عاد الملف الليبي إلى روما هذه المرة عبر لجنة تفاوض جديدة تحمل رقمًا جديدًا هو «4+4» تحت رعاية الأمم المتحدة، حيث عُقدت جلسة حوارية أولى ضمن محاولات لكسر الجمود السياسي الذي تعيشه الأزمة الليبية، في وقت حُسمت مبدئيًا مسألة اختيار رئيس المفوضية العليا للانتخابات، تزامنًا مع محادثات إيطالية مع شخصيات نافذة تمثل السلطات في طرابلس لتحقيق مزيد الاختراق باتجاه حلحلة الأزمة.
في العاصمة الإيطالية، احتضن مقر وزارة الخارجية الإيطالية «فارنيزينا» الاجتماع الأول للطاولة المصغرة «4+4» المعنية بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية لحل الأزمة السياسية، إذ أكدت البعثة اتفاق المجتمعين على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتقديم توصية بتكليف النائب العام، الصديق الصور، ترشيح رئيس جديد للمفوضية من رجال القضاء المشهود لهم بالكفاءة والحياد، إلى جانب التوافق على تسمية أعضاء جدد لمجلس المفوضية من قبل مجلسي النواب والدولة وفق مخرجات جلساتهما السابقة.
تنحية السائح والكميشي
ويعني التفاهم على تكليف النائب العام باختيار رئيس المفوضية تنحي كلٍّ من عماد السائح وصلاح الكميشي، اللذين تمسك مجلسا النواب والدولة بتنصيبهما دون توافق، ما عرقل مسار العملية السياسية. وجرى الاتفاق أيضًا على انطلاق مناقشات الإطار القانوني للعملية الانتخابية، ومواصلة المشاورات للوصول إلى قوانين توافقية قابلة للتنفيذ، ويتعلق الأمر بالتشاور حول أكثر القضايا الانتخابية إثارةً للجدل، مثل أهلية المرشحين، والسماح بمشاركة الشخصيات العسكرية ومزدوجي الجنسية في الاستحقاقات المقبلة من عدمه.
شارك في اجتماع روما وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، ورئيس الفريق التنفيذي للمبادرات والمشروعات الاستراتيجية مصطفى المانع، ورئيس اللجنة المالية بالمجلس الأعلى للدولة عضو المجلس عن سرت عبدالجليل الشاوش، وعضو ملتقى الحوار السياسي السابق علي عبدالعزيز، عن جانب حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، ورئيس المجلس التسييري الأسبق لبلدية بنغازي عبدالرحمن العبار، وسفير ليبيا الأسبق لدى فرنسا الشييباني أبوهمود، وعضو مجلس النواب عن البيضاء آدم بوصخرة، ورئيس لجنة متابعة الأجهزة الرقابية بمجلس النواب عضو المجلس عن سرت زايد هدية، عن «القيادة العامة».
- عقيلة يبحث مع وفد برلماني إيطالي مستجدات المشهد السياسي والتعاون المشترك
- تكالة يبحث مع وفد من البرلمان الإيطالي دفع المسار السياسي والتعاون الاقتصادي والهجرة
- نقاش حول الهجرة في استقبال الدبيبة وفدًا من البرلمان الإيطالي
- تيتيه تشرح في مصراتة أهداف «الاجتماع المصغر» ومسارات «الحوار المهيكل»
- المنفي يلوح بـ«حراك سلمي» ضد من لا يحترم الأعراف الراسخة
وقال وليد اللافي، عقب الجلسة الأولى لاجتماع روما في تصريح تلفزيوني: «إن ما تحقق اليوم يمثل تقدمًا إيجابيًا ومهمًا في تجاوز أحد أبرز العقبات في طريق الانتخابات، وأثبتت المفاوضات الثنائية المباشرة أنها الأكثر عملية وفاعلية في معالجة نقاط الخلاف السياسية»، واصفًا أجواء الاجتماع بالإيجابية والمشجعة.
واعتبرت مصادر إعلامية إيطالية متعددة أن تركيبة الوفدين تعكس استراتيجيات تفاوضية مختلفة، إذ اختار الطرف الشرقي شخصيات ذات خلفيات قانونية وإدارية بارزة، مع مراعاة التوازنات القبلية والإقليمية المرتبطة بـ«معسكر الشرق»، فيما ضم الوفد المقابل شخصيات قريبة من دوائر صنع القرار في طرابلس.
تحرك إيطالي في طرابلس
وفي سياق تحليله لاجتماع «4+4»، أشار موقع «ديكو 39» الإيطالي إلى أن تزامن وجود تحرك دبلوماسي إيطالي في طرابلس مع الاجتماع ليس صدفة، إذ تحاول روما الحفاظ على مسارين متوازيين، المشاركة السياسية والهندسة المؤسسية، لكسر الجمود الليبي المطول دون الالتزام المقيد بقناة واحدة.
ففي طرابلس، التقى رئيس حكومة الوحدة الموقتة عبدالحميد الدبيبة بكامل وفد لجنة كوباسير «اللجنة البرلمانية الإيطالية المشرفة على الاستخبارات»، وهو حضور كامل غير معتاد يشير إلى مشاركة رسمية قوية، وفق الموقع.
ترأس الوفد البرلماني الإيطالي رئيس كوباسير لورينزو غيريني، بحضور السفير الإيطالي لدى ليبيا جيانلوكا ألبريني. وتركزت المناقشات على دعم العملية السياسية وجهود تحقيق الاستقرار، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والشراكات في القطاعات الرئيسية، كما فرضت قضية الهجرة نفسها بندًا أساسيًا، حيث بحث الجانبان سبل إدارة التدفقات غير النظامية من خلال تنسيق أوثق بين إيطاليا وليبيا.
واستقبل رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، الأربعاء، بمقر المجلس في العاصمة طرابلس، وفد البرلمان الإيطالي، وجرى التأكيد على ضرورة الدفع باتجاه مسار سياسي جاد وواقعي يستند إلى المرجعيات الوطنية القائمة، وفي مقدمتها الاتفاق السياسي الليبي.
«الرئاسي» ومجلس الدولة رفضا «الطاولة المصغرة»
يُذكر أن المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة رفضا خطوة «الطاولة المصغرة»، وطالبا البعثة الأممية بتقديم توضيحات عاجلة بشأن طبيعتها وإطارها الشرعي.
وتوقعت وكالة «نوفا» الإيطالية للأنباء أن يصل رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، روما نهاية الأسبوع الأول من مايو المقبل، في زيارة رسمية ضمن إطار تعزيز الحوار السياسي مع السلطات الإيطالية، حسب الوكالة، التي نقلت عن مصادر ليبية لم تسمها أن الدبيبة سيبحث مع نظيرته الإيطالية جورجيا ميلوني قضايا الطاقة والتعاون الاقتصادي وإدارة تدفقات الهجرة غير القانونية في وسط البحر الأبيض المتوسط.
واستضافت طرابلس، الإثنين الماضي، ندوة حول العلاقات الليبية–الإيطالية، تهدف إلى تنشيط التعاون على مستويات متعددة بين البلدين.
في هذه الأجواء، أبدت قوى سياسية واجتماعية وعسكرية في مدينة مصراتة، إحدى أبرز مراكز القوة في الغرب الليبي، تحفظات على مبادرة مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، تمظهرت في وقفة احتجاجية للتعبير عن رفضهم هذه المبادرة، وفي سياق متصل عقد بولس لقاءات مباشرة بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والقيادة العامة في بنغازي، ضمن مقاربة أميركية تقوم على بناء تفاهمات تدريجية بين الفاعلين على الأرض.
وزارت رئيسة البعثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، مصراتة، رفقة نائبتها ستيفاني خوري، قبيل اجتماع روما، وخلال كلمة لها أثناء اجتماعات الحوار المهيكل، أكدت تيتيه أن الطاولة المصغرة ليست بديلًا عن هذا الحوار، بل تمثل آلية موازية ومحددة الهدف لمعالجة القضايا العالقة المرتبطة بالإطار الانتخابي والمفوضية العليا للانتخابات، مشددة على أن «الحوار المهيكل» يظل المسار الأساسي والأوسع لصياغة الرؤية الوطنية الشاملة للعملية السياسية في ليبيا، باعتباره الإطار الذي يجمع مسارات الاقتصاد والأمن والحوكمة والمصالحة وحقوق الإنسان.
تيتيه تشترط «التوافق» مع مخرجات الحوار المهيكل
وحسب المبعوثة الأممية، فإن أي مخرجات تصدر عن الطاولة المصغرة مشروطة بأن تبقى منسجمة مع نتائج وتوصيات الحوار المهيكل، الذي يعد المرجعية الأوسع للعملية السياسية الجارية تحت رعاية الأمم المتحدة في ليبيا، بما يضمن اتساق المسارات المختلفة ضمن خريطة الطريق الأممية.
وتتمحور خريطة الطريق التي أعلنتها البعثة في أغسطس الماضي على مراجعة القوانين الانتخابية وتهيئة مفوضية الانتخابات للعمل، وإطلاق الحوار المهيكل بمشاركة نحو 120 شخصية ليبية من مجالات الأمن والاقتصاد والحوكمة والمصالحة الوطنية، بهدف صياغة توصيات تمهد لإجراء الانتخابات وتوسيع قاعدة التوافق السياسي، ومن المقرر أن تنتهي أعماله في يونيو المقبل.
يأتي ذلك في وقت يتواصل فيه الخلاف المعلن بين الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي منذ التعديلات الوزارية التي أجراها الأول الشهر الماضي، وطالب المنفي بتعليق أعمال واجتماعات حكومة الدبيبة ووقف إصدار أي قرارات جديدة إلى حين تصحيح الوضع القانوني للوزراء الجدد.
وفي خطاب رسمي موجه إلى عبدالحميد الدبيبة، شدد المنفي، الأربعاء، على ضرورة التزام الوزراء بأداء اليمين القانونية أمام المجلس الرئاسي، باعتباره شرطًا أساسيًا لاكتساب الصفة القانونية لمباشرة مهامهم بشكل دستوري، مؤكدًا أن أي قرارات أو إجراءات تصدر في غياب هذا الشرط تعد مخالفة لمبدأ المشروعية وتفتقر إلى السند القانوني.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة