قال تقرير لجنة الخبراء التابع للأمم المتحدة إن المجموعات المسلحة أصبحت هي الفاعل الرئيسي الذي يشكل نتائج الحكم في الدولة الليبية من خلال أساليب قسرية تشبه «تكتيكات الكارتلات»، تمكنت من خلال العمل عبر جبهات سياسية من التغلغل في المؤسسات الليبية، مستغلة أساليب العنف المسلح والتدخل السياسي والضغط الاقتصادي.
وذكر التقرير، الذي حصلت «بوابة الوسط» على نسخة منه، أن المجموعات المسلحة، من خلال توظيف العنف، وفرت مظلة من الحصانة لمجموعة من الأفراد قادرة على توليد تدفقات متنامية من الإيرادات. نتيجة لذلك، اضطرت جميع المؤسسات ذات الصلة إلى العمل في ظل بيئة تحمي وتمكن المجموعات المسلحة من تعزيز مصالحها وترسيخ نفوذها في كامل أرجاء الدولة، في حين أصبحت جميع آليات المحاسبة غير فعالة.
الحصانة والإفلات من العقاب
ورأى تقرير لجنة الخبراء، الذي يغطي الفترة بين 26 أكتوبر العام 2024 حتى 14 فبراير 2026، أن التطورات التي تلت أحداث مايو العام 2025 في العاصمة طرابلس تفضح ليس فقط ما وصفه بـ«حالة الإفلات التام من العقاب» الذي تتمتع به المجموعات المسلحة؛ بل تعكس أيضا «أكبر محاولة لإعادة تنظيم وهيكلة المجموعات المسلحة في طرابلس» منذ أغسطس العام 2022.
- صراع سياسي وأمني وحقوقي في ليبيا بلا أفق للحل
- تحليل لمجموعة الأزمات الدولية: تهريب الوقود الليبي أصبح عمودا حيويا للنظام السياسي
وأشار في الوقت نفسه إلى «انتهاء قوات القيادة العامة من إعادة هيكلة تواجدها في جنوب ليبيا لممارسة القدر الأكبر من السيطرة على مسارات التهريب».
بيئة خصبة للمجموعات الإرهابية
ونبه التقرير من تحول ليبيا بشكل متزايد إلى بيئة تشغيلية رئيسية للمجموعات الإرهابية والشبكات الإجرامية الإقليمية. وقال إنه في جنوب ليبيا، خلق وجود الجماعات المرتبطة بالإرهاب، إلى جانب استمرارها في التجنيد وأنشطتها المدرة للدخل، مخاطر أمنية كامنة. وقد أسهم وجودها في تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي الأوسع، كما أنها رسخت كلًا من النظم الإجرامية والإرهابية، التي أصبحت مترابطة ترابطا وثيقا.
وقال إن «استخدام الأراضي الليبية من قبل كتيبة سبل السلام التابعة للقيادة العامة لتسهيل عبور وحركة المقاتلين والأسلحة والمعدات العسكرية عبر الحدود، عزز دور ليبيا كمركز لوجستي وتشغيلي إقليمي، مما يخلق تداعيات مباشرة على الأمن الداخلي».
تعطيل الانتخابات المحلية
في سياق متصل، وجه تقرير لجنة الخبراء اتهامات للمجموعات المسلحة بتحمل مسؤولية مباشرة لبعض الحوادث التي عطلت وقوضت انتخابات المجالس البلدية، بما في ذلك الإغلاق القسري لمراكز الاقتراع، ومصادرة بطاقات الناخبين وصناديق الاقتراع، وتهديد موظفي الانتخابات، والإغلاق القسري لمكاتب اللجنة الوطنية العليا للانتخابات والهجمات المباشرة عليها.
وشملت هذه الأعمال تهديدات واعتقالات للمرشحين وعائلاتهم غير المنتسبين إلى الجهة المسلحة المحلية المسيطرة، مما أجبر بعض المرشحين على الانسحاب والانتقال خارج بلدياتهم.
كما وجدت اللجنة أن المجموعات المسلحة في غرب وشرق ليبيا مسؤولة عن «انتهاكات ممنهجة للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة، والحرمان من المحاكمة العادلة».
انتهاك حظر التسليح
ومنذ العام 2022، نفذ قادة جماعات مسلحة من الغرب والشرق اتفاقية ثنائية ذات منفعة متبادلة، مكنتهم من الالتفاف على حظر الأسلحة. وقد أعاق تنفيذ الحظر وسائل النقل الخاضعة للسيطرة المباشرة للجماعات المسلحة، والاعتماد على التهريب كاستراتيجية توريد من قبل «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» و«القيادة العامة».
وكشف التقرير أيضا عن تهريب أنواع مختلفة من المعدات العسكرية والمدنية ذات الاستخدام المزدوج إلى داخل ليبيا مما أسهم في تنويع ترسانة التسليح للمجموعات المسلحة. وقد مكنت قنوات شراء تلك المعدات غير المباشرة وانخفاض الرقابة التنظيمية الجماعات المسلحة من الحصول على هذه المعدات كعوامل مضاعفة للقوة.
الصادرات النفطية غير المشروعة
وتطرق تقرير لجنة الخبراء إلى ممارسات تهريب المنتجات النفطية بطرق غير مشروعة، وقال إن حجم الصادرات البترولية غير المشروعة، سواء كانت خام النفط أو المنتجات المكررة، سجلت مستويات غير مسبوقة خلال الفترة التي شملها التقرير.
وتحدث التقرير عما وصفه بـ«تورط مباشر لكل من إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر، وكلاهما وفرا مظلة من الحصانة لمجموعة من الأفراد أفقدت المؤسسة الوطنية للنفط قدرتها على حماية مصالح الدولة الليبية».
نتيجة لذلك، بحسب التقرير، أصبح قطاع النفط والوقود في ليبيا يتسم بنظام من الإفلات من العقاب، حيث يجري التصديق على معاملات التصدير والتوريد وعقود الخدمات لصالح شبكات متنافسة تتبع التشكيلات المسلحة.
ومن أبرز نتائج هذا النظام شركة «أركينو» للنفط، التي استُخدمت كحصان طروادة لتحويل أكثر من 3 مليارات دولار بين يناير 2024 ونوفمبر 2025.
وحددت اللجنة شبكة إجرامية يقودها معين علي شرق الدين، الذي أنشأ عمليات متعددة المستويات على المستوى الدولي، قادرة على السيطرة على سلاسل التوريد وتحويل المنتجات البترولية المكررة في الموانئ وغيرها من المواقع دون عوائق أو تدخل من قبل جهات أنفاذ القانون.
كما اتسع نطاق التهريب غير المشروع للمنتجات البترولية المكررة من بنغازي إلى أجزاء أخرى في المنطقة الشرقية، مما يهدد توافر تلك المنتجات. وفي حين جرى إنشاء بنية تحتية جديدة للتصدير في القطاعات التجارية من موانئ بنغازي ورأس لانوف وطبرق، إلا أنها برزت كـ«أسواق رمادية» للصادرات غير المشروعة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة