رأى مقال نشره المجلس الأطلسي أن المبادرة التي يطرحها مبعوث الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، في ليبيا لن تسهم في حل الأزمات العميقة التي تعانيها البلاد، مشيرا إلى أنها تركز بشكل أساسي على المسار الاقتصادي لإرساء استقرار نسبي، يناسب عودة الشركات الأميركية والدولية إلى ليبيا.
وقال كاتبا المقال، مدير مبادرة شمال أفريقيا في مركز رفيق الحريري، كريم ميزران، وزميل برنامج الشرق الأوسط، داريو كريستياني، إن الاهتمام الأميركي الحالي بليبيا لا يستند إلى استراتيجية مؤسساتية متكاملة بقدر ما يرتبط بالدور الذي يقوده بولس، الذي أصبح الشخصية الأكثر نشاطا في الملف الليبي داخل الإدارة الأميركية.
اهتمام أميركي متزايد بليبيا
تشهد ليبيا تحركا دبلوماسيا أميركيا متزايدا، تقوده إدارة الرئيس دونالد ترامب، بالتوازي مع استمرار واشنطن في مفاوضاتها المتعلقة بالحرب مع إيران، في وقت برز فيه ملف ليبيا كأحد الملفات التي حظيت باهتمام خاص داخل الإدارة الأميركية الجديدة، على الرغم من محدودية انخراط كبار المسؤولين الأميركيين المباشر فيه.
- جريدة «الوسط»: صفقات نفط في طرابلس.. وأخرى سياسية في باريس
- جريدة «الوسط»: مخاوف «الفرقاء» من تجاوب تيتيه مع خطط بولس
- «جون أفريك»: هل تقترب «ليبيا الموحدة» عبر تحركات مسعد بولس؟
ووفق التقرير، بدأ بولس منذ يوليو 2025 في تكثيف اهتمامه بليبيا بعد نجاحات دبلوماسية حققها في منطقة البحيرات العظمى، خاصة بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، بينما تراجع زخمه في ملفات أخرى مثل السودان، الأمر الذي جعل ليبيا ساحة محتملة لتحقيق نجاح دبلوماسي جديد.
وفي حين يتماشى هذا التحرك مع النهج الاقتصادي لإدارة ترامب، الذي ينظر إلى الدول الغنية بالموارد الطبيعية من زاوية الطاقة والبنية التحتية وفرص الاستثمار، يرى المقال في الوقت نفسه أن «أي اتفاق لتقاسم السلطة بين القوى المسيطرة في ليبيا لن يكون كافيا لحل الأزمات البنيوية العميقة في البلاد».
تحولات دولية وإقليمية
في السياق نفسه، أشار المقال إلى أن التحولات الدولية والإقليمية أسهمت في تعزيز هذا المسار. فتركيا، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأبرز لطرابلس، بدأت في فتح قنوات تواصل مع بنغازي مدفوعة برغبتها في دفع السلطات الشرقية للاعتراف بمذكرة التفاهم البحرية الموقعة بالعام 2019، بالإضافة إلى مصالح اقتصادية مرتبطة بتوسيع نشاط الشركات التركية في ليبيا.
كما لفت المقال إلى تغيرات في الاصطفافات الإقليمية، وتحدث عن «الخلافات بين السعودية والإمارات، التي ظهرت في ملفات اليمن والسودان، ثم تعززت بسبب الحرب مع إيران، التي دفعت أبوظبي إلى تبني مقاربة أكثر حذرًا تجاه ليبيا».
وأضاف: «مصر بدأت بدورها مراجعة استراتيجيتها الليبية في ظل مخاوف مرتبطة بدعم خليفة حفتر المزعوم لقوات الدعم السريع في السودان، بالإضافة إلى حاجة القاهرة لاقتصاد ليبي مستقر وقادر على استيعاب العمالة والاستثمارات المصرية وتصدير الطاقة».
وأشار المقال كذلك إلى تقارب تدريجي بين إيطاليا وفرنسا بشأن ضرورة تحقيق الاستقرار في ليبيا، خاصة بسبب ملفي الهجرة وأمن الطاقة، بينما أبدت كل من الصين وروسيا دعمًا عامًا لهذا المسار، وإن كان لأسباب مختلفة.
أربعة محاور للطرح الأميركي
فيما يتعلق بالمبادرة الأميركية، أوضح المقال أن بولس ومسؤولين أميركيين آخرين طرحوا خريطة طريق تقوم على أربعة محاور رئيسية، تشمل اعتماد موازنة وطنية موحدة، وتوحيد المؤسسات العسكرية، وتشكيل حكومة موحدة، ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال ستة أشهر من الاتفاق على هيكل تنفيذي جديد.
ويعد إقرار أول موازنة موحدة للدولة الليبية منذ أكثر من عشر سنوات أبرز إنجازات هذا المسار حتى الآن، إذ يهدف إلى توحيد هياكل الإنفاق المتوازية، وتقليص الفساد، وتخصيص موارد إضافية للمؤسسة الوطنية للنفط بهدف زيادة الإنتاج.
ويظل الهدف الأساسي للمبادرة الأميركية اقتصاديا بالدرجة الأولى، إذ تسعى واشنطن إلى توفير حد أدنى من الاستقرار يسمح بإعادة فتح ليبيا أمام الأعمال والاستثمارات الأجنبية، على أمل أن يؤدي الاستقرار الاقتصادي لاحقًا إلى استقرار سياسي.
بيئة أعمال شديدة الهشاشة
لكن على الرغم من هذه التحركات، شدد المقال على أن بيئة الأعمال في ليبيا لا تزال شديدة الهشاشة، مشيرا إلى استمرار العقبات المرتبطة بالفساد، وصعوبات المدفوعات الدولية، والإجراءات الجمركية، وعدم اليقين القانوني والتعاقدي.
وأوضح أن هذه التحديات تدفع العديد من الشركات الأجنبية إلى استخدام قنوات مالية غير مباشرة، وإجراء معاملات عبر دول وسيطة، ما يُزيد من حجم التكاليف والمخاطر.
وتكشف هذه المعطيات محدودية الاتفاقات المؤسساتية في تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي. كما تعكس حدود المنطق السياسي الذي تقوم عليه مبادرة بولس.
توافقات عائلية
على صعيد آخر، لفت المقال إلى «اعتماد خريطة الطريق الأميركية على التوافقية العائلية، أي تقاسم السلطة بين الشبكات السياسية والعسكرية والعائلية المهيمنة حاليا في ليبيا، وعلى رأسها معسكر خليفة حفتر ومعسكر عبدالحميد الدبيبة».
لكنه قال أيضا: «هذا التصور يحمل تبسيطا خطيرا»، موضحا: «التجارب السابقة في ليبيا أظهرت أن صفقات النخب كثيرا ما أسهمت في تعميق الفساد والانقسام بدلا من معالجته».
وأشار المقال إلى «تصاعد المعارضة داخل غرب ليبيا، خاصة في مدينة مصراتة، حيث تشهد المدينة انقسامات متزايدة بين مؤيدين ومعارضين للدبيبة، في ظل رفض عدد من القيادات السياسية والأمنية فكرة تقاسم السلطة مع عائلة حفتر أو القبول بتسويات تفرضها أطراف خارجية».
وأضاف: «يفتقر إبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس الحكومة، إلى النفوذ والكاريزما والخبرة السياسية اللازمة للحفاظ على تماسك الشبكة السياسية المحيطة به».
وخلص المقال إلى أن مبادرة بولس قد تنجح على المدى القصير في خفض التوترات وخلق بيئة أكثر استقرارا للأعمال الأجنبية، لكنها تبقى غير كافية لمعالجة الأزمة البنيوية العميقة التي تعانيها ليبيا.
وأكد أن غياب الشرعية الواسعة، والمساءلة المؤسساتية، والعملية السياسية الشاملة، قد يجعل خريطة الطريق الحالية مجرد آلية موقتة لإدارة الانقسام الليبي، وليس حلا دائما له.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة