في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعدما أظهر مؤشر الفساد العالمي للعام 2025 احتلال ليبيا المركز الخامس بين الأكثر فسادا، تجددت النقاشات بشأن عمق أزمة الفساد وآفاق معالجتها، ومسؤولية الدولة والمجتمع في مواجهة تلك الظاهرة التي تمسّ بنية الاقتصاد والإدارة والخدمات العامة.
وفي مداخلات مع برنامج «وسط الخبر» المذاع على قناة الوسط «WTV»، تحدث باحثون وخبراء عن أسباب بقاء ليبيا في تصنيف متأخر كل هذه السنوات، والمسارات الممكنة لإصلاح منظومة الحوكمة وتعزيز ثقافة النزاهة في البلاد.
منظمة الشفافية الدولية بين الأكثر موثوقية عالميا
قال الباحث اللبناني في السياسات الدولية إدغار عقل إن هذه المنظمة تُعد من بين الأكثر موثوقية على المستوى العالمي، ويمكن الاعتماد على تقاريرها مقارنة بعديد الجهات الأخرى، موضحا أن أبرز ما يميز تقاريرها هو اعتمادها على مصادر خارجية مرجعية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى جانب منظمات دولية متخصصة في المجالات الاقتصادية والمالية.
وأشار عقل إلى أن هذه المؤسسات تعتمد بدورها على تقييمات خبراء ومحللين متخصصين، دون الاستناد بشكل مباشر إلى آراء المواطنين أو استطلاعات الرأي العامة، لافتا إلى أن منهجية إعداد التقارير لا ترتكز على الأرقام الرسمية الصادرة عن السلطات المحلية، وأرجع ذلك إلى أن بعض الحكومات قد لا تعكس في بياناتها الصورة الكاملة، تجنبًا لإبراز أوجه القصور في الإدارة أو الأداء الاقتصادي.
وبيّن أن اعتماد التقارير على تقديرات الخبراء يمنحها أهمية خاصة من حيث التحليل والتقييم النوعي، لكنه في الوقت ذاته قد يبتعد نسبيًا عن الأرقام الدقيقة، ما يستدعي التعامل معها باعتبارها مؤشرات تحليلية تحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق في بعض الجوانب.
ليبيا بين الأقل شفافية منذ سنوات
وبدوره، أكد الخبير الاقتصادي إدريس الشريف أن ليبيا لم تبتعد يومًا عن قائمة الدول العشر الأقل شفافية أو الأكثر فسادًا منذ إدراجها في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، مشيرًا إلى أن وضعها خلال السنوات الأخيرة شهد تدهورًا إضافيًا، وأوضح أن ليبيا احتلت في التقرير الماضي المرتبة السابعة بين أكثر الدول فسادًا، فيما تقدمت هذا العام إلى المرتبة الخامسة أو السادسة عالميًا، بحلولها في المركز 177 من أصل 182 دولة شملها التقرير.
وأوضح أن المؤشر يعتمد على تقييمات خبراء ومؤسسات دولية لقياس مستوى الفساد في القطاع العام، ويمنح الدول درجات تتراوح بين صفر و100 نقطة، بحيث تعكس الدرجات المرتفعة مستوى أعلى من الشفافية، فيما تشير الدرجات المنخفضة إلى تفشي الفساد. ولفت إلى أن ليبيا حصلت على 13 نقطة فقط من أصل 100، متقدمة عليها في قائمة الدول الأكثر فسادًا كل من جنوب السودان والصومال وإريتريا وفنزويلا واليمن.
- مع الصومال واليمن وأريتريا .. ليبيا بين أسوأ 5 دول في مؤشر الفساد لعام 2025
- الفساد في ليبيا: منظومة تدمير ممنهجة للاقتصاد الوطني.. كيف يمكن مواجهتها؟
- خبراء: شبكات الفساد تهدد الاقتصاد الليبي.. والنيابة تواجه منظومات تمتد للخارج
ورأى أن ما تشهده ليبيا لم يعد يقتصر على ظاهرة الفساد التقليدي، بل تجاوز ذلك إلى مرحلة أخطر. واستشهد في هذا السياق بتوصيف المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، الذي تحدث أمام مجلس الأمن عن «نظام اقتصادي قائم على الافتراس»، معتبرًا أن اختيار هذا المصطلح يعكس طبيعة الاستنزاف الحاد للموارد، الذي يتجاوز مجرد التجاوزات المالية إلى تقويض شامل للاقتصاد ومقدرات الدولة.
اختلالات في بنية الجهاز الإداري
وأوضح الشريف أن جذور الأزمة تعود إلى اختلالات عميقة في بنية الجهاز الإداري للدولة، الممتدة منذ عقود، حيث يُفترض أن يكون هذا الجهاز أداة تنفيذ السياسات العامة وتحويل الموازنات إلى خدمات فعلية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية. غير أن تهالك هذه المنظومة، بحسب الشريف، أدى إلى استنزاف الموارد دون تحقيق نتائج ملموسة، ما انعكس سلبًا على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأكد الشريف أن تصنيف ليبيا في المؤشر لم يكن مجحفًا، بل يعكس واقعًا يتجاوز مرحلة الفساد إلى ما وصفه بـ«الانهيار المؤسسي»، مضيفًا أن المشكلة لا تكمن في تضخيم الأرقام، بل في طبيعة المنظومة نفسها. وضرب مثالًا على ذلك بالعقود العامة التي قد تُقدّر تكلفتها الحقيقية بـ80 مليونًا، لكنها تُبرم بقيمة 100 مليون، بهدف اقتطاع الفارق، في صورة تعكس آليات هدر ممنهجة للمال العام.
وأردف أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحًا جذريًا في بنية الإدارة العامة وآليات الرقابة والمساءلة، مؤكدًا أن استمرار الوضع على ما هو عليه يهدد بمزيد التراجع في مؤشرات الشفافية والتنمية.
اتساع الفجوة الطبقية
قال الإعلامي أحمد السنوسي إن جوهر أزمة الفساد في ليبيا يتجلى في اتساع الفجوة الطبقية بشكل غير مسبوق، معتبرًا أن الطبقية حين تكون نتاجًا مباشرًا للفساد تختلف جذريًا عن نظيرتها في الدول المستقرة. وأوضح أن المواطن الليبي بات يلمس هذه الفوارق في تفاصيل حياته اليومية، حتى في المناسبات الاجتماعية، ما يعكس حالة احتقان متصاعدة داخل المجتمع.
ورأى السنوسي أن المدخل الأساسي لفهم الفساد يبدأ من غياب العدالة، مؤكدًا أن العلاقة بينهما عكسية؛ فكلما تراجعت العدالة توسّع نطاق الفساد، والعكس صحيح. وانتقد آليات التعيين في المؤسسات العامة، معتبرًا أنها تفتقر إلى معايير واضحة للكفاءة والمؤهلات، بخلاف ما يجري في الدول التي تعتمد شروطًا مهنية دقيقة لاختيار القيادات والموظفين.
وأشار إلى وجود تفاوتات حادة في السياسات الاقتصادية، مستشهدًا بفارق أسعار صرف الدولار بين فئات مختلفة، ما يعكس ـ بحسب قوله ـ غياب المساواة في المعاملة وازدواجية في المعايير. كما لفت إلى معاناة المرضى، لا سيما المصابين بالأمراض الخطيرة، من صعوبات كبيرة في الحصول على العلاج داخل البلاد، في حين يتمكن أصحاب النفوذ من تلقي العلاج في الخارج بسرعة وسهولة، ما يعمّق الإحساس بالتمييز.
تغليب الواسطة والمحسوبية وغياب الشفافية
وفي ملف التعاقدات في قطاع النفط، اعتبر السنوسي أن غياب نظام واضح وشفاف للعطاءات منذ سنوات فتح الباب أمام شبهات واسعة، مؤكدًا أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تتحقق دون إرساء قواعد معلنة للمنافسة والمساءلة، وتساءل عن جدية الحكومات المتعاقبة في تبني سياسات إصلاح حقيقية، في ظل استمرار المؤشرات الدولية التي تضع ليبيا ضمن الدول الأكثر فسادًا.
كما انتقد ما وصفه بتغليب الواسطة والمحسوبية في التوظيف، مشيرًا إلى أن الانتماءات الجهوية أو القبلية أصبحت ـ وفق تعبيره ـ أداة تُستغل لتبرير ممارسات غير عادلة، بدلاً من أن تكون إطارًا اجتماعيًا طبيعيًا. واعتبر أن الفساد في ليبيا لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح منظومة تستند إلى غياب المعايير وتكافؤ الفرص.
وختم السنوسي بالقول إن كلفة هذا الواقع يدفعها المواطن الليبي يوميًا، من خلال تراجع الخدمات، وطوابير الانتظار، وتدهور مستوى المعيشة، مؤكدًا أن معالجة الأزمة تبدأ بإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة وسيادة القانون، وإرساء قواعد شفافة تضمن تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.
معالجة الفساد تتطلب دورا مجتمعيا ومؤسسيا
قال مدير إدارة الوقاية بهيئة مكافحة الفساد في طرابلس طارق بعرة، إن المقاربة التي تعتمدها الهيئة تركز بالأساس على الجانب الوقائي، معتبرًا أن ما يُطرح في النقاشات العامة يمثل تقييمًا لواقع قائم، لكن معالجة الظاهرة تتطلب دورًا مجتمعيًا ومؤسسيًا في آنٍ واحد، وشدد على أن تنفيذ العدالة ومكافحة الفساد مسؤولية مشتركة، تبدأ من داخل المجتمع نفسه، مشيرًا إلى أن المناخ العام في أي دولة يحدد مدى تقبّل الفساد أو رفضه، فإذا كان المجتمع غير متسامح مع هذه الممارسات فلن تتحول إلى ظاهرة أو جريمة منظمة.
وفيما يتعلق بتصنيف ليبيا في المؤشرات الدولية، أوضح أن تقييم الفساد يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة، متسائلًا عن مدى دقة مقارنة دولة تعيش مرحلة انتقالية وتحولات سياسية بدول مستقرة منذ عقود، وأضاف أن الفساد ظاهرة مترابطة تبدأ غالبًا من الفساد السياسي، وتمتد إلى الاقتصادي ثم الإداري والمالي، ما يستدعي تحليلًا علميًا شاملًا يراعي السياق السياسي والمؤسسي لكل دولة.
المكافحة تبدأ من مناهج التعليم
وأشار بعرة إلى أن هيئة مكافحة الفساد تتابع سنويًا نتائج مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وتعمل على دراسته تفصيليًا، لافتًا إلى أنه في العام 2023 جرى إيفاد دفعة للتدريب على إعداد مؤشر وطني لمدركات الفساد، بهدف قياس واقع ليبيا بدقة أكبر ووضع حلول عملية لمعالجة مكامن الخلل.
وأكد أن الهيئة تولي أهمية خاصة للتوعية والتثقيف، انطلاقًا من قناعة بأن الفساد لا يمكن محاربته دون نشر الوعي وتعزيز ثقافة النزاهة، مبيَّنا أن الجهود شملت التوجه نحو إدماج مفاهيم مكافحة الفساد في المناهج التعليمية، باعتبار أن التغيير يبدأ من بناء جيل يدرك خطورة الظاهرة وآثارها على الدولة والمجتمع.
وختم بالقول إن ليبيا تعاني من تراكمات طويلة الأمد في هذا الملف، تمتد لعقود سابقة، ما يجعل المعالجة تتطلب وقتًا وإرادة جماعية وإصلاحًا مؤسسيًا متدرجًا، يهدف إلى بناء بيئة رافضة للفساد وقادرة على الحد من انتشاره.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة