تصاعدت هذا الأسبوع حروب البيانات والتصريحات التي اقترنت بالمشهد السياسي الليبي. وكشف التعديل الوزاري الأخير في حكومة الدبيبة، وضريبة السلع المثيرة للجدل، عن حجم الهوة في طرابلس كما في بنغازي بين أطراف السلطتين التنفيذية والتشريعية في البلاد، ما قد يضع مستقبل العلاقات بين حكومة الوحدة الموقتة والمجلس الرئاسي من جهة، وداخل مجلس النواب من جهة أخرى، أمام طريق شبه مسدود، في وقت تتعثر فيه مسارات الحوار الأممية دون أفق للحل.
وأحدثت خطوة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة بترميم حكومته، بعد خروج نحو 13 وزيرًا من أصل 27، نتيجة إحالة بعضهم إلى التحقيق واستقالة آخرين، شرخًا في جدار «التحالفات الهشة» في طرابلس، عكس عمق هشاشة الوضع السياسي، مجددًا تساؤلات بشأن جدوى تعديل في حكومة لا تملك وجودًا فعليًا على الأرض في شرق وجنوب ليبيا، ومدى قدرة الوزراء الجدد على إحداث فارق في الميدان.
قرارات الدبيبة لا تتوافق مع التحركات الأممية
ولا تتفق قرارات هذه الحكومة، الصادرة من الإثنين وحتى الأربعاء الماضي، بتكليف وزراء جدد للتربية والتعليم، وللثقافة، وللموارد المائية، ولشؤون المهجرين، مع تحركات تقوم بها بعثة الأمم المتحدة منذ أشهر للوصول إلى حوار سياسي موسع يهدف، في إحدى محطاته، إلى إنشاء حكومة موحدة قادرة على بسط نفوذها عبر كامل الأراضي الليبية. فيما برر المكتب الإعلامي لحكومة الدبيبة هذه التكليفات بأنها جاءت في سياق تعديل حكومي يستهدف ملء الشواغر في بعض الحقائب، وضخ عناصر جديدة في مفاصل العمل التنفيذي.
ورفضت وزيرة الثقافة المقالة، مبروكة توغي، قرار إقالتها، مشيرة في بيان إلى أن «إصدار قرارات تكليف خارج إطار إجراءات التعديل الوزاري المنصوص عليها يمثل مساسًا بمبدأ الشرعية»، وتمسكت باستمرارها في موقعها وزيرةً للثقافة.
ويبدو أن توغي استقوت بمعارضة رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، لقرارات التعديل الوزاري، كما جاء في خطاب وجهه إلى الدبيبة في 19 فبراير، قال فيه إن الخطوة تتطلب «توافقًا وطنيًا واسعًا وأطرًا قانونية صحيحة، مع تشاور ملزم بشأن حقيبتي الدفاع والخارجية»، لافتًا إلى أن تشكيل الحكومات، أو أي تعديل يطرأ على بنيتها، يخضع حصرًا لما تنص عليه المرجعيات الدستورية الحاكمة.
تباين المواقف داخل المجلس الرئاسي
على الجانب الآخر، تجاهل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، حتى يوم الخميس، تعديلات حكومة الدبيبة. غير أن رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، دعا إلى الشروع عاجلًا في حوار وطني شامل يهدف إلى توحيد السلطة التنفيذية وتشكيل حكومة موحدة.
وفي بيان صدر في وقت متأخر ليل الأربعاء–الخميس، وجهه إلى رؤساء وأعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، قال حماد إن «استمرار حالة الانقسام وتعثر المسارات الدستورية والتنفيذية لم يعد أمرًا يحتمل التأجيل، بل أصبح خطرًا داهمًا يهدد وحدة الوطن ويقوض فرص النهوض والاستقرار»، داعيًا إلى «تشكيل حكومة موحدة توافقية واضحة المهام ومحددة الصلاحيات، بإطار زمني ملزم، تتولى توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف اللازمة لاستكمال الاستحقاقات الانتخابية».
احتدام الخلاف في مجلس النواب حول الضريبة
وفي الوقت نفسه، احتد الجدل المتعلق بقرار فرض ضريبة على بعض السلع المستوردة، في ظل تجاهل التحذيرات من تأثيرها على معيشة المواطن الليبي، ما كشف عن أزمة عاصفة داخل مجلس النواب.
فقد خرج رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، مساء الأربعاء، متنصلًا من مسؤوليته عن القرار، إذ صرح بأن قرار فرض ضريبة على استيراد بعض السلع أُقر خلال جلسة رسمية عُقدت في 13 يناير الماضي، وأنه لم يكن حاضرًا وقت عرض القرار والتصويت عليه.
وفي بيان حمل توقيعه، أوضح عقيلة أن الجلسة عُقدت برئاسة النائب الأول، وأن المجلس هو الجهة التي أقرت الضريبة، مضيفًا أنه فور علمه بمخرجات الجلسة دعا إلى وقف تطبيق الضريبة على السلع الاستهلاكية والضرورية، تجنبًا لتحميل المواطنين أعباء إضافية.
- المنفي مخاطبًا الدبيبة: حكومتكم لتصريف الأعمال والتعديل الوزاري يتطلب توافقًا وطنيًا
- دومة: ترأست جلسة لمناقشة مقترح فرض ضريبة على بعض السلع ولم نعتمده
- أعضاء مجلس الأمن يدعون إلى وضع ميزانية موحدة لليبيا
- للاطلاع على العدد «537» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
في المقابل، نفى نائبه الأول، فوزي النويري، طرح قضية الضريبة خلال جلسة 13 يناير، معترضًا على مضمون بيان عقيلة صالح، مؤكدًا أن المراسلات المتعلقة بفرض ضريبة السلع صدرت عن رئيس المجلس، ولذلك «تقع عليه المسؤولية السياسية والقانونية مباشرة»، ملوحًا في بيان باعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية حيال «المعلومات المضللة».
وعلى الخط نفسه، أكد النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، مصباح دومة، أن ما ورد في تصريحات عقيلة «لا يستند إلى أي أساس قانوني صحيح»، وأفاد في بيان له بأن الجلسة الأخيرة تأتي استكمالًا لجلسة سابقة برئاسة رئيس المجلس ونائبه، وقد جرى خلالها عرض مقترح يتعلق بإخضاع بعض السلع للضريبة، ومع ذلك لم يصدر أي قرار رسمي باعتماده، كما طالب دومة المصرف المركزي بتوضيح الأساس القانوني الذي استند إليه في تنفيذ الضريبة، والجهات التي نسق معها.
بيان أعضاء مجلس الأمن حول ليبيا
ولم تكن هذه الخلافات بعيدة عن مداولات أعضاء مجلس الأمن الدولي بشأن الحالة الليبية. ففي بيان أصدره رئيس المجلس، الأميركي مايكل جي. والتز، دعا الأعضاء إلى تنفيذ برنامج التنمية الموحد، مشددين على أهمية وضع ميزانية موحدة لمنع المزيد من التدهور الاقتصادي في ليبيا.
وأشار أعضاء مجلس الأمن إلى أهمية إحراز تقدم نحو توحيد جميع المؤسسات، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية، منوهين بأهمية الحفاظ على وحدة واستقلال النظام القضائي. وهو ما تماهى مع رأي مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، الذي أكد أن استقرار ليبيا يتطلب توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية من خلال عملية سياسية، مجددًا دعم واشنطن لهذه المساعي، وذلك في تدوينة نشرها بولس عبر حسابه على منصة «إكس»، الأربعاء، معلقًا على بيان مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا.
ويدلل كل ذلك على بقاء الحالة الليبية في وضع السيولة، دون تحقيق أي اختراق مؤثر باتجاه حلحلة الأزمة الشاملة، والدفع بالعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة إلى الأمام، وصولًا إلى تحديد موعد للاستحقاق الانتخابي.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة