بعد ثلاث سنوات من بدء الحرب في السودان، لجأ ما بين 40 ألفًا و60 ألف مواطن سوداني إلى الكفرة، وهي بوابة ليبية تقع في قلب الصحراء، حيث يحظون هناك باستقبال أفضل من المهاجرين من مختلف الجنسيات.
وأكدت جريدة «لوفيغارو» الفرنسية في استطلاع نشرته اليوم الخميس حول اللاجئين السودانيين أن مدينة الكفرة الواقعة في قلب الصحراء، وباعتبارها أول مدينة يمكن الوصول إليها بعد عبور الحدود المصرية والسودانية والتشادية، فقد استضافت عشرات الآلاف من المهاجرين منذ اندلاع الحرب في السودان قبل ثلاث سنوات، وسط معاملة خاصة مقارنة بالمهاجرين من جنسيات أفريقية أخرى.
وقد عانت هذه المدينة الصغيرة، التي يبلغ عدد سكانها 60 ألف نسمة، من صراعات طويلة الأمد بين قبائلها المختلفة، وهي الآن بصدد إعادة الإعمار.
اللاجئون السودانيون في ليبيا
بحسب أحدث تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تسببت الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع شبه العسكرية منذ 15 أبريل 2023 في نزوح 11,597,588 سودانيًا. من بين هؤلاء، فرّ أكثر من 3.5 مليون لاجئ من بلادهم، من بينهم 554,000 إلى ليبيا التي تُعد من بين الدول الثلاث الأكثر استقبالًا للنازحين، إلى جانب تشاد ومصر.
ويُعتقد أن ما بين 40 ألفًا (بحسب المفوضية) و60 ألفًا (بحسب بلدية الكفرة) سودانيين موجودون حاليًا في الكفرة. ويصعب التحقق من هذه الأرقام نظرًا لحركة النزوح نحو المدن الساحلية واتساع رقعة الصحراء الحدودية.
- تعهدات دعم للسودان بقيمة تتجاوز 1.3 مليار يورو في مؤتمر برلين
- مسؤول أممي يحذر من ارتفاع معدلات الفقر المدقع في السودان بسبب استمرار الحرب
- المنفي يجدد التزام ليبيا بدعم السودان وتعزيز التعاون المشترك بين البلدين
وحسب الجريدة الفرنسية، في الكفرة، ينتشر السودانيون في كل مكان: عمال المستودعات، وموظفو الاستقبال، والنادلون، والمعلمون، والعمال.. يجلسون في مجموعات عند الدوّارات بانتظار توظيفهم ليوم واحد.
أطباء سودانيون في الكفرة
هذا هو حال مرسين، البالغ 35 عامًا. فرّ من الفاشر، حيث أُدينت قوات الدعم السريع بارتكاب «إبادة جماعية»، وفقًا لتقرير للأمم المتحدة نُشر في 19 فبراير، برفقة والديه وزوجته وطفليه وشقيقته. يقول صاحب المتجر السابق، الذي يعيش حياة مستقرة نسبيًا: «يعاملنا الليبيون هنا كإخوة».
يكسب ما بين ألف و1200 دينار ليبي (134 إلى 160 يورو) شهريًا، ما مكّنه من استئجار شقة في المدينة. أما أخته ثارا، فهي طبيبة في أحد مستشفيات المدينة. تعاني مدينة الكفرة، المعزولة جغرافيًا والمهمشة تاريخيًا، منذ سنوات من نقص حاد في الكوادر الطبية. ووفقًا لبلدية المدينة، فإن أكثر من 70% من الطاقم الطبي في الكفرة هم سودانيون. وأقرت ثارا: «أنا لا أشتكي، لكن الحياة ليست سهلة، ما زلنا نفتقر إلى الأطباء، ولم نتقاضَ رواتبنا منذ ثمانية أشهر».
أما آخرون فهم في وضع أكثر خطورة. فقد انتشرت ثمانية مخيمات في الكفرة، ويطلق عليها السكان الليبيون اسم «مزارع»، لأنها عبارة عن قطع أرض زراعية غير مزروعة.
وأدى إغلاق الحدود مع السودان في يوليو 2025 إلى انخفاض عدد الوافدين، حيث اضطر اللاجئون السودانيون إلى المرور عبر تشاد. ولم يتمكن من مواصلة رحلتهم إلى ليبيا إلا من يستطيع دفع نحو خمسين يورو للشخص الواحد. وفي 23 فبراير، أعلنت تشاد أيضًا إغلاق حدودها مع السودان، مما زاد من تعقيد رحلة اللاجئين.
ظروف إقامة اللاجئين السودانيين
واستعرضت «لوفيغارو» ظروف الإقامة الصعبة في المخيم، حيث تصطف أكواخ مصنوعة من الأغصان وسعف النخيل والقماش على طول الجدران التي تحدد مساحة الأرض. أما في المنتصف، فقد قام مالك الأرض بتركيب خزان مياه. وفي إحدى الزوايا، تنبعث من المراحيض المتنقلة التابعة لـ«يونيسف» رائحة كريهة.
في الجهة المقابلة، يقوم رجلان سودانيان، يتقاضيان أجرًا من منظمة «بروميير أورجنس إنترناشونال»، ببناء محطة لتنقية مياه الشرب. هذا هو آخر مشروع للمنظمة غير الحكومية الفرنسية في الكفرة؛ فقد غادرت المنظمة ليبيا في نهاية يناير، نتيجة لخفض التمويل الذي قررته إدارة دونالد ترامب.
كما يُعاني اللاجئون من نقص حاد في الأخصائيين النفسيين، في حين أنهم مروا بتجارب مؤلمة للغاية. وتزداد أهمية مسألة الرعاية لأن هذه المنظمة لا تملك رؤية واضحة لمستقبلها على المدى الطويل في الكفرة.
دعم دراسة اللاجئين السودانيين في الكفرة
على بُعد كيلومترين، في مدرسة الشهداء بالأجهر، يسود جو من البهجة. تستقبل هذه المدرسة الليبية الحكومية 900 طفل سوداني تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عامًا كل يوم بعد الظهر، بينما يقتصر دوام الأطفال الليبيين على الصباح. يعيش هؤلاء الأطفال في مخيمات أو مساكن داخل المدينة، وكذلك معلموهم الثلاثون الذين يتبعون المنهج السوداني. معظم المعلمين متطوعون، لكن الإدارة تدرس طلب الدعم المالي من أولياء الأمور القادرين.
يوضح محمد حلفي، مدرس اللغة الإنجليزية في مدرسة ليبية خاصة والمدير المتطوع للمدرسة السودانية: «المعلمون لاجئون أيضًا، وهم بحاجة إلى الطعام. من جهة أخرى، من الضروري عودة الأطفال إلى مدارسهم. بعضهم لم يطأ عتبة الفصل الدراسي منذ ثلاث سنوات»، ويناشد المنظمات الدولية: «نحن بحاجة إلى كتب ودفاتر وأقلام ووسائل نقل من المزارع إلى المدرسة».
وقد وفرت بلدية الكفرة ثلاثة مبانٍ مدرسية. وفي مكتبه، حيث تتدلى صورة ضخمة للمشير خليفة حفتر في مكان بارز، يكرر رئيس البلدية محمد عبدالرحيم بومريز: «اللاجئون ضيوفنا. لقد تلقينا أوامر من القائد الأعلى (خليفة حفتر) برعاية ضيوفنا. إنهم إخوتنا».
يعرف سكان الكفرة السودانيين منذ زمن طويل، فهم معتادون على التجارة مع جيرانهم، كما أنهم يشتركون معهم في الدين. لكن هذا ليس هو الحال دائمًا مع المهاجرين الآخرين، إذ ينتهي بهم المطاف غالبًا في مراكز الاحتجاز، ويصبحون مطاردين في شوارع الكفرة. لدرجة أن محمد حلفي يعترف قائلًا: «عندما يفقد سوداني أوراقه الثبوتية، نعقد اجتماعًا نستجوبه فيه للتأكد من أنه منا. وكثيرًا ما يحاول تشاديون انتحال صفة سودانيين».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة