أثار إعلان انعقاد اللجنة الليبية - الروسية المشتركة في موسكو، الثلاثاء الماضي، تساؤلات عدة حول دلالات إعادة تفعيل هذه اللجنة بعد انقطاع دام 25 عامًا، وهل تعد لقاءات مسؤولي حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» مع نظرائهم الروس تحولًا استراتيجيًا، وما أهداف روسيا من وراءها.
وأجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف محادثات في موسكو مع نظيره الليبي المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» الطاهر الباعور الأسبوع الماضي. وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية الروسية أن الجانبين أقرا بـ«ضرورة استئناف أنشطة اللجنة الحكومية الروسية الليبية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني على وجه السرعة، والتي من المتوقع أن تكون بمثابة آلية التنسيق الرئيسية للتعاون الثنائي في المجالات التجارية والاقتصادية».
بدورها، أفادت حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» بأن الاجتماع ركز على الاستعدادات لإعادة تشغيل جلسات اللجنة بعد سنوات من الجمود، بما في ذلك تحديد البرامج والمشاريع المقترحة في العديد من القطاعات الحيوية لعرضها في جلسة قادمة.
وفي اجتماع وزير المواصلات ورئيس اللجنة الليبية الروسية محمد الشهوبي مع وزير الطاقة الروسي ورئيس اللجنة من الجانب الروسي سيرغي تسيفيليوف، ناقش الجانبان «البرامج والمشروعات المقترح تنفيذها في عدد من القطاعات الحيوية تمهيدًا لعرضها خلال الاجتماع المرتقب للجنة في الفترة المقبلة».
كما ناقش الجانبان «آفاق تعزيز التعاون الاقتصادي وزيادة حجم التبادل التجاري، إلى جانب بحث عودة الشركات الروسية للمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار والتعاون في مجالات النفط والغاز».
تحول استراتيجي أم خطوة بروتوكولية؟
وفي تقدير الباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي إدريس أحميد، فإن انعقاد اللجنة الليبية – الروسية المشتركة يحمل دلالات سياسية مهمة، لكنه في جوهره يظل أقرب إلى خطوة بروتوكولية تفرضها طبيعة المرحلة الانتقالية والانقسام القائم في ليبيا، أكثر من كونه تحولًا استراتيجيًا حاسمًا.
وقال أحميد لـ«بوابة الوسط» إن المشهد الداخلي لا يزال منقسمًا في ليبيا، وهو ما يجعل أي انفتاح على روسيا أو غيرها محكومًا بحسابات جزئية، في ظل غياب سلطة موحدة قادرة على صياغة سياسة خارجية متماسكة.
وفي المقابل، يأتي هذا التحرك ضمن سياق تنافس دولي واضح، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة الملف الليبي والحد من النفوذ الروسي دون الوصول إلى صدام مباشر، وفق الباحث السياسي. كما أن حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، على الرغم من استمرارها في إدارة مؤسسات حيوية في الغرب الليبي، تواجه تحديات تتعلق بمحدودية السيطرة والانقسام السياسي، وهي منخرطة في حوارات مع «القيادة العامة» ضمن مسارات تدعمها الأمم المتحدة لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات.
- الباعور يلتقي لافروف في موسكو
- روسيا تؤكد استعدادها لمساعدة ليبيا على تحقيق «استقرار شامل ومستدام»
- «الباعور»: روسيا وليبيا رسّختا في 70 عامًا شراكة تقوم على الاحترام
- الشهوبي يبحث مع سفير موسكو تفعيل اللجنة العليا الليبية الروسية
- بعد انقطاع 25 عاما.. انعقاد اللجنة الليبية - الروسية المشتركة في موسكو
وفيما يتعلق بمحاولات تحييد دور كييف - التي تعيش حربًا مع روسيا - في خريطة النفوذ في ليبيا، يرى أحميد أن ذلك يندرج ضمن سياق صراعها الأوسع مع موسكو، حيث تحاول توسيع حضورها في بعض مناطق الغرب الليبي، إلا أن تأثيرها لا يزال محدودًا مقارنة بالتنافس الأميركي – الروسي.
تحول ليبيا إلى ساحة توازنات دولية مفتوحة
اقتصاديًا، قد تمثل هذه الاجتماعات فرصة لإحياء مشاريع سابقة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، لكن غياب الاستقرار يجعلها أقرب إلى نوايا مؤجلة منها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
ويستخلص المحلل السياسي الليبي أن ليبيا اليوم باتت ساحة توازنات دولية مفتوحة، لا تستطيع فيها الولايات المتحدة إقصاء روسيا، ولا روسيا قادرة على الانفراد بالنفوذ، بينما يبقى العامل الحاسم داخليًا توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، باعتباره المدخل الحقيقي لأي شراكات دولية فاعلة.
ورد لافروف في مؤتمر صحفي في 21 أبريل الجاري على تقارير غربية تشير إلى مساعٍ أميركية لتوحيد أطراف متنافسة بهدف «إقصاء روسيا» من المشهد الليبي، واعتبر أن «محاولات الولايات المتحدة أو أي دولة غربية أخرى، إذا كان الهدف منها استبعاد طرف ما من العملية، فهي جزء من سياسة هذه الدول».
ودعا الدبلوماسي الروسي واشنطن وبقية أعضاء المجتمع الدولي إلى توحيد جهودهم، لا سيما من يمتلكون نفوذًا عالميًا وقدرة على التأثير في الأزمات، كما كان عليه الحال في مراحل سابقة.
طرابلس ومحاولة لعب دور بين القوى الدولية
من جانبه، أفاد الناشط السياسي والمدني الليبي ضياء الدين الخويلدي بأن طرابلس لا تزال تحاول لعب دور متوازن بين القوى الدولية، معتبرًا بعث اللجنة المشتركة تجاوزًا للإجراءات البروتوكولية العابرة، بما يعكس عودة روسيا إلى الملف الليبي بقوة. وأضاف قائلًا: «اللقاء يحمل رسالة سياسية واضحة للغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، بتواجد روسيا في أفريقيا عبر ليبيا، وسط احتمال بداية شراكات اقتصادية جديدة».
وحول تجاوز طرابلس وموسكو قضية تفجير ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميدغاز» قبالة السواحل الليبية واتهامات موسكو لكييف بالوقوف وراء الحادث، أوضح الخويلدي لـ«بوابة الوسط» أنه «لا يوجد دليل واحد على تورط طرابلس في الواقعة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر».
معلومات عن اللجنة الليبية الروسية المشتركة
أُنشئت اللجنة المشتركة للمرة الأولى عام 1974 كإطار رفيع المستوى لتنظيم وتطوير العلاقات الاقتصادية والتقنية بين ليبيا والاتحاد السوفيتي أو روسيا حاليًا.
وتوقف عملها في أوائل التسعينيات في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وفرض عقوبات دولية على ليبيا بسبب تفجير لوكربي. وجرت إعادة إحياء هذا المشروع عام 2008 عقب زيارة أجراها الرئيس فلاديمير بوتين إلى ليبيا، وقُعت خلالها اتفاقات رئيسية في مجال النفط والغاز والطاقة النووية المدنية.
لكن جُمّد عمل اللجنة مرة أخرى عام 2011 بعد الإطاحة بالعقيد معمر القذافي وما تلاها من حالة عدم استقرار. وواجهت محاولات إعادة إحيائها في السنوات الأخيرة صعوبات بسبب الانقسامات السياسية والتوترات الأمنية في ليبيا.
وأعلن سيرغي لافروف أن روسيا ستستأنف قريبًا عمل قنصليتها العامة في بنغازي، التي اضطرت إلى تعليق عملها منذ عام 1993، تضاف إلى السفارة الروسية في طرابلس.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة