لا يُعد البحر مجرد امتداد جغرافي يحد مدينة بنغازي، من جهة الشمال، بل هو جزء أصيل من الذاكرة اليومية لسكانها، وحاضر بقوة في تفاصيل حياتهم، فهذه المدينة المتوسطية، التي تطل على البحر بطول ساحلي يمتد لحوالي 120 كيلومترا تقريبا، ظلت عبر تاريخها على تماسٍ دائم مع الموج والملح، ولطالما تغنّى الفنانون ببحر الشابي وبحر الصابري و«سطحاتهما»، وارتبط اسم الصابري تحديدًا بسمعة راسخة، إذ يُعرف أبناؤه بأنهم من أمهر السباحين بين سكان المدينة.
في ساعات الصباح الأولى، لا يخطئ المار مشهد الصيادين الهواة وهم يحملون سناراتهم، يجلسون لساعات طويلة أمام البحر، بعضهم بحثا عن رزق بسيط، وآخرون طلبا للهدوء أو استنشاق الهواء المشبع باليود.
على الرغم من هذا الحضور الطاغي للبحر في حياة الناس، يطرح الشريط الساحلي الممتد من قاريونس إلى سيدي خليفة مفارقة لافتة؛ إذ يخلو تقريبا من مطاعم متخصصة في تقديم الأسماك والمأكولات البحرية، على عكس مدن متوسطية أخرى مثل الإسكندرية في مصر.
هذا الواقع يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل يمتلك سكان بنغازي عادات وتقاليد خاصة بالمأكولات البحرية؟
الإجابات جاءت متباينة، تقول ريم الجريدي، المنحدرة من عائلة تسكن منطقة الصابري: يا سلام نحن سكان الصابري، بالتأكيد لدينا مأكولات بحرية متجذرة صنعتها جداتنا، وأخذتها أمهاتنا ونحن اليوم نطبخها، وسيكون «الحرايمي» هو الحاضر الأول في أعلى القائمة، وهو نوع من المأكولات البحرية الخاص بسكان ليبيا، وبالأخص بنغازي، أيضا طاجن الحوت، والحوت المقلي، والكسكسو بالحوت هذا من ضمن أفضل الوجبات لدينا.
- للاطلاع على العدد «537» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
أما أحمد الدينالي، الذي يبيع الأسماك على شاطئ البحر، وهو من سكان منطقة الصابري فيؤكد أن الحرايمي هو الأكلة الأبرز والأشهر، ويقول: المأكولات البحرية الخاصة بنا ليست قديمة، ولكن جرى ابتكارها مؤخرا، غير أنها تميزت واتخذت نكهة «البناغزة» في الأكل، فقد ابتكرنا المكرونة بالحوت، وفاصولياء بالسيبيا، ومكرونة بالقرنيط، أيضا تعلمنا طهو السمك مع الأرز بطريقتنا الخاصة.
يقول عن الأكلات التي تتضمن فواكه البحر: نحن لم نكن نعرف أكلها وإنما تعرفنا على طريقة طهوها وأكلها من الإخوة من مصر الشقيقة، فقد جاءوا إلينا وبدأوا في نشر ثقافة أكلها وتفننوا بها، وبدأت الناس تجربها هنا في بنغازي وتحبها فبدأت تنتشر.
الناس يفضلون اللحوم الحمراء
بينما يرى خليفة السعيطي، صاحب مطعم طيبات البحر، أن الإقبال على المأكولات البحرية يرتبط بالعوامل الاقتصادية أولا وأخيرا نظرا لارتفاع أسعارها مقارنة بباقي أنواع اللحوم، إضافة إلى أننا لم نتعرف على المأكولات البحرية وتشيع بين الناس إلا مؤخرا، خاصة فيما يخص فواكه البحر تحديدا، والرخويات.
ويشير إلى أنه ترك مكانه على البحر، بعد الحرب وإغلاق كل الطرق المؤدية إليه في بنغازي، فانتقل بمطعمه لمكان آخر حتى لا ينقطع رزقه، ويرى أنه بعد مرور 15 عاما على احترافه لهذه المهنة، أنها مهنة جيدة حيث بدأت الناس مع الانفتاح عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتعرف على الأنواع البحرية التي تؤكل ومن ثم بدأ الأقبال عليها واضح.
من زاويةٍ أخرى يقول عبدالسلام الزغيبي، من سكان وسط البلاد، والمهتم بالتوثيق التاريخي لها «علاقة سكان بنغازي بالبحر قديمة وعميقة، إذ اعتمدوا منذ زمن بعيد على صيد الأسماك لتوفير الغذاء لعائلاتهم، وتحولت بعض الأسر إلى ممارسة الصيد كمصدر رزق متوارث عبر الأجيال».
الصيادون استخدموا وسائل متنوعة، من السنارة والشباك إلى البرينجيالي، وغيرها من الأدوات التقليدية، في صيد السمك، وتأثر الصيادون المحليون باحتكاكهم بالأقليات الأجنبية التي سكنت المدينة، مثل اليونانية والمالطية والإيطالية، سواء في أساليب الصيد أو في تسميات الأسماك، حيث كانت كثير من الأسماء مستمدة من الثقافات المتوسطية، كما استخدموا أنواع الطعوم الشائعة في البحر المتوسط، مثل الجمبري والدودة وسرطان البحر والقرنيطة (الأخطبوط) والناموسة والخبز والعجينة.
جذب البحارة اليونانيين
وتتميز شواطئ بنغازي بوفرة الأسماك طوال السنة، ما جعل من مهنة الصيد نشاطًا دائمًا ومربحًا رغم مخاطرها، وجذب هذا الوفرة البحارة اليونانيين لممارسة صيد السمك والإسفنج. وقد اهتمت سلطات الاحتلال الإيطالي بتنظيم هذه الحرفة، فأنشأت تنارة لصيد الأسماك في منطقة المنقار القريبة، وأنشأت سوقًا مخصصًا للأسماك عرف باسم «سوق الحوت».
وعلى الرغم من امتلاك ليبيا لساحل طويل، لكن استهلاك الأسماك يظل منخفضًا نسبيًا مقارنة بدول البحر المتوسط، نتيجة عوامل عدة، أبرزها هيمنة النمط الغذائي الصحراوي القائم على لحوم الإبل والأغنام.
- للاطلاع على العدد «537» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
كان سوق الحوت، الذي اختفى اليوم، أحد أبرز معالم المدينة، إذ كان السوق الوحيد لبيع الأسماك، ويقع على يمين ميدان سوق الحوت القادم من شارع العقيب، وبنى السوق في العصر الإيطالي بتصميم معماري مميز.
السمك الطازج والتوابل المحلية
ارتبطت المأكولات البحرية في بنغازي بالمطبخ المنزلي، إذ كانت الوجبات تعتمد على السمك الطازج والتوابل المحلية مثل الثوم والكمون والفلفل الأحمر، أبرزها الحرايمي الليبي الحار، كسكسي الحوت، شربة الحوت، وطاجين الحوت، إضافة إلى عجة الحوت باستخدام السمك الصغير المحلي المعروف بالناموسة. وغالبًا ما تقتصر طرق الطهي التقليدية على القلي في الزيت، مصحوبًا بالبطاطا والباذنجان والفلفل الأخضر، محافظًا على بساطة التقاليد الغذائية المرتبطة بالبحر في المدينة.
ولا يمكن الحديث عن المأكولات البحرية في بنغازي دون استحضار أسماءٍ شكّلت جزءًا من الذاكرة الجماعية، مثل مطعمي بالة والخشمي، وهما من أشهر المطاعم التي كانت تطل على البحر بإمكانات متواضعة، لكنها استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة خاصة. غير أن الحرب وما خلّفته من إغلاق للطرق المؤدية إلى الساحل، دفع بالمطعمين إلى الانتقال نحو مناطق بعيدة عن البحر.
حضورٍ راسخ في ذاكرة
ولم تخلُ الحكاية من بعد إنساني، إذ يحمل مطعم الخشمي قصة طويلة من الكفاح والنضال، إلى أن أصبح واحدًا من أبرز الأسماء في تقديم المأكولات البحرية في بنغازي. ويروي مفتاح الخشمي، أحد أقارب المؤسسين، تفاصيل هذه الرحلة التي بدأت من إمكانات بسيطة، وانتهت بحضورٍ راسخ في ذاكرة المدينة وسكانها.
ماتوا جوعا والبحر أمامهم
ومن أكثر الشهادات التي أثارت الانتباه، تلك التي رواها الصياد محمد، حين قال: نحن الليبيون لم نكن نعرف البحر وما يحمله من خيرات، على الرغم من أننا نعيش في مدينة ساحلية، فالتاريخ ذكر لنا عبر القصائد الموروثة أن الليبيون هاجروا لمصر من المجاعة التي حلت بليبيا العام 1943 وماتوا في الطريق من شدة الجوع، على الرغم من أن البحر أمامهم ومليء بالأسماك، وهذا يقودنا إلى القول أننا لا نملك عادات وتقاليد في الأكلات البحرية والذي يوجد لدينا جاء عن طريق الايطاليون فترة الاحتلال، كما جاء عن طريق الصيادين والطهاة المصريين الذين يديرون كل شيء.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة