في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في فيلم وثائقي شارك فيه د. علي عبداللطيف حميدة، أستاذ العلوم السياسية، ألقى الضوء على واحدة من لحظات تشكّل القوة الأميركية المبكرة، حين خاضت الولايات المتحدة أول حرب خارج حدودها مطلع القرن التاسع عشر ضد حاكم طرابلس القوي، يوسف القرمانلي.
إنها معركة طرابلس في العام 1805، حيث وقع صدام المصالح واختلاف الرؤى بعد أن رفضت الولايات المتحدة دفع رسوم حماية لتجارتها من القراصنة في البحر المتوسط أسوة بالدول الأوروبية.
وقد أسفرت المواجهة عن أسر 306 أميركيين، بعد أن فشلت حملة الرئيس الأميركي توماس جيفرسون، التي بدأت في العام 1801، بإرسال أسطول من 4 سفن لفرض حصار بحري على طرابلس، لكنها انتهت بتوقيع اتفاقية سلام في العام 1805 بعد أن فشلت الحملة الأميركية في تحرير الأسرى وإسقاط النظام في طرابلس.
تعود جذور القصة إلى نظام كان سائدًا في البحر المتوسط لقرون، حيث كانت مدن شمال أفريقيا، مثل طرابلس والجزائر وتونس، تفرض على السفن الأجنبية دفع أموال أو تقديم هدايا، لحمايتها من القراصنة وضمان عدم التعرض لها، وكان هذا النظام مصدر دخل أساسيا، اعتمدت عليه هذه المجتمعات اقتصاديًا، وقبلته الدول الأوروبية كأمر واقع.
احتجاز السفن الأميركية
لكن مع استقلال الولايات المتحدة، تغيّر الوضع، فلم تعد السفن الأميركية تحت حماية بريطانيا في البحر المتوسط. وحين طُلب منهم دفع أموال، رفض الأميركيون، ولم يفهموا لماذا يُطلب منهم الدفع مقابل مجرد الإبحار، بينما رأت طرابلس أن هذا حق مشروع.
مع تصاعد التوتر، طالب حاكم طرابلس، يوسف القرمانلي، بمعاملة مماثلة لما حصلت عليه دول أخرى في شمال أفريقيا من أموال وهدايا سنوية، لكن الإدارة الأميركية رفضت هذه المطالب. وفي عام 1801، أرسل الرئيس توماس جيفرسون أسطولًا بحريًا إلى البحر المتوسط، لتبدأ المواجهة رسميًا.
بدأ التحرك الأميركي يأخذ طابعًا عسكريًا متدرجًا، حيث انتقلت السفن إلى البحر المتوسط في حالة تأهب، مع محاولات لفرض حصار بحري على الموانئ التابعة لطرابلس، في وقت كانت فيه القوات المحلية تتحرك أيضًا لحماية سواحلها ومنع أي اقتراب غير محسوب من الأسطول الأميركي.
حصار طرابلس وأسر طاقم الفرقاطة فيلاديلفيا
خلال العامين التاليين، حاولت البحرية الأميركية فرض حصار على طرابلس وقصف موانئها، لكن النتائج كانت محدودة، ثم جاءت الضربة الكبرى في عام 1803، عندما علقت الفرقاطة الأميركية «فيلادلفيا» في مياه ضحلة قرب طرابلس، وجرى الاستيلاء عليها وأسر طاقمها بالكامل، وعددهم 306 أفراد. هذا الحدث منح طرابلس ورقة ضغط قوية، وغيّر مسار الصراع.
ومع تصاعد العمليات البحرية في محيط الميناء، تحولت المواجهة إلى سلسلة اشتباكات متقطعة في عرض البحر، حيث كانت السفن الأميركية تحاول الاقتراب من السواحل ضمن محاولات مستمرة لفرض الحصار، بينما كانت الزوارق التابعة لقوات طرابلس تنفذ هجمات سريعة ومباغتة على أطراف التشكيلات البحرية الأميركية، قبل أن تعود بسرعة إلى داخل الميناء.
ومع تكرار هذه العمليات، أصبحت المواجهة البحرية أشبه بمطاردات مفتوحة، تتغير فيها موازين القوة بشكل لحظي وفقًا لطبيعة الموقع وسرعة المناورة.
وفي أثناء مطاردة بحرية غير دقيقة، انحرفت الفرقاطة «فيلادلفيا» نحو مياه ضحلة لم تكن محسوبة بدقة، ما أدى إلى جنوحها بشكل مفاجئ وتوقف قدرتها على الحركة تمامًا، وفي لحظات قصيرة، تحولت السفينة من قوة قتالية إلى هدف ثابت، حيث بدأت القوات المحلية في تطويقها من عدة اتجاهات، مانعة أي فرصة للانسحاب أو إعادة التموضع.
ومع تصاعد الضغط وفقدان القدرة على المقاومة أو المناورة، انتهى الموقف إلى استسلام كامل، لتتم عملية أسر طاقم السفينة بالكامل وعددهم 306 أفراد، ونقلهم إلى داخل طرابلس، حيث تحولوا إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية بيد يوسف القرمانلي.
خطة ويليام إيتون لتغيير النظام في طرابلس
في هذا السياق، برز ويليام إيتون، الدبلوماسي الأميركي الذي كان يميل إلى العمل العسكري، فقد طرح خطة جريئة تقوم على إعادة حامد القرمانلي، شقيق حاكم طرابلس، إلى الحكم بعد أن أُطيح به، الفكرة كانت أن يؤدي ذلك إلى إسقاط النظام القائم، وتحرير الأسرى الأميركيين.
وقد وافقت الحكومة الأميركية على دعم محدود للخطة، شمل أسلحة وأموالًا، وبدأ تنفيذها من مصر، حيث كان حامد يعيش في المنفى. وفي أواخر عام 1804، وصل إيتون إلى الإسكندرية، وبدأ في تجميع قوة من المرتزقة، تضم عربًا وأوروبيين، إلى جانب عدد قليل من الجنود الأميركيين.
ومع اكتمال التحضير، بدأت الحملة تتحرك في بيئة معقدة سياسيًا وعسكريًا، حيث كان الهدف يعتمد على تحالفات غير مستقرة بين أطراف مختلفة، لكل منها حساباته ومصالحه الخاصة.
حملة أميركية عبر الصحراء من درنة شرقا
في 8 مارس 1805، انطلقت الحملة عبر الصحراء المصرية في رحلة شاقة نحو مدينة درنة، على بُعد أكثر من 500 ميل، وقد واجهت القوة ظروفًا قاسية، من حرارة شديدة ونقص في المياه إلى نقص الغذاء، كما ظهرت خلافات حادة بين المقاتلين، خاصة بين العرب والمسيحيين، وكادت تصل إلى اشتباكات مسلحة.
ومع استمرار السير في الصحراء، بدأت التوترات داخل القوة في التصاعد، خاصة مع صعوبة الإمدادات واعتماد المقاتلين على وعود متقطعة بالدعم، وفي إحدى اللحظات الحرجة، حاول بعض المقاتلين الاستيلاء على المؤن بسبب الجوع، وكادت الحملة تنهار تمامًا وسط حالة من الفوضى.
لكن إيتون تمكن من احتواء الموقف بصعوبة، وأعاد ضبط الانضباط داخل القوة، مع وعود بوصول إمدادات جديدة في الوقت المناسب.
وبالفعل، وصلت سفينة أميركية محملة بالمؤن في لحظة حاسمة، ما أنقذ الحملة من الانهيار، وأعاد لها القدرة على مواصلة التقدم نحو الهدف النهائي.
في 25 أبريل 1805، وصلت القوة إلى مشارف مدينة درنة، حيث كانت قوات الدفاع تستعد للمواجهة. وبعد يومين، في 27 أبريل، بدأت المعركة.
انتصار عسكري في درنة لم يترجم إلى مكسب سياسي
شنّت القوات هجومًا مشتركًا من البر والبحر، حيث قصفت السفن الأميركية المدينة من البحر، بينما تقدمت قوات إيتون من البر. وعلى الرغم من أن عدد المدافعين كان أكبر بكثير، فإن الهجوم المنسق أدى إلى اختراق الدفاعات بعد قتال عنيف داخل محيط المدينة.
وخلال المعركة، أصيب إيتون، لكن القيادة الميدانية استمرت عبر ضباطه، فيما تواصل الضغط على مواقع الدفاع حتى بدأت الخطوط الدفاعية في الانهيار تدريجيًا، وتمت السيطرة على مواقع رئيسية داخل المدينة.
وفي لحظة رمزية، جرى رفع العلم الأميركي، في أول مرة يُرفع فيها خلال معركة على أرض أجنبية.
وسيطر المهاجمون على درنة خلال ساعات، في إنجاز عسكري لافت بالنظر إلى ظروف الحملة وقلة عددها، لكن هذا الانتصار لم يُترجم إلى مكسب سياسي كامل.
فشل معركة درنة
لم يحصل حامد القرمانلي على الدعم الشعبي المتوقع داخل المدينة، وظل النفوذ الحقيقي في يد القوة العسكرية بقيادة إيتون، بينما بدأت قوات حاكم طرابلس في التحرك لاستعادة المدينة.
وفي الوقت نفسه، وبينما كانت الحملة تستعد للتقدم نحو طرابلس، حدث تحول سياسي حاسم أنهى مسار العمليات العسكرية.
في يونيو 1805، وقّعت الولايات المتحدة اتفاق سلام مع يوسف القرمانلي، تضمّن دفع 60 ألف دولار مقابل إطلاق الأسرى الأميركيين، دون التزام بدفع أموال سنوية لاحقًا.
وبموجب هذا الاتفاق، صدرت أوامر بانسحاب القوات الأميركية من درنة فورًا، وإنهاء المهمة.
وجرى إجلاء القوات ليلًا وسط حالة من الغضب والارتباك بين المقاتلين، الذين شعروا بأنهم تُركوا دون دعم، بينما خسر حامد القرمانلي فرصته في استعادة الحكم.
إيتون يعود بخلافات مع الإدارة الأميركية
عاد ويليام إيتون إلى الولايات المتحدة واستُقبل كبطل، لكنه ظل يشعر بأن ما تحقق من إنجاز عسكري لم يكتمل سياسيًا، ودخل في خلافات مع الإدارة الأميركية، وانتقد قرار إنهاء الحرب.
وكما يوضح الدكتور علي عبداللطيف حميدة في هذا الفيلم الوثائقي، فإن حرب طرابلس لم تكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل كانت بداية لظهور الولايات المتحدة كقوة تتحرك خارج حدودها، وأول احتكاك مباشر بينها وبين المنطقة.
وعلى الرغم من أن الحرب انتهت بتسوية أطلقت الأسرى، وحققت بعض أهداف واشنطن، فإنها لم تحقق هدف تغيير الحكم في طرابلس، لتبقى مثالًا مبكرًا على صراع يجمع بين القوة والسياسة، ونتائجه ليست دائمًا حاسمة بشكل كامل.
فيلم معركة طرابلس
يبقى أن نلفت إلى أن الفيلم الوثائقي جرى تنفيذه عام 2005، وهو من إخراج السيدة كيم هوكنز، وأذيع على قناة التاريخ أن لأميركية «منتج الفيلم» وحصد مشاهدات كثيرة، وقد شارك أستاذ العلوم السياسية د. علي عبداللطيف حميدة مع مؤرخي البحرية الأميركية في إخراجه إلى النور.
وشارك في تقديم المعلومات عن تلك المعركة في الفيلم بعض المتخصصين مثل الأستاذ بجامعة «نيو إنجلاند» أنور ماجد، والمؤرخ البحري فريدريك سي لينر، ومدير الجمعية التاريخية لولاية ماساتشوستس وليام فاولر، والمؤرخان ويليان وايت، وجوزيف ويلان.
ما حكاية السفينة TRIPOLI؟
يشار إلى أن إحدى السفن البحرية الأميركية التي تحاصر الموانئ الإيرانية حاليا تحمل اسم طرابلس، وهي السفينة ( USS TRIPOLI LHA -7 )، وهو الاسم الذي أطلق عليها تخليدا للانتصار في معركة درنة (من المنظور الأميركي) خلال الحرب على طرابلس، مع أن معركة درنة انتهت بفشل الحملة الأميركية واضطر جيفرسون لتوقيع اتفاق سلام مع يوسف القرمانلي كي يسترد الأسرى الأميركيين.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة