أكد المبعوث الأميركي السابق إلى ليبيا، جوناثان واينر، أن التطورات المرتبطة بالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» وإيران أعادت التأكيد على الأهمية الاستراتيجية للاستقرار في ليبيا، مشيرًا إلى أن هذه الحرب تُلقي بتداعياتها على أسواق الطاقة العالمية، وتلك التداعيات دفعت بأسعار خام «برنت» إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات بحلول منتصف مارس، في ظل اضطرابات الشحن البحري، وارتفاع علاوات المخاطر، وتراجع الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما أدى إلى تركيز الاهتمام على كل برميل نفطي هامشي.
وأوضح واينر، في مقال بمعهد الشرق الأوسط، أن النفط الليبي، في هذا السياق، يكتسب أهمية استثنائية، وذلك في ظل استقراره حاليًا «بفضل ترتيبات غير رسمية»، على الرغم من «هشاشته الهيكلية»، مبينًا أن الحفاظ على هذا الإنتاج، وربما زيادته، يعتمد على وجود ترتيبات حاكمة قادرة على ضمان استمرار فتح الموانئ، وتدفق النفط عبر خطوط الأنابيب، وتوزيع الإيرادات دون التسبب في إشعال صراعات جديدة.
وأضاف أن الضغوط تتزايد على الترتيبات التي أبقت الإنتاج النفطي الليبي عند مستوى يتراوح بين 1.2 و1.3 مليون برميل يوميًا، وهو ما يعادل نحو 1% من الإمدادات العالمية، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، مشددا على أن شح السيولة بالدينار الليبي، ومحدودية الوصول إلى العملات الأجنبية، إلى جانب القيود الدورية على الوقود، باتت تؤثر بشكل متزايد على الحياة اليومية للمواطنين.
ولفت إلى أن سعر صرف الدينار الليبي يواصل التراجع مقابل العملات الصعبة اللازمة لاستيراد المواد الغذائية والوقود المكرر، موضحًا أنه منذ مطلع العام 2025 انتقل سعر الصرف الرسمي من نحو 5.6 دينار مقابل الدولار إلى ما بين 6.3 و6.4 دينار بعد تخفيضات متتالية، في حين وصل سعر السوق الموازية في بعض الأحيان إلى ما بين 9 و10 دنانير للدولار، متابعا أن هذا الوضع يزيد الضغوط على المستهلكين في بلد يعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية والوقود.
وبيّن واينر أن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي لا تمثل مجرد تشوه نقدي، بل تُعد آلية تستخدمها النخب الليبية للتلاعب بالوصول إلى موارد الدولة وتوزيعها، وتحقيق مكاسب مالية من خلال المراجحة، فضلًا عن استخدامها في التنافس على السلطة السياسية.
وأشار إلى أن هذه الديناميكيات تتجلى بشكل متزايد في احتكاكات متصاعدة بين مختلف الجهات الأمنية الفاعلة في ليبيا، موضحًا أنه رغم عدم استئناف نزاع واسع النطاق حتى الآن، فإن الجماعات المسلحة المرتبطة بمؤسسات الدولة عادت للتنافس على المواقع، لا سيما فيما يتعلق بالوصول إلى تدفقات الإيرادات، وتوزيع الوقود، والسيطرة على الأراضي.
وأضاف أن التاريخ الليبي الحديث يُظهر أن مثل هذه الأنماط غالبًا ما تمهّد الطريق لمواجهات أكثر وضوحًا واتساعًا في المستقبل.
تساؤلات حول التعاقب القيادي
ورأى واينر، أنه إلى جانب احتمالية تجدد الصراع، تبرز تساؤلات مهمة بشأن مدى بقاء الشخصيات الرئيسية التي تقود هياكل السلطة في شرق ليبيا وغربها، موضحا أن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبد الحميد الدبيبة عانى خلال الأشهر الأخيرة من مشاكل صحية تم الإبلاغ عنها علنًا والإقرار بها، وأضاف أنه على الرغم من وصفها رسميًا بأنها أحداث طبية روتينية أو قابلة للاحتواء، فإن تكرارها أثار تساؤلات داخل الأوساط الليبية حول استمرارية القيادة.
وأضاف أن خليفة حفتر، الذي يهيمن على الهيكلين العسكري والسياسي في شرق ليبيا ويمتد نفوذه إلى أجزاء واسعة من الجنوب، يبلغ من العمر 82 عامًا، ولديه بدوره تاريخ من المشكلات الصحية، ما يعزز حالة الترقب بشأن مستقبل القيادة في البلاد.
واعتبر واينر أن الرجلين قد يظلان في منصبيهما خلال المستقبل المنظور، لكنه حذر من أنه في حال أصبح أي منهما غير قادر على الحكم، أو إذا تصاعدت الشكوك بين النخب الفاعلة حول قدرتهما على الاستمرار، فإن ليبيا ستجد نفسها أمام سؤال مألوف لكنه لا يزال بلا إجابة واضحة، يتمثل ليس فقط في من سيخلف، بل في كيفية إدارة عملية الخلافة في ظل غياب إطار دستوري موحد وغير متنازع عليه.
وأوضح أن المسار السياسي الليبي لا يتشكل فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل تحكمه أيضًا أنماط متطورة من السلطة الفعلية، مشيرًا إلى أن تركز السلطة في شرق ليبيا داخل عائلة حفتر أثار احتمالات انتقال منظم للسلطة قد لا يتوافق مع العمليات السياسية الرسمية، وفي المقابل، لفت إلى أن الحكم في طرابلس يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه يعتمد على دائرة ضيقة تضم أفرادًا من عائلة الدبيبة.
واستطرد أن هذه الديناميكيات لا تحسم النتائج مسبقًا، إذ قد تخضع للتفاوض أو التوافق بين الأطراف المختلفة، لكنها في الوقت ذاته تؤكد حقيقة أساسية مفادها أن مسألة التعاقب في ليبيا لن تُحسم عبر الآليات القانونية الرسمية وحدها، بل ستتطلب أي عملية مستدامة مراعاة التوازنات الفعلية للسلطة إلى جانب المتطلبات القانونية.
تحذير من تأثير الاضطرابات على إنتاج النفط
وحذر واينر من أن سوء إدارة هذا الملف لا يحمل عواقب نظرية فقط، بل يترتب عليه تداعيات ملموسة، مشيرًا إلى أن التاريخ الليبي الحديث يبين أن النزاعات حول شرعية السلطة التنفيذية سرعان ما تتحول إلى اضطرابات في إنتاج النفط، وتفكك في السلطة المالية، وصراعات على المستويين المحلي والوطني.
ولفت إلى أنه على الرغم من استقرار الإنتاج النفطي الليبي نسبيًا خلال السنوات الأخيرة، فإنه لا يزال عرضة للاضطرابات ذات الدوافع السياسية، مستشهدًا بالهجوم الذي استهدف حقل الشرارة في أواخر مارس، حيث عثرت السلطات على ذخائر روسية الصنع داخل خط أنابيب متضرر.
وأضاف أن تجارب سابقة أظهرت أن الإنتاج النفطي قد ينخفض إلى بضع مئات الآلاف من البراميل يوميًا، بل إلى مستويات أقل بكثير في بعض الأحيان، محذرًا من أن اضطرابًا بهذا الحجم قد يؤدي إلى فقدان نحو مليون برميل يوميًا من الإمدادات العالمية، في وقت لا يستطيع فيه الاقتصاد العالمي تحمل مثل هذا النقص.
وأوضح أن أسواق النفط تتسم بحساسية هيكلية تجاه صدمات الإمدادات، لافتًا إلى أن التحليلات التاريخية تشير إلى أن اضطرابًا بنسبة 10% من الإمدادات العالمية قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 35 و40%، نتيجة محدودية مرونة العرض والطلب على المدى القصير. وأضاف أنه في الظروف العادية، فإن انخفاضًا بنسبة 1% في الإمدادات يؤدي إلى زيادات محدودة في الأسعار، لكن الوضع الحالي يختلف.
وأشار إلى أن توقف الشحن التجاري فعليًا عبر مضيق هرمز، وارتفاع المخاطر في البحر الأحمر مع دخول الحوثيين في النزاع، إلى جانب الضغوط القائمة بالفعل على أسواق الطاقة، كلها عوامل تجعل أي انهيار في الإنتاج النفطي الليبي سببًا محتملًا لارتفاع كبير في الأسعار العالمية، وزيادة حدة التقلبات في الأسواق.
الإطار القانوني وحدوده
وأكد واينر، أن ليبيا تمتلك على المستوى النظري إطارًا قانونيًا ينظم عملية الانتقال التنفيذي، موضحًا أن الاتفاق السياسي الليبي الموقع العام 2015، والذي لا يزال يشكل جزءًا من البنية الدستورية للبلاد، يتضمن نصوصًا تعالج أي شغور في قمة السلطة التنفيذية. وأضاف أن المادة الرابعة من الاتفاق تنص على أنه في حال شغور منصب رئيس الوزراء «لأي سبب كان»، فإن الحكومة بأكملها تُعد مستقيلة، على أن تستمر في أداء مهام تصريف الأعمال فقط، إلى حين اختيار رئيس وزراء جديد عبر عملية تشاورية تشمل مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة باعتباره الهيئة الاستشارية المنبثقة عن الاتفاق.
- باحث: ليبيا وقعت في أيدي «دائرة صغيرة».. ولا ينبغي الاستهانة بحاكم طرابلس
- وسط تصاعد التوترات بين نجامينا والخرطوم.. التضييق على المعابر الليبية يفتح طرقًا لوجستية جديدة من الدول المجاورة للسودان
- فريق الخبراء الأممي: الأطراف الليبية و5 دول انتهكت حظر تصدير الأسلحة
- مركز «القاهرة»: القضاء في ليبيا رهينة التوازنات المحلية والمجموعات المسلحة
وأشار واينر إلى أن هذا النص غالبًا ما يُستشهد به كآلية تضمن انتقالًا منظمًا للسلطة، لكنه في الواقع العملي يُفهم بصورة مختلفة، إذ يمثل محفزًا لإعادة ضبط مؤسسية دون أن يتضمن آلية واضحة أو محددة لتنفيذه على الأرض.
ولفت إلى أن مثل هذا الوضع يفتح المجال أمام حسابات سياسية معقدة، موضحًا أن الجهات الفاعلة في طرابلس سيكون لديها دافع قوي للسيطرة على حكومة تصريف الأعمال في غرب ليبيا والحفاظ عليها، مع السعي إلى إبطاء أو تعطيل أي خطوات قد يتخذها مجلس النواب، الذي يتخذ من طبرق مقرًا له ويتماشى مع سلطات شرق البلاد، لتعيين رئيس حكومة جديد. وأضاف أن هذه الأطراف قد تلجأ إلى الطعن في قانونية أي تعيين محتمل، من خلال التأكيد على عدم استيفاء شرط التشاور مع المجلس الأعلى للدولة، ما يضعف شرعية أي خطوة من هذا النوع.
ونبه إلى أن هذا الانقسام يحمل في طياته خطر إعادة إحياء الانقسامات الحادة التي أعقبت هجوم خليفة حفتر في أبريل 2019 للسيطرة على غرب ليبيا، وهو النزاع الذي انتهى في 2020 بعد تدخل الدعم التركي الذي غيّر موازين القوى وأوقف تقدم قواته نحو طرابلس، بعد معارك أسفرت عن مقتل أكثر من 2000 ليبي.
وحذر من أن غياب آلية واضحة ومتوافق عليها لانتقال السلطة يجعل الخلافات الإجرائية مرشحة للتحول إلى صراعات أوسع على النفوذ داخل الهياكل السياسية والأمنية المتنافسة، بدلًا من أن تبقى ضمن إطار قانوني منظم.
مسارات متوازية
وفي سياق متصل، سجل واينر استمرار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى الحد من التشرذم في ليبيا عبر ترتيبات تفاوضية بين الفاعلين السياسيين والأمنيين. وأوضح أن الأمم المتحدة تواصل الضغط من أجل تنفيذ خارطة طريقها السياسية المتعثرة منذ فترة طويلة، والتي تهدف إلى إجراء انتخابات، في حين يركز المسار المرتبط بالمبعوث الأميركي الخاص مسعود بولس على توحيد السلطة التنفيذية من خلال توزيع الحقائب الوزارية بين سلطات الشرق والغرب كآلية لتحقيق الاستقرار.
وأشار إلى أن هذه الجهود تعكس إدراكًا عمليًا بضرورة استيعاب مراكز القوى الرئيسية في ليبيا ضمن أي ترتيب دائم، موضحًا أنها قد توفر مخرجًا لتهدئة الأوضاع على المدى القريب، لكنه شدد على أن فاعليتها على الأرض تبقى مرهونة بمدى ارتباطها بالإطار المؤسسي الرسمي للدولة.
ونبه إلى أن الاتفاق السياسي الليبي لا يمنح شرعية لصفقات تنفيذية ثنائية كبديل عن العملية التشاورية التي تشمل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، محذرًا من أن أي ترتيبات تتجاوز هاتين المؤسستين قد تفتقر إلى الأساس القانوني والسياسي اللازم للاستمرار.
وأضاف أن غياب اللجوء إلى آليات منصوص عليها في الاتفاق، مثل المادة 64 التي تتيح إطلاق حوار سياسي أوسع في ظروف معينة، قد يجعل أي تفاهمات تنفيذية محدودة غير قادرة على معالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بشرعية السلطة.
وشدد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قدرة هذه الترتيبات على تحقيق قدر من الاستقرار الموقت، بل في مدى إمكان دمجها ضمن عملية معترف بها قانونيًا ومقبولة من المؤسسات الرسمية، خاصة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مشددًا على أن تجاوز دور هذه المؤسسات عبر اتفاقات تنفيذية ضيقة قد يجعل أي نتائج عرضة للانهيار قانونيًا وسياسيًا.
خطر الأحادية
وحذر واينر من أن الخطر المؤسسي الأكثر إلحاحًا يتمثل في احتمال إقدام مجلس النواب، برئاسة عقيلة صالح، على تعيين رئيس وزراء جديد بشكل منفرد، كما حاول في السابق. وأوضح أن المجلس، الذي يتخذ من طبرق مقرًا له، لا يزال يمتلك مبررًا قانونيًا للقيام بذلك استنادًا إلى قانون العمل السياسي، إضافة إلى قاعدة سياسية تدعمه في تكرار هذه الخطوة.
ولفت إلى أن مثل هذا التحرك من المرجح أن يواجه رفضًا في طرابلس ومن قبل القوى الرئيسية في غرب ليبيا، كما حدث في المحاولات السابقة، مؤكدًا أن النتيجة لن تكون حلًا للأزمة، بل عودة إلى مشهد السلطات التنفيذية المتوازية، حيث يدّعي كل طرف الشرعية.
وبيّن أن السيطرة على الوزارات والمؤسسات المالية والبنية التحتية للطاقة ستتحول إلى موضع صراع، ما يهدد بشكل مباشر استمرارية الإنتاج النفطي والتصدير، اللذين يعتمدان على تنسيق بين مؤسسات تمتد عبر الانقسام الجغرافي في البلاد، ما يجعل هذه العمليات عرضة للتعطيل مجددًا.
ونبه إلى أن هذا الوضع يمثل السيناريو الذي كان من المفترض أن تتجنبه المادة الرابعة من الاتفاق السياسي الليبي، لكنه قد يتحقق بشكل غير مقصود في ظل الظروف الحالية.
الدعوة إلى عملية منظمة
وفي هذا السياق، دعا واينر إلى ضرورة التعامل مع المادة الرابعة ليس كنص قانوني قادر على التنفيذ الذاتي، بل كإطار يتطلب توافقًا على آليات تطبيقه. وشدد على أن الهدف الأساسي يجب أن يتمثل في تحويل أي شغور محتمل في السلطة إلى عملية انتقال خاضعة للرقابة ومحددة زمنيًا، تضمن الاستمرارية وتفتح المجال أمام خلافة شرعية.
وأشار إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب عددًا من العناصر الأساسية، أولها وضع بروتوكول واضح ومتفق عليه لتحديد حالات الشغور أو عدم الأهلية. وأوضح أن المادة الرابعة لا تتناول هذه النقطة، ما يستدعي حسمها سياسيًا بدلًا من تركها للنزاعات القانونية في لحظة الأزمة. وأشار إلى أن الحل العملي قد يشمل مزيجًا من التقييم الطبي، وإقرار من المجلس الرئاسي بصفته رأس الدولة الجماعي، وإخطار رسمي من مجلس النواب، إلى جانب تواصل فوري مع المجلس الأعلى للدولة والأمم المتحدة.
ولفت إلى أن العنصر الثاني يتمثل في الانتقال الفوري إلى حكومة تصريف أعمال ذات صلاحيات محدودة بشكل صارم، بحيث تقتصر مهامها على الوظائف الأساسية فقط. وأضاف أنه يمكن تكليف أحد نواب رئيس الوزراء الحاليين بمهام القائم بالأعمال، على أن تكون صلاحياته محددة بوضوح، دون إجراء تعيينات أمنية كبرى، أو الدخول في التزامات مالية أو طاقوية طويلة الأجل، أو تنفيذ تغييرات هيكلية في مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن تضييق نطاق هذه الصلاحيات يقلل من فرص التنافس عليها.
وأشار إلى أن العنصر الثالث يتمثل في إطلاق عملية اختيار مشتركة ومحددة زمنيًا، تستند إلى متطلبات الاتفاق السياسي الليبي بشأن التشاور بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. وأوضح أن لجنة مشتركة صغيرة، تعمل وفق معايير وجدول زمني متفق عليه، يمكنها إعداد قائمة مختصرة من المرشحين لرئاسة الحكومة، بما يفرض نوعًا من التقارب أو على الأقل يضمن تفاوضًا منظمًا بدلًا من التعيين الأحادي.
وأضاف أن العنصر الرابع يتعلق بدور المجلس الرئاسي وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، موضحًا أن دورهما يجب أن يكون مرئيًا ولكن محدودًا. وأكد أنه على الرغم من عدم قدرتهما على فرض حلول، إلا أنهما يستطيعان المساهمة في هيكلة العملية، حيث يمكن للمجلس الرئاسي أن يعمل كضامن للاستمرارية، بينما توفر الأمم المتحدة الدعم الإجرائي وتعزز معايير الشرعية.
وشدد على أهمية وجود آلية احتياطية في حال الوصول إلى طريق مسدود، موضحًا أنه إذا فشلت عملية التشاور بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، يمكن اللجوء إلى حوار سياسي محدود النطاق، يستند إلى أطر الأمم المتحدة وربما إلى المادة 64 من الاتفاق السياسي، بهدف حل الخلاف حول تشكيل السلطة التنفيذية.
وأكد أن هذه الخطوات من غير المرجح أن تنشأ تلقائيًا من داخل المشهد السياسي الليبي، بل تتطلب توافقًا دوليًا وتيسيرًا نشطًا، مشيرًا إلى ضرورة إعادة انخراط الأطراف الأوروبية والإقليمية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لدعم مسار تقوده الأمم المتحدة باستخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي.
ونوه بأن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تظل الإطار الوحيد القادر على تنظيم مثل هذه العملية، لكنها لن تنجح دون دعم منسق من الأطراف الدولية، مضيفًا أن أهمية هذه الجهود لا تكمن فقط في التوصل إلى اتفاق قبل وقوع الأزمة، بل في التحضير المسبق لها، من خلال تحديد آليات الانتقال وتوضيح أدوار المؤسسات الرئيسية، وعلى رأسها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
وحذر من أنه في غياب هذا الإعداد المسبق، فإن أي عملية تعاقب محتملة ستخضع لمنافسة حادة على الأرض، بدلًا من أن تجري وفق مسار متفق عليه، ما يزيد من مخاطر الانقسام.
الاستنتاج
وفي نهاية تحليله، شدد واينر على أن ليبيا لا تواجه أزمة تعاقب وشيكة، لكنها تقف أمام احتمال أزمة في ظل ظروف استثنائية ترتفع فيها مستويات المخاطر. وأوضح أن تداخل عوامل مثل عدم اليقين بشأن القيادة، والغموض القانوني، والضغوط الاقتصادية، والتوترات الجيوسياسية، يخلق نافذة ضيقة يمكن أن يحدد فيها الاستعداد المسبق مسار الأحداث بين انتقال منظم أو عودة إلى الانقسام.
وأشار إلى أن المادة الرابعة من الاتفاق السياسي الليبي توفر نقطة انطلاق، لكنها غير كافية بمفردها، مؤكدًا أن وجود إطار تنفيذي عملي ومدروس، يربط بين الجهود الدبلوماسية الدولية والمتطلبات المؤسسية الليبية، يمكن أن يمكّن الاتفاق من أداء دوره الأساسي.
واختتم بالتأكيد على أن الهدف ليس تحديد من سيحكم ليبيا في المرحلة المقبلة، بل ضمان أن يجري حسم هذا السؤال بطريقة لا تؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة