تظهر المؤشرات الأخيرة أن زيارات مبعوث دونالد ترامب، مسعد بولس، المكوكية إلى ليبيا بدأت تؤتي ثمارها في تحصيل مكاسب اقتصادية، وسط حراك دبلوماسي وعسكري يضغط باتجاه التعامل الإيجابي مع مهمته. وبينما تبدو الحالة السياسية في ليبيا وكأنها أُريد لها أن تستمر في صيغةٍ ما من التفاهم بين الفرقاء، تعجز البعثة الأممية عن فك حالة الانسداد، وتحاول تجاوزها عبر إحاطة جديدة أمام مجلس الأمن، مع تسريبات تتحدث عن توجه لتشكيل لجنة حوار سياسي جديدة بعيدًا عن مجلسي النواب والدولة، وهو ما لمّحت إليه المبعوثة في بيانات سابقة.
تحذير من السفر إلى ليبيا
وفي هذا التوقيت، جدّدت الولايات المتحدة، في 11 فبراير الجاري، تصنيف ليبيا ضمن المستوى الرابع لمواطنيها، داعيةً إلى تجنب زيارتها بسبب الاضطرابات المستمرة والتحديات الواسعة على صعيد الأمن الداخلي وحماية المواطنين والممتلكات، وفق مبررات الإدارة الأميركية. وبموجب ذلك، شددت إجراءات منح التأشيرات لمواطني ليبيا إلى أجل غير مسمى.
وظل هذا التحذير قائمًا منذ أحداث فبراير 2011، خصوصًا عقب الهجوم على ما سُمّي بالبعثة الدبلوماسية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، الذي أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين.
واليوم يعيد مكتب التحقيقات الفيدرالي، بإشراف مباشر من الرئيس دونالد ترامب، فتح هذا الملف بقوة، معبرًا عن تصميمه على ما وصفه بـ«تحقيق العدالة الأميركية مهما طال الزمن».
تبعات اعتقال الزبير البكوش
وبعد اعتقال المواطن الليبي الزبير البكوش كأحد المشتبه في تورطهم في الحادثة، تتوقع أوساط سياسية ليبية اعتقالات مماثلة لمتورطين محتملين. ويبدو أن نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، الفريق جون برينان، حمل خلال زيارته الأخيرة إلى ليبيا هذا الملف للضغط على الأطراف الليبية، ودعوتها إلى التعاون بجدية في القضية لتسريع وتيرة التحقيقات مع المشتبه فيهم.
وبينما أكدت وزارة العدل الأميركية أنها تسلمت البكوش من دولة أجنبية لم تُعلن عنها، تشير حادثة اعتقاله من قبل قوات أميركية خاصة إلى وجود تعاون محلي على الأرض لتنفيذ عمليات غامضة بدعوى ملاحقة من تتهمهم واشنطن بالضلوع في هجمات استهدفت مواطنيها، وسط تحفظ على ذكر مكان وتفاصيل الاعتقال. ويرجّح كثيرون أن العملية جرت في العاصمة طرابلس، نظرًا إلى أن البكوش كان مقيمًا فيها.
- للاطلاع على العدد «534» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وأعادت الواقعة أصوات الاستنكار والإدانة من قبل البعض، لأنها ــ كما يرون ــ تشكل انتهاكًا للسيادة الليبية، وهو ما تكرر عقب اعتقال المواطن أبوعجيلة مسعود المريمي، الموظف السابق في جهاز المخابرات الليبية، من منزله في حي أبوسليم بطرابلس، وتسليمه إلى الولايات المتحدة في ديسمبر 2022 ضمن ملف قضية تفجير طائرة «بان أميركان 103» فوق بلدة لوكربي في إسكتلندا عام 1988، التي أودت بحياة 270 شخصًا. وسبقتها واقعـتا اعتقال كلٍّ من أحمد أبوختالة وأبوأنس الليبي، وترحيلهما إلى الولايات المتحدة عامي 2014 و2013.
الدبيبة يلتقي وفدا عسكريا أميركيا
وشهدت طرابلس هذا الأسبوع لقاء رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة، بصفته أيضًا وزير الدفاع في هذه الحكومة، وفدًا عسكريًا أميركيًا برئاسة نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، الفريق جون برينان، بحضور وكيل وزارة الدفاع لشؤون المناطق العسكرية عبدالسلام الزوبي، ومدير إدارة الاستخبارات العسكرية محمود حمزة، ووزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي. وجرى خلال اللقاء بحث مجالات تبادل المعلومات وبناء القدرات، إلى جانب آفاق تعزيز التعاون العسكري والأمني والشراكة الدفاعية بين ليبيا والولايات المتحدة، وتطوير برامج التدريب والتأهيل، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وفق توضيحات حكومية.
وتزامن الحراك العسكري والدبلوماسي الأميركي مع إتمام صفقات اقتصادية، بعدما أمّنت شركة «شيفرون» موطئ قدم لها في حوض سرت الغني بالنفط. إذ أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، الأربعاء، فوز خمس شركات عالمية كبرى بمناقصات لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز الطبيعي في البلاد بعد توقف دام أكثر من 17 عامًا، من بينها الشركة الأميركية. وجاءت الصفقة عقب مذكرة تفاهم وُقّعت بين «شيفرون» والمؤسسة الوطنية للنفط المملوكة للدولة في 24 يناير 2026، حددت إطارًا لتقييم فرص الاستكشاف والتطوير الإضافية في مختلف أنحاء البلاد.
وفي طرابلس أيضًا، استقبل رئيس الأركان العامة الفريق صلاح الدين النمروش قائد الأسطول الفرنسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، الأدميرال كريستوف لوكاس، رفقة الملحق العسكري الفرنسي لدى ليبيا، في أول زيارة رسمية يقوم بها القائد الفرنسي إلى البلاد.
وفي بنغازي، التقى وفد إيطالي برئاسة وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوسي، ورئيس جهاز المخابرات جيوفاني كارافيلي، قائد «القيادة العامة» المشير خليفة حفتر. وبحث الجانبان سبل تعزيز التعاون، خصوصًا في مجالات مكافحة الإرهاب، والحد من الهجرة غير الشرعية، والتصدي لشبكات تهريب البشر والاتجار بالمخدرات، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، حسب بيان رسمي.
ترقب لخيارات تيتيه البديلة
وعلى المستوى السياسي، ومع اقتراب موعد إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في 19 فبراير الجاري، يسود ترقب لما يمكن أن تعلنه من خيارات بديلة حاسمة، في حال فشل مجلسي النواب والدولة في التوصل إلى توافق بشأن خريطة الطريق السياسية، وفي ظل عدم إحراز تقدم في جولات الحوار المهيكل.
وبحسب مصادر موثوقة، دخلت البعثة في اتصالات مع بعض الأطراف السياسية، وأبلغتهم بيأسها من إحداث تغيير في المشهد السياسي الليبي، وأنها تنوي إطلاق لجنة حوار سياسي جديدة.
وفي خضم كل ذلك، لم يسجل المشهد الليبي مستجدًا لافتًا، على الأقل ما من شأنه انتشال العملية السياسية من حالة الجمود التي واكبت ثمانية مبعوثين أمميين وأفشلت مهامهم في إحداث اختراق للأزمة وتحقيق توافق بين أطرافها. وفي انتظار إحاطتها المقبلة، لا تبدو، فيما يظهر، معطيات متوافرة تجعل مهمة الغانية هانا تيتيه استثناءً.
تفاصيل أخرى ص 4
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة