبية»، بل تمثل الفرق بين تخصيص الخام للتكرير المحلي وبين بيعه كنفط خام للأسواق الخارجية، وهو ما يُعرف بـ«تكلفة الفرصة البديلة». وأضاف أن هذا الفرق مبرر، لأن مصفاة راس لانوف «لا تهدف للربح كمصفاة فقط»، وإنما يأتي الربح من تكامل العمليات مع باقي وحدات المجمع البتروكيماوي، وعلى رأسها مصنع الإيثلين والبوليمرات.
وفيما يتعلق بـ«النتيجة الثالثة»، أوضح الشحاتي أن صافي الإيرادات النفطية التي يجرى تسليمها إلى المصرف المركزي يعتمد على سيناريوهين؛ الأول يفترض عدم تشغيل مصفاة راس لانوف، وفي هذه الحالة سيجرى توجيه دخل 220 ألف برميل يوميا مباشرة إلى المصرف المركزي، بما يرفع إجمالي الإيرادات النفطية إلى نحو 1.9 مليار دولار شهريا.
وأضاف أن السيناريو الثاني يفترض تشغيل المصفاة، وتخصيص 220 ألف برميل يوميا للتكرير الداخلي، وهو ما سيخفض الدخل الشهري إلى نحو 1.7 مليار دولار، مع احتساب قيمة صادرات الكيروسين وزيت الوقود الثقيل الفائض عن حاجة السوق المحلية ضمن الإيرادات.
وأشار الشحاتي إلى أن هذا السيناريو سيؤدي في المقابل إلى خفض قيمة واردات الديزل بنحو 2.7 مليار دولار سنويا، أي ما يعادل 231 مليون دولار شهريا، لكنه أوضح أن التكلفة سيجرى سحبها من قيمة النفط الذي جرى تحويله للتكرير الداخلي، مؤكدا أن الملاحظات المتعلقة بالدعم في مصفاة الزاوية تنطبق أيضا على مصفاة راس لانوف.
خياران أمام الدولة الليبية
في خلاصة تحليله، أكد الشحاتي أن صناعة التكرير في ليبيا تحتاج إلى دراسة استثمارية متكاملة، تراعي نمو الطلب المحلي على المحروقات، وجودة الخامات الليبية، والأسواق والأسعار النفطية الدولية، بالإضافة إلى أهداف الدولة في تنويع الاقتصاد، والكلفة الاستراتيجية لذلك.
وأضاف أن مصفاة الزاوية، وبحكم تصميمها، تحقق فائضا اقتصاديا نظريا، وتسهم في تقليص فاتورة الواردات بهامش محدود، مع الإشارة إلى محدودية إنتاجها مقارنة بحجم الطلب المحلي، فضلا عن محدودية مصادر تغذيتها من الخام.
في المقابل، اعتبر أن مصفاة راس لانوف «مشروع صناعي متكامل» لا يمكن تقييمه كمشروع تكرير فقط، موضحا أن أمام الدولة الليبية خيارين: الأول يتمثل في الاستمرار بالاستثمار المكثف في المشروع البتروكيماوي، لتحقيق التكامل الكامل وتحويل الاقتصادات إلى موجبة، وهو خيار وصفه بـ«المعقد فنيا وإداريا» في ظل الوضع المالي الحالي. أما الخيار الثاني فيقوم على التركيز على التكرير، وإضافة وحدات، لتعظيم إنتاج المنتجات الوسيطة الأعلى ثمنا.
عودة مجمع راس لانوف النفطي للإدارة الليبية
قد أعلن رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، توقيع الاتفاق النهائي بين المؤسسة وشركة «تراستا»، بما يُنهي الشراكة بين الطرفين داخل شركة «ليركو» بعد أكثر من عقد من النزاعات القضائية والتحكيمية الدولية، لتؤول أسهم الشركة الإماراتية بالكامل إلى المؤسسة الوطنية للنفط.
وأكد سليمان أن الاتفاق يعيد مجمع ومصفاة راس لانوف إلى «السيادة والإدارة الليبية الكاملة»، مشيرا إلى أن الخطوة تفتح الطريق أمام إعادة هيكلة وتشغيل المجمع تحت إدارة ليبية، فيما وصفه بأنه أحد أهم التحولات في قطاع النفط الليبي منذ عام 2011.
وأضاف أن الاتفاق يمثل بداية مرحلة جديدة لإحياء مجمع راس لانوف، وإعادته إلى موقعه كأحد أهم مراكز التكرير والصناعات البتروكيماوية في المنطقة، مشيدا بجهود الفرق القانونية والفنية التابعة للمؤسسة طيلة سنوات النزاع.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة