آخر الأخبار

أرقام وطنية مزورة للبيع | الجريمة ما زالت مستمرة.. كيف نواجهها؟

شارك
مصدر الصورة
مقر مصلحة الأحوال المدنية التابعة لوزارة الداخلية, (أرشيفية: الإنترنت)

صدق أو لا تصدق، جريمة تزوير الأرقام الوطنية ما زالت مستمرة، وأصبح لها تسعيرة متغيرة بعشرات الآلاف من الدنانير، يدفعها الأجنبي الوافد ليتمتع هو وأسرته بمزايا المواطنة، فيكون له استحقاق انتخابي، ويشارك الأسر الليبية في المنح المالية المخصصة لها، بل ويحصل على وظيفة عامة، حتى وصلت في إحدى الحالات إلى رئاسة مجلس إدارة شركة وطنية، والانتساب لجهاز الأمن الداخلي.

مصدر الصورة مصدر الصورة

ولم يقتصر تزوير الأرقام الوطنية لمصلحة الأجانب، بل استفاد منه مواطنون أيضا، إذ سعى ليبي محكوم عليه بالإعدام إلى الإفلات من القصاص باستخراج رقم وطني مزور في العام 2012 بمساعدة موظف بالسجل المدني في هون.

أما عن حالات التزوير فهي صارخة، وأرقامها مفزعة، حيث وصلت رسميا إلى أكثر من 88 ألف رقم وطني غير صحيح، وتبين أن 63 ألفا و900 منها لا وجود لها في منظومة السجل المدني، حسب بيان للنائب العام، المستشار الصديق الصور، في 17 أغسطس 2022. وقبلها بعام، تحدث عضو مجلس النواب طلال الميهوب عن رقم الـ«700 ألف رقم وطني مزور».

ومنذ بداية العام الجاري وحتى أبريل الجاري، جرى ضبط نحو 1703 حالات تزوير في الأرقام الوطنية في مختلف المناطق الليبية، حسب رصد أجرته «الوسط» لعشرات الأخبار المنشورة على موقعها الإلكتروني.

وتُظهر تفاصيل حالات التزوير فداحة الظاهرة وغرابة أحداثها، ومدى تغلغلها داخل المجتمع، حيث لم تترك لا شرق ولا غرب، فهذا مواطن يبيع رقم شقيقه المعاق لوافد انتحل صفة طبيب، ومارس المهنة بشهادة مزورة، وآخر حصل على وظيفة بالضمان الاجتماعي، بل ووظف ابنه في شركة الزويتينة للنفط، وهذا موظف سجل مدني ساعد بالتزوير وافدا على تقلد وظيفة عامة في أمانة اللجنة الشعبية العامة للمواصلات والنقل البحري العام 1985، ثم الانتساب إلى جهاز الأمن الداخلي العام 2018.

- حبس موظف بمصلحة الأحوال المدنية في غريان بتهمة تزوير 269 رقما وطنيا
لجنة الدفاع بـ«النواب» تحذر من التلاعب بالسجلات الرسمية لحصول أجانب على أرقام وطنية
الصور: نحو 29 ألف شخص استفادوا الملايين من منحة أرباب الأسر بالتزوير

تسعيرة للأرقام الوطنية المزورة
توزعت حالات التزوير الـ1703 المرصودة بواقع 739 حالة خلال يناير، و255 في فبراير، و709 في أبريل، بينما لم تصدر أي بيانات خلال مارس، علمًا بأن هذه الأرقام لا تشمل وقائع لم يُذكر فيها عدد المستفيدين من حالات التزوير.

ويكشف الرصد وجود ما يشبه الـ«تسعيرة» للأرقام الوطنية المزورة، التي تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ شهدت العاصمة طرابلس أعلى سعر، بلغ 70 ألف دينار، وكانت بنغازي الأقل بـ150 دينارًا عندما حصل وافد على أرقام وطنيه له ولأربعة من أولاده في العام 1996، بينما بيعت الأرقام الوطنية بـ25 ألف دينار في بني وليد، وستة آلاف دينار بطبرق، وثلاثة آلاف في مسلاتة، وستمئة دينار بسبها.

وكانت منحة «أرباب الأسر»، المعروفة بـ«منحة الزوجة والأبناء»، المحرك الأبرز للظاهرة، بعد أن تمكن بعض الموظفين والوسطاء من التلاعب بالبيانات مقابل مكاسب مالية. وتقدم المنحة 100 دينار شهريا للأبناء دون 18 عاما، ومبلغا مماثلا للبنات فوق 18 عاما، و150 دينارا للزوجة غير العاملة.

وافدون يتقلدون وظائف عامة ويشاركون في الانتخابات
في النصف الأول من الشهر الجاري، أصدر مكتب النائب العام ستة بيانات احتوت على وقائع تزوير في قيود عائلية، مكنت الحصول على 739 رقما وطنيا مزورا، وتوزعت على مكاتب السجل المدني في زليتن وطبرق وترهونة ومصراتة وطرابلس والبيضاء.

ووقعت أبرز حالات التزوير في العاصمة خلال أبريل الجاري، إذ تقلد أجنبي وظيفة عامة، وشارك في استحقاقات انتخابية، واستخرج 19 رقما وطنيا لأفراد أسرته، مكنتهم من الحصول على منح مالية بالنقد الأجنبي مخصصة لأرباب الأسر الليبية .

وأوصل التزوير وافدا لرئاسة مجلس إدارة شركة النقل السريع، بعد حصوله على أرقام وطنية له ولخمسة من أفراد أسرته، واستحصل على 3900 دولار من النقد الأجنبي المخصص لأرباب الأسر، و19 ألف دينار من المنح المخصصة لليبيين، ومنافع نقدية للمضمونين بموجب تشريعات الضمات الاجتماعي.

وطيلة فبراير الماضي، لم تصدر سوى ستة بيانات كشفت تزوير قيود عائلية مكنت 255 أجنبيا من الحصول على أرقام وطنية من مكاتب السجل المدني في درنة وطرابلس وجالو وطبرق والبيضاء ومسلاتة، وكان أبرزها تقلد وافد وظيفة في الضمان الاجتماعي على مدى عشرة أعوام، وتوظيفه ابنه في شركة الزويتينة للنفط، بينما تقلد وافد آخر وظيفة عامة في أمانة اللجنة الشعبية العامة للمواصلات والنقل البحري العام 1985، ثم انتسب إلى جهاز الأمن الداخلي العام 2018.

وقد توزعت وقائع التزوير المسجلة خلال يناير الماضي، البالغة 709 أرقام وطنية، على مكاتب السجل المدني في جادو وتيجي والقواسم والمعمورة وطبرق ومصراتة وطبرابلس وأوباري والمرج وبنغازي وغدامس وسيناون والشعوراء وماترس والقبة ودرنة وأوباري وهون وسوكنة.

ووثقت البيانات استفادة أصحاب 21 رقما وطنيا مزورا في القواسم من 84 ألف دولار من النقد الأجنبي، بالإضافة إلى حصول مواطن من مصراتة على 33 ألفا و400 دولار من مخصصات الأسر الليبية، بعد تزويره ورقة عائلية لزوجتيه المصرية والتونسية.

ولا يقتصر التزوير في الأرقام الوطنية على الأجانب، بل شارك فيه ليبيون، إذ أقدم ليبي محكوم بالإعدام في جريمة قتل، وقعت العام 2011، على استخراج رقم وطني مزور في العام 2012 بمساعدة موظف بالسجل المدني في هون، للإفلات من القصاص.

وأغرت الأموال مواطنا، فباع الرقم الوطني لشقيقه المعاق إلى وافد مقابل عشرة آلاف دينار في بنغازي، ولم يكتف الأجنبي بذلك، بل انتحل صفة طبيب باطنة، ومارس المهنة بشهادات مزورة.

نظرة تاريخية لأزمة مستمرة
لا يُعرف حتى اللحظة العدد الدقيق لحالات التزوير في الأرقام الوطنية، فبينما غال البعض مؤكدين تسجيل 700 ألف رقم وطني مزور، وذهب آخرون إلى وجود نحو مليون رقم مزور، نفى الرئيس السابق لمصلحة الأحوال المدنية محمد بالتمر هذه الادعاءات.

وقال في حوار مع قناة «الوسط» بديسمبر 2020: «هذا رقم مبالغ فيه جدا، ولا يوجد حتى نصفه. لو كان هناك مليون رقم مزور، فهذا معناه أننا نتحدث عن 200 ألف أسرة -بحساب أن الأسرة مكونة من خمسة أشخاص- بينما لا توجد لدينا 200 ألف أسرة في أي مكتب». ووفقا له، فإن تقييمات المصلحة لمنظومة الرقم القومي لم ترصد أي فجوة تثير الريبة خلال أي سنة، خصوصا في مراجعات الأعوام من 2012 إلى 2019.

وفي حين أقر بوجود أخطاء وتلاعبات في المنظومة، أكد بالتمر أنها «فردية»، مرجعا غالبيتها إلى غياب المركزية الذي يغلب على الأحوال المدنية منذ نشأتها في سبعينات القرن الماضي، إذ كانت الأحوال المدنية تعمل كمكاتب منفصلة تتبع البلديات، وليست إدارة مركزية في عهد الملكية، ثم جزء كبير من فترة نظام العقيد معمر القذافي، ولم توحد وتعمل تحت شعار واحد إلا بالقرار رقم «115» الصادر العام 1998.

أرقام مفزعة ونزيف مالي مستمر
مع ذلك، كشفت تحقيقات أجرتها النيابة العامة في منظومة الرقم الوطني، وأعلن نتائجها النائب العام الصديق الصور في 17 أغسطس 2022، 88 ألفًا و819 رقمًا وطنيا غير صحيح، استفاد أصحابها من نحو 208 ملايين دينار. ووثقت التحقيقات 63 ألفًا و986 رقما مزورا لا وجود لها بمنظومة السجل المدني، بالإضافة إلى منح 48 ألف رقمي وطني لغير الليبيين.

ورصدت التحقيقات تقاضي 8 آلاف و690 مواطنا رواتب بأرقام وطنية مزورة وغير موجودة بمنظومة الأحوال المدنية، واستفادة 23 ألفا من منحة علاوة الأبناء بقيمة سبعة ملايين دينار خلال ثلاثة أشهر دون التقييد بمنظومة الأحوال المدنية، وحصول ألفين و534 شخصا على منحة من منظومة الأغراض الشخصية بقيمة تجاوزت 98 مليون دينار دون التقييد بمنظومة الأحوال المدنية.

وأظهرت التحقيقات كذلك أن 29 ألفا و198 شخصا حصلوا على 14 مليونا و599 ألف دينار من منحة أرباب الأسر عبر تقديم مستندات وأرقام وطنية مزورة، بينما تحصل 17 ألفا و472 شخصا على جوازت سفر بأرقام وطنية غير صحيحة.

تزوير البطاقات الانتخابية
كما كشفت التحقيقات كذلك وجود 3 آلاف و829 بطاقة انتخابية مزورة في الانتخابات التي كانت من المفترض أن تجري نهاية العام 2021. كما رصدت 15 ألف بطاقة انتخابية مزورة خلال انتخابات المؤتمر الوطني في العام 2012.

أما عن جنسيات مزوري الأرقام الوطنية، فقال وزير الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عماد الطرابلسي، في يوليو 2024، إن معظم حالات التزوير الواقعة في ملف الرقم الوطني هي لأشخاص يحملون جنسيات أفريقية وشرق آسيوية، معقبا: «هذا الملف شائك جدًا».

جهود لسد ثغرات الأحوال المدنية.. فهل تكفي؟
بدأت تحقيقات النيابة العامة في منظومة الأحوال المدنية منذ العام 2017. ومع استمرار اكتشاف عمليات تزوير واسعة في الأرقام الوطنية، أعلن النائب العام الصديق الصور، في 10 مايو 2023، تشكيل لجان برئاسة 160 عضو نيابة على مستوى ليبيا، لفحص منظومة السجل المدني بمصلحة الأحوال المدنية.

وتضم هذه اللجان في عضويتها ضباطًا من مصلحة الأحوال المدنية وجهاز البحث الجنائي، لفحص منظومة السجل المدني ومضاهاتها بالأوراق الرسمية. كما أكد النائب العام «شطب عشرات الآلاف من الأرقام الوطنية، وهو ما جنَّب الدولة خسائر مالية كبيرة، حيث كانت تصرف لأصحابها أموالًا ورواتب ومنحا وجوازات سفر، وتسببت في الإخلال بالثقة في الجهات العامة والدولة»، مشيرًا إلى أن لدى النيابة العامة مئات أو آلاف القيود التي يشتبه بكونها مزورة.

وانضمت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» إلى جهود مكافحة التزوير في الأرقام الوطنية، إذ أعلن وزير الداخلية المكلف، في 17 مايو 2023، بدء الوزارة في مشروع مطابقة منظومة ‏الأرقام الوطنية بالسجل الورقي، بهدف كشف ‏التزوير في الأرقام الوطنية والجنسيات، وذلك بالتعاون مع ‏مكتب النائب العام.

‎وأشار الطرابلسي إلى اعتماد مشروعات عدة، أهمها ‏تنفيذ منظومة إصدار بطاقة الهوية الإلكترونية، وجواز ‏السفر الإلكتروني، مضيفا أنهم سيصممون 25 ألف ‏جواز سفر إلكتروني يوميا، ولافتا إلى أنه سيجرى إنشاء ‏مركزين للسجل الوطني، أحدهما بطرابلس والآخر في ‏مكان سري، يُلجأ إليه في حالات التزوير، حسب قوله‎.‎

وفي 18 ديسمبر 2025، أعلن مكتب النائب العام مراجعة شاملة لبيانات الأحوال المدنية، وبحث ‏مقترحات إنشاء نظام إلكتروني محكم لحماية البيانات، مثمنا ‏جهود مصلحة الأحوال المدنية في تصحيح المعلومات ‏المزورة بالتوازي مع استمرار التحقيقات، وملاحقة جميع ‏المتورطين دون استثناء‎.‎

وبالتأكيد، جنبت جهود النيابة العامة الدولة خسائر بالملايين، لكن هل تكفي هذه الجهود وحدها في وقف النزيف المالي وحماية البلاد وأمنها من تسلل الأجانب وتغيير تركيبتها السكانية وتهديد نزاهة انتخاباتها؟ الإجابة: ننتظرها من مجلسي النواب والدولة، وقبلهما وزارة الداخلية ومصلحة الأحوال المدنية، فاستمرار اكتشاف وقائع تزوير جديدة بأعداد كبيرة يؤكد أن الملاحقات القضائية وحدها غير كافية لسد الثغرات في منظومة السجل المدني، وما لم تتحول المواجهة من مجرد مطاردة حالات التزوير إلى مشروع وطني متكامل، فإن الجريمة سوف تبقى الجريمة مستمرة.

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا