أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عن تعديل وزاري شمل عدة حقائب، في وقت تشهد فيه البلاد أزمة سياسية واقتصادية خانقة تؤثر على حياة المواطنين. ورغم إدخال عدد من الوزراء الجدد، فإن التعديل يقتصر على تبديل الوجوه دون معالجة جذور الأزمات أو تقديم حلول ملموسة للمواطنين.
وشمل التعديل الوزاري عدة وزراء جدد في حقائب اقتصادية وخدمية، من أبرزهم: سهيل بوشيحة وزيرًا للاقتصاد والتجارة بدلًا من محمد الحويج، وراشد أبوغفة وزيرًا للمالية بدلًا من خالد المبروك، ومحمد الغوج وزيرًا للصحة بعد أن كان وكيلًا للوزارة، ومحمد الدبيب وزيرًا للتعليم العالي والبحث العلمي، وهيثم الزحاف وزيرًا للشباب والرياضة، وفتح الله الزني وزير دولة بالخارجية لشؤون أفريقيا، وسالم الزادمة نائبًا لرئيس مجلس الوزراء لشؤون المنطقة الجنوبية خلفًا للنائب السابق رمضان أبوجناح، وحسني عويدان وزيرًا للموارد المائية، ومحمد القريو وزيرًا للتربية والتعليم، وسالم العالم وزيرًا للثقافة والتنمية المعرفية، وجمال أبوقرين وزير دولة لشؤون المهجرين وحقوق الإنسان.
ورغم هذه التغييرات، فإن معظم الوزارات الحيوية لم تشهد أي إصلاح جوهري، ما يجعل التعديل أقرب إلى إعادة توزيع المناصب أكثر من كونه خطة إصلاحية حقيقية.
وأثار التعديل جدلًا واسعًا حول الوزارات السيادية الحساسة؛ فوزارة الدفاع ما تزال شاغرة رغم التحديات الأمنية المستمرة، ووزارة الخارجية بقيت تحت إدارة وزير مكلّف، ما يضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية على المستوى الدولي. كما بقيت وزارة الداخلية برئاسة عماد الطرابلسي رغم الانتقادات المستمرة لأدائها، مما يثير تساؤلات حول جدية الحكومة في تعزيز الأمن والاستقرار الداخلي.
كما لم يشهد ملف الخدمة المدنية أي تغيير، إذ ظل علي العابد يتولى الوزارة إلى جانب حقيبته في وزارة العمل والتأهيل، ما يعكس تراكم الصلاحيات وغياب توزيع فعلي للمهام، ويضعف فرص تحسين الخدمات الأساسية للمواطنين.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية والسياسية، يرى معارضون أن التعديل الوزاري يظل شكليًا أكثر من كونه إصلاحًا حقيقيًا؛ إذ إن تغيير الحقائب وحده لن يعالج جذور الأزمة ولن يوفر حلولًا ملموسة للمواطنين، ما يضع الحكومة أمام تحديات حقيقية تتطلب رؤية واضحة وإصلاحات مؤسسية فعلية على مستوى السياسات الاقتصادية والخدمات الأساسية.
معارضة ثم تأييد
وكان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي قد أعلن في 2 مارس الجاري رفضه للتعديل الوزاري، معتبرًا أنه لا يخضع للاتفاق السياسي والإعلان الدستوري وتعديلاته.
وتحدث المنفي، قبل أن يغيّر رأيه ويؤيد التعديل، عن أن الحكومة تتحول إلى حكومة تصريف أعمال في حال سحب الثقة منها، أو في حال حدوث شغور يمس ثلث التشكيلة الوزارية أو نصفها.
اصطفافات جديدة
أما عضو مجلس النواب عبدالمنعم العرفي فقال إن التعديلات الوزارية في حكومة الدبيبة لن تؤدي إلى تهدئة سياسية أو أي منفعة لوضع البلاد المتردي، بل ستعزز حالة التشظي والانقسام.
وأضاف العرفي في تصريح لـ الرائد أن هذه التعديلات ستخلق اصطفافات جديدة في المشهد السياسي، حيث سيدخل لاعبون جدد ويخرج آخرون، بينما قد يرفض بعضهم الخروج كما حدث مع وزيرة الثقافة.
وأشار العرفي إلى أن التعديلات لن تكون مؤشرًا على تغيير سياسات الحكومة أو أولوياتها، لأنها فاشلة منذ البداية، كما وُجّهت إلى عدد من وزرائها تهم بالفساد، وأُوقف بعضهم عن العمل، فيما ما يزال آخرون متهمين في قضايا، كان آخرها قضية الكتاب المدرسي.
تعقيد الأزمة
وفي السياق ذاته، قال عضو المجلس الأعلى للدولة منصور الحصادي إن التعديل الوزاري في الحكومة بطرابلس يمثل قفزة تزيد من تعقيد الأزمة وترسيخها، وتكرّس لمزيد من الانقسام والفوضى والفساد.
وتساءل الحصادي في منشور على منصة X: ماذا سيحدث إذا تم الطعن في هذا التغيير غير الدستوري أمام القضاء؟ وكيف سيكون موقف البعثة الأممية في ليبيا أمام ما وصفه باستمرار العبث والانقسام؟
التفاهم مع المليشيات
من جانبه رأى عضو مجلس النواب علي السباعي أن حكومة الوحدة سلكت مسارًا آخر لـ”إعادة هيبة الدولة وفرض سلطة القانون”، وذلك بإقامة الولائم والمآدب تكريمًا لقادة تلك التشكيلات التي كانت بالأمس عائقًا أمام قيام الدولة.
وأشار السباعي في منشور على فيسبوك إلى أن الحكومة قررت قبل عدة أشهر “إعادة هيبة الدولة وفرض سلطة القانون”، فحركت الأرتال حتى غصّت بها طرابلس، وقامت بعمليات عسكرية ضد “التشكيلات” التي وُصفت حينها بأنها خارجة عن القانون وتقف عائقًا أمام قيام الدولة. وأضاف أنها تخلّصت من رئيس جهاز الدعم والاستقرار، ثم صوبت فوهات مدافع أرتالها نحو “الردع”، وكادت أن تنشب حرب لا تبقي ولا تذر لولا تدخل بعض الدول لإيقافها. وتحمّس الإعلام والخطاب الديني حينها لهذه الخطوات.
وتساءل السباعي عن السبب وراء انجرار “الإعلام الديني” والخطاب الديني وراء هذه الأفعال المتناقضة، بدل أن يكون سدًا منيعًا بين وعي الناس وأفكارهم وبين تلاعب الحكومات وأصحاب القرار.
غير شفافة
من جانبه قال الناشط السياسي محمد جبريل إن التعديلات الوزارية لحكومة الدبيبة جاءت بصورة غير شفافة، بدافع البقاء في السلطة ومحاولة إيهام الشعب بوجود إصلاحات.
وأضاف جبريل في تصريح لـ الرائد أن هذه التعديلات لا تعالج جوهر الأزمة السياسية في ظل الانقسام الحالي، ولا تعدو كونها إجراءً داخليًا يشبه محاولة إحياء جسد ميت.
ولفت جبريل إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تشكيل حكومة جديدة موحدة تقود البلاد إلى الانتخابات، لا إجراء تعديلات وزارية تعرقل المسار السياسي.
ويبقى السؤال: هل تستطيع هذه الحكومة تقديم حلول حقيقية لتحسين الوضع الصحي والمعيشي والاقتصادي للمواطنين؟ وهل التعديلات الوزارية كافية لإنهاء الانقسام السياسي وتعزيز الاستقرار المؤسسي، أم أنها ستظل مجرد تغيير في الوجوه دون إصلاح حقيقي؟
المصدر:
الرائد