آخر الأخبار

المرج.. عندما يصبح الزلزال العنيف ملهما

شارك
مصدر الصورة
آثار الدمار في المرج بعد زلزال 1963. (أرشيفية: الإنترنت)

ليست المرج كبقية المدن الليبية، تلك مدينة تمتد فيها المروج الخضراء على مد البصر، تراها بجلاء بعد أن تخرج من عشوائية المدينة، ومعمارها الذي يفتقر للهوية المرجاوية، ويجعلها مجرد صبات خراسانية تعبث بمدخل المدينة الرائع.
أول ما يقابلك عند مدخل المدينة الجرار العملاق، الذي ظننته أنا كما ظنه الكثير منا في أول زيارة للمدينة بأنه العربة الأولى للقطار، ولكن حين سؤال «المرجاوة»، كما يحلو لهم تسمية أنفسهم، ضحكوا كثيرا، وأخبرونا بأنه جرار جرى استخدامه في حرث الأرض خلال فترة الاحتلال الإيطالي.

مصدر الصورة مصدر الصورة

ويقول خبير الآثار والسياحة انويجي العرفي إن هذه الآلة كانت تُستخدم في حراثة الأراضي بطريقتين أساسيتين: الأولى للأراضي الكبيرة والمتسعة، حيث يُسحب المحراث الكبير خلفها بحرية وسلاسة.

والثانية للأراضي الصغيرة أو المحصورة، فتعمل بواسطة آلتين متقابلتين تتحكمان بالمحراث عبر كابل وبكرة، لتضمن حراثة دقيقة ومتوازية في اتجاهين متعاكسين، تحت إشراف أشخاص عدة، لضبط الوزن والتحكم.

ويضيف: قدرات هذه الآلة لا تتوقف عند الحراثة، فهي مزودة بسير يحركه إطارها، لتشغيل آلات الدراسة لكبس الحبوب، وقطع الأخشاب، وتكسير الحجارة، وتحويلها إلى مادة صالحة للمرش. كما تعمل كقاطرة قوية لسحب المقطورات والعربات، ونقل الركاب أو الصهاريج، ويمكن تعديلها لتعمل كرافعة لرفع الأحمال الثقيلة.

ما يميز هذه الآلة ليس فقط تعدد استخداماتها، بل بساطة مكوناتها الميكانيكية، ما يجعل صيانتها وإعادتها للعمل ممكنة بسهولة إذا توفرت الإرادة. وبذلك، أمكن تحويلها من مجرد آلة زراعية قديمة إلى معلم سياحي وحضاري، وتدخل ضمن مقتنيات متحف المرج، وتحظى بحماية القانون رقم «3» للآثار والمباني التاريخية بوصفها قطعة أثرية متميزة.

سرد تاريخي لعبقرية المكان
هذه المقدمة قادتنا إليها الذكرى الـ63 لزلزال المرج، الذي ضرب المدينة في 21 فبراير 1963، الموافق 27 رمضان، مخلفا ضحايا بالمئات، وذكرى أليمة للمرج ولليبيا كافة.

وفي مستهل تقريرنا، التقينا الدكتور علي الحاسي، أستاذ التاريخ بجامعة المرج، ليحدثنا عن ارتباط ذاكرة «المرجاوة» بالزلزال، فقال: أنا من أبناء مدينة المرج. وإن كنتُ صغيرا جدا وقت وقوع الزلزال، إذ لم يتجاوز عمري ثلاث أو أربع سنوات، إلا أن الزلزال كان حاضرا في حياتنا اليومية. لقد عاشه آباؤنا وأجدادنا، وظلوا يروونه باستمرار، حتى أصبح جزءا من الذاكرة الجمعية لأهالي المرج. كنا نؤرخ حياتنا بسنوات الزلزال، وكانت الأمهات تذكر الأحداث قائلة: «هذا قبل الزلزال أو بعد الزلزال»، حتى تحوّل إلى علامة زمنية ثابتة في الوعي الاجتماعي.

-  للاطلاع على العدد «536» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

الزلزال وقع في 27 رمضان سنة 1382 هـ، الموافق 21 فبراير 1963، أي قبل أكثر من ثلاثة وستين عاما، وقد خلّف عددا كبيرا من الضحايا، حيث تشير القوائم الرسمية إلى نحو 243 شهيدا، إلا أن التقديرات غير الرسمية ترفع العدد إلى ما بين 300 و350، وربما أكثر إذا احتُسب المصابون الذين توفوا لاحقًا خارج المدينة.

في ذلك الوقت كيف كان تعامل الدولة ومؤسساتها مع الكارثة؟
اللافت أن الدولة، على الرغم من حجم الكارثة، لم تغب عن المشهد، حيث سارعت قوات الجيش الليبي وأفراد الكشافة بالمجيء، وحتى أن وحدات من الجيش البريطاني التي كانت تجري مناورات آنذاك جاءت إلى موقع الزلزال، ونصبت مولدات كهرباء، وبدأت عمليات الإنقاذ، وجرى إنقاذ عدد كبير من المصابين، وكان المصابون والمتوفون يُجمعون في منطقة «المحكمة»، حيث جرى حصر الأعداد بدقة، في مشهد يعكس حرص الدولة على النظام والقانون حتى في أحلك الظروف.

أكثر المتضررين، من حيث التركيبة الاجتماعية، كانوا من الشباب والفتيات، وهو ما ترك جرحا نفسيا عميقا لدى أهالي المرج، وبعض العائلات فقدت أكثر من فرد، بل إن هناك عائلات كاملة اندثرت. هذه الصدمة ظلت حاضرة في الذاكرة، وتحوّلت إلى مادة للشعر الشعبي والقصص والروايات الشفوية.

على ذكر الشعر إذا.. كيف انعكس الزلزال على الإبداع الثقافي؟
الزلزال ألهم العديد من الشعراء، سواء في الشعر الشعبي أو الفصيح، حيث كُتبت قصائد خالدة استحضرت المأساة، وربطت زلزال المرج بكوارث إنسانية كبرى في التاريخ العالمي، في محاولة لفهم حجم الفاجعة ومكانتها في الذاكرة الإنسانية.

يقال إن مدينة المرج تمتاز بـ«عبقرية المكان».. كيف تفسر ذلك؟
علق د. الحاسي: المرج مدينة ولّادة للمواهب، تمامًا كما بنغازي. على مرّ التاريخ، خرج منها رياضيون ومثقفون، وشخصيات عامة تولّت مناصب مهمة. هذه المدينة لا تُنسب إلى قبيلة بعينها، بل هي مدينة جامعة، وهذا ما يمنحها خصوصيتها.

.. وماذا عن المرج القديمة ومكانتها التاريخية؟
برزت جهود لتحويل المرج القديمة من مجرد «مدينة قديمة» إلى «مدينة تاريخية» وفق التصنيفات العالمية، بما يتيح إدراجها ضمن خريطة الاهتمام الدولي، وربما في قوائم التراث، فالدراسات الجيولوجية والأثرية أثبتت أن تحت المدينة الحالية، وعلى عمق نحو ستة أمتار، توجد بقايا مدن إغريقية ورومانية قديمة، من بينها مدينة «باركي» الإغريقية التي يعود تأسيسها إلى القرن السابع قبل الميلاد.

زلزال 1963 كان الأعنف والأكثر تدميرا، فهل تعرّضت هذه المدينة التاريخية لزلازل سابقة؟
يقول الدكتور علي: نعم، تشير المصادر التاريخية إلى زلازل وقعت في فترات مختلفة، منها العصر الإغريقي والعصر الفاطمي، لكن زلزال 1963 كان الأعنف والأكثر تدميرا، لأسباب عدة: وقوعه في فصل الشتاء، وفي شهر رمضان، وفي وقت كان الناس فيه داخل منازلهم بعد الإفطار.

ماذا عن طبيعة المباني آنذاك.. هل لعبت دورا في حجم الخسائر؟
بالتأكيد، معظم المباني المحلية كانت بدائية في بنائها، بأسقف ثقيلة من الخشب والطين، ما أسهم في انهيارها. في المقابل، صمدت غالبية المباني الإيطالية، لأنها شُيّدت وفق معايير مقاومة للزلازل، وهو ما يفسر تفاوت حجم الدمار.

كيف يُحيي أهالي المرج ذكرى الزلزال اليوم؟
تأسست رابطة المرج القديم، ثم رابطة المرج التاريخية، التي تحيي الذكرى سنويا في ليلة 27 رمضان، ويبدأ البرنامج بزيارة المقبرة الجماعية، وقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء، ثم تُقام صلاة جماعية، ويتناول الحضور الإفطار معا، في مشهد يعكس وحدة المدينة، بعد ذلك تُلقى الكلمات والقصائد، ويتناوب الآباء والأبناء على حمل الذاكرة، في تأكيد أن الجيل الجديد لا يزال وفيا لتاريخ مدينته.

ويعتبر الدكتور علي الحاسي أن زلزال المرج لم يعد مجرد كارثة طبيعية، بل أصبح حدثا مؤسسا في الوعي الجمعي، شكّل هوية المدينة، وأعاد تعريف علاقتها بالمكان والتاريخ والذاكرة، وهو جرح مفتوح، لكنه أيضا مصدر قوة وإصرار على البقاء.

النشاط التكتوني للمنطقة
هذا العرض التاريخي للمأساة وحجمها ووجودها في الوعي الجمعي لسكان المرج قادني لتساؤل: لماذا مدينة المرج تعرضت لهذا الزلزال؟ هذا السؤال يجيبنا عنه الدكتور سعد رجب لشهب، عضو هيئة التدريس بكلية العلوم البيئية - جامعة بنغازي: مدينة المرج تقع في سهل منخفض ضمن منطقة الجبل الأخضر، وتتميز بطبيعة جغرافية فريدة تجعلها منطقة حوضية أو منخفضة نسبيا. هذه الخصائص تجعلها أكثر تأثرا بالزلازل مقارنة بالمناطق المحيطة التي تقع على مرتفعات أو صخور أكثر صلابة.

مدينة المرج منطقة نشطة تكتونيا، حيث توجد صخور رسوبية مليئة بالصدوع والشقوق والفواصل. هذه الصدوع تُسهم في تعزيز تأثير الموجات الزلزالية عندما تمر بها، ما يزيد من شدة الهزات الأرضية. كما توجد فواصل كبيرة تمتد من وادي الملكة شمال شرق المدينة إلى بداية حوض المرج.

-  للاطلاع على العدد «536» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

تربة المرج عبارة عن طبقة طينية عميقة تصل إلى نحو 90 مترا، وهي تربة لزجة تتأثر بسهولة بالمياه، فعندما تكون مشبعة بالمياه، تتحول إلى تربة ضعيفة غير قادرة على حمل أي وزن إضافي، ما يؤدي إلى تضخيم تأثير الزلازل. هذه الظاهرة تُعرف باسم «تسيير التربة»، حيث تتحول التربة من صلابة نسبية إلى شبه سائلة عند الهزات الأرضية.

وكان وجود مستودعات مياه جوفية كبيرة تحت مدينة المرج عاملا موازنا لطبيعة التربة، حيث تعمل المياه على دعم التربة ومنع الانهيارات، لكن عمليات السحب الجائر للمياه في السنوات الأخيرة أدت إلى فراغات تحت التربة، ما جعل الأرض أكثر عرضة للخلخلة والانهيارات الجزئية خلال الهزات الزلزالية.

الفرق بين قوة الزلزال وشدته
ينبغي التمييز بين قوة الزلزال وشدته، فقوة الزلزال هي كمية الطاقة المنبعثة من البؤرة، بينما الشدة تختلف حسب طبيعة التربة والطبقات الجيولوجية، لذلك قد تتأثر مدينة المرج بشدة أكبر من أي مدينة أخرى حتى لو كانا ضمن نطاق الزلزال نفسه، وذلك بسبب طبيعتها الحوضية وهشاشة تربتها.

زلزال 1963 كان مركزه ضمن المنطقة التكتونية القريبة من المرج، على بُعد نحو 15 كيلومترا من المدينة، وقرب مركز الزلزال أدى إلى تضخيم تأثير الهزة في المرج مقارنة بمناطق جبلية مجاورة مثل مدينة البيضاء، حيث التربة أكثر صلابة. ويلخص الدكتور سعد العوامل التي تجعل من مدينة المرج دون غيرها عرضة للهزات بقوله: من أهم العوامل هي الموقع الحوضي المنخفض للمدينة، ووجود صخور رسوبية مليئة بالصدوع والفواصل. كما أن عمق التربة الطينية يصل حتى 90 مترا، وأيضا تشبع التربة بالمياه، وتحولها أحيانًا إلى تربة شبه سائلة.

كما أن النشاط التكتوني مستمر في المنطقة، وأخيرا قرب المدينة من مراكز الزلازل، كل هذه العوامل تجعل مدينة المرج من أكثر المناطق تأثرا بالهزات الأرضية في ليبيا.

نصل للسؤال المهم: هل مباني المرج مقاومة للزلازل؟
يجيب المهندس علي محمد مسعود قائلا: بعد الزلزال مباشرة أصدرت الدولة الليبية في عهد المملكة قانونا خاصا بمدينة المرج دون غيرها من المدن، وهو القانون رقم 11 لسنة 1963، الذي نصّ على إنشاء المؤسسة العامة لمدينة المرج.

أهمية هذا القانون تنبع من كونه متكاملا ومهما جدا، لأنه لم يقتصر على إعادة الإعمار فقط، بل صدر معه نظام ولائحة تنفيذية تفصيلية تنظم كل ما يتعلق بإعادة بناء المدينة، من حيث التعويضات، والإجراءات المالية، وتنظيم البناء، وشروطه، ومواصفاته الفنية، خاصة المواصفات المقاومة للزلازل.

كما حُدّد للمؤسسة مدير وطاقم إداري كامل، وجرى التعاقد مع شركات عالمية لتنفيذ المشاريع وفق معايير هندسية دقيقة.

ما أبرز المشاريع التي نُفذت وفق هذه المواصفات؟
جرى إنشاء أحياء سكنية كاملة مثل أحياء 500 و700، بالإضافة إلى عمارات سكنية، والمجمع الإداري، والمستشفى، والمدرسة المركزية التي أصبحت لاحقا كلية الآداب والعلوم، فضلا عن الجامعة الكبرى التي أُنجزت بداية السبعينات. جميع هذه المباني شُيّدت وفق المواصفات العالمية المقاومة للزلازل، ولذلك يمكن اعتبارها آمنة هندسيا.

من خلال جولتي في المدينة رأيت مباني كثيرة عشوائية؟
المشكلة بدأت بعد منتصف السبعينات، تحديدا بعد العام 1974، حين بدأ المواطنون في التوسع العمراني، وبناء مساكن خاصة دون الالتزام بالمواصفات المنصوص عليها في القانون واللائحة التنفيذية. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الشروط تُطبّق فعليا، على الرغم من أنها كانت واضحة وصارمة.

إذا.. على ماذا كانت تنص اللائحة التنفيذية بخصوص البناء الخاص؟
تنص اللائحة بوضوح على أن المواطن الذي يحصل على قطعة أرض لا تُنقل إليه ملكيتها إلا بعد إتمام البناء وفق الشروط والمواصفات التي تحددها المؤسسة، أي أن الالتزام بالمواصفات كان شرطا أساسيا للتملك، لكن هذا النص لم يُفعّل عمليا لاحقا.

هل يعود ذلك إلى ضعف الرقابة أم غياب التوعية؟
الأمران معا، هناك ضعف في الرقابة، وغياب للأرشيف، وعدم استمرارية في الكفاءات الإدارية، بالإضافة إلى عدم الاستعانة بالخبرات المتخصصة. حتى القوانين والتقارير الفنية التي أُعدت بعد الزلزال لم تعد متاحة اليوم، وهو خلل إداري كبير.

وهل تُراعى هذه الشروط حاليا في البناء؟
للأسف، في كثير من الحالات لا تُراعى، حيث يجرى تقليص أبعاد القواعد، أو تجاهل التسليح، أو البناء العشوائي دون إشراف هندسي، ما يعرض المباني للخطر. هذه المخالفات يتحمل مسؤوليتها أصحابها بالدرجة الأولى.

وماذا عن تصميم المباني من حيث الشكل والارتفاع؟
من المهم ألا يكون هناك تفاوت كبير بين طول المبنى وعرضه، ويُفضّل أن يكون قريبا من الشكل المربع، لضمان التوازن. كما يُنصح بعدم فتح النوافذ عند زوايا المباني، لأن الزوايا مناطق ضعف إنشائي. أما بالنسبة للارتفاع، فيُفترض ألا تتجاوز المباني في المرج طابقين، خاصة المدارس والمنشآت العامة، لكن للأسف تُنفذ أحيانا نماذج جاهزة لا تراعي خصوصية المنطقة الزلزالية.

كيف يمكن طمأنة سكان المرج اليوم؟
نعم، المباني التي شُيّدت وفق المواصفات الأصلية، مثل أحياء 500 و700، والمجمع الإداري، والمستشفى، والمباني التعليمية القديمة، هي مبانٍ آمنة ولا تدعو للقلق. كما أن المرج ليست من المناطق الزلزالية الخطيرة عالميا، والزلزال الذي وقع العام 1963 لم يكن ذا قوة استثنائية، لكن ظروف البناء آنذاك فاقمت الأضرار.

مصدر الصورة
الجرار العتيق في مدخل مدينة المرج. (أرشيفية: الإنترنت)
مصدر الصورة
(من اليمين) أنويجي العرفي وعلي الحاسي. (أرشيفية: الإنترت)
شارك

الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران روسيا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا