آخر الأخبار

استيراد المحروقات بالمقايضة يعود للواجهة.. لماذا تصر الحكومة على العودة إليها رغم إثبات فسادها؟

شارك

عاد ملف توريد الوقود والمحروقات للبلاد إلى الواجهة مع عودة الحديث حول آلية استيراد المحروقات عبر المقايضة بالنفط الخام، في وقت تُبدي فيه الأجهزة الرقابية والقضائية تحذيرات متصاعدة من العواقب الاقتصادية والمالية لهذه السياسة، مقابل إصرار حكومي على إعادة العمل بها.

وبينما تؤكد الجهات الرقابية أن نظام المقايضة أثبت فشله وتسبّب في خسائر بمليارات الدولارات، تتحدث تقارير إعلامية محلية عن توجيهات صادرة من رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة إلى المؤسسة الوطنية للنفط، تقضي باستئناف آلية تبادل المحروقات مقابل النفط الخام لتأمين احتياجات السوق المحلية من الوقود.

دعوة للالتزام بالعطاء العام

رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك شدد في خطاب إلى رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيية، على ضرورة الالتزام بنظام العطاء العام باعتباره الإطار القانوني والتنظيمي الأمثل لتوريد الوقود، لما يتيحه من منافسة عادلة، ويضمن حصول الدولة على أفضل الأسعار والجودة المطلوبة، إلى جانب الحد من المخاطر المالية والإدارية.

واعتبر شكشك أن العودة إلى آليات غير منضبطة، وفي مقدمتها نظام المقايضة، تُعد تجاوزًا واضحًا للأطر القانونية، وتهديدًا مباشرًا للحوكمة المالية.

وحذّر رئيس ديوان المحاسبة، في مراسلته الدبيية، من أن أي تأخير في تنفيذ الإصلاحات أو العودة إلى آليات سابقة غير خاضعة للرقابة قد يفضي إلى التزامات مالية وقانونية ونزاعات قضائية دولية، من شأنها الإضرار بسمعة الدولة الليبية ومركزها المالي.

وأكد أن أعمال الديوان الرقابية كشفت عن قصور ونقاط ضعف جوهرية في إدارة عقود توريد الوقود خلال السنوات الماضية.

وأوضح شكشك أن تلك الاختلالات أدت إلى تحميل الخزينة العامة أعباءً مالية إضافية، فضلًا عن هدر واضح في المال العام، مشددًا على أن أي تفسير يفيد بوجود موافقة صريحة أو ضمنية من ديوان المحاسبة على إجراءات التوريد السابقة هو تفسير غير صحيح ولا يستند إلى واقع قانوني أو رقابي.

عودة للثقب الأسود

من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي إدريس الشريف، أن الإصرار الحكومي على العودة إلى آلية استيراد المحروقات عبر المقايضة المباشرة والحجز من المنبع يمثل عودة صريحة إلى ما وصفه بـ “ثقب الإيرادات الأسود”.

وقال الشريف، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، إن نظام المقايضة ارتبط خلال السنوات الماضية بحجم كبير من الفساد والهدر المالي، مشيرًا إلى أن توجيه رئيس الحكومة بإيقاف الآلية الجديدة والعودة إلى النظام السابق شكّل صدمة في الأوساط الاقتصادية، رغم ما هو معلوم للقاصي والداني عن أضراره.

وأضاف أن هذا التطور دفع ديوان المحاسبة إلى مخاطبة رئيس الحكومة، محذرًا من خطورة الإجراء، ومطالبًا بالتراجع عنه.

فساد كبير
بدوره، كشف النائب العام الصديق الصور عن وجود خلل كبير في أسلوب مبادلة النفط بالمحروقات بأنواعها، بما في ذلك البنزين والديزل والزيت الثقيل، مؤكدًا أن هذا الملف لا يخضع لأي جهة رقابية فاعلة.

وأوضح الصور، في تصريحات سابقة في يناير الماضي، أن أسعار المحروقات ضمن نظام المقايضة لا تتوافق مع الأسعار المرجعية المعتمدة في حوض البحر المتوسط، حتى في حدها الأدنى.

وأكد النائب العام أن ليبيا تكبّدت خسائر تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار سنويًا على مدى 3 إلى 4 سنوات، مشيرًا إلى أن قيمة المحروقات ضمن نظام المبادلة بلغت 9.5 مليارات دولار في عام 2024، مقابل 8 مليارات دولار في عام 2025.

انخفاض الإيرادات

وفي السياق ذاته، ومع صدور تقرير ديوان المحاسبة لعام 2024، صرّح خالد شكشك بأن تدني الإيرادات العامة يعود إلى انخفاض أسعار النفط عالميًا، إضافة إلى استمرار العمل بنظام المقايضة خلال عام 2024.

وأوضح شكشك، في تصريح لمنصة صدى الاقتصادية، أن نظام المقايضة حال دون توريد ما يقارب 9 مليارات دينار إلى الميزانية العامة خلال عام 2024، ما شكّل سببًا رئيسيًا في انخفاض الإيرادات، وأثر سلبًا على قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على تنفيذ برامج التطوير وزيادة الإنتاج خلال عامي 2022 و2023.

تشويه للبيانات المالية
وفي تقريره عن العام المالي 2023، أكد ديوان المحاسبة استمرار آلية المقايضة، حيث بلغت تكلفتها أكثر من 41 مليار دينار، مشيرًا إلى أن صرف هذه المبالغ دون إثباتها في سجلات وزارة المالية، سواء كإيراد أو إنفاق، أدى إلى تشويه البيانات المالية للدولة وإظهارها على غير حقيقتها، وفق تقرير صدر في نوفمبر 2024.

أسعار مبالغ فيها

وفي يناير الماضي، كشفت النيابة العامة أن التحقيقات بينت الجهة المتعاقدة اعتمدت أسلوبيْن رئيسيين: مقايضة النفط الخام وإبرام عقود توريد فورية، ما أدى إلى آثار سلبية على الصالح العام تضمنت توريد محروقات من شركات غير مصنِّعة لها، وصرف ثمن كميات وقود لا تتوافق مع المواصفات القياسية الليبية، ودفع علاوات مبالغ فيها، تجاوزت الأسعار المرجعية، وهو ما أدى إلى زيادة كلفة الاستيراد بشكل غير مبرر، مع تجاهل ضوابط الرقابة اللازمة لضمان مشروعية القرارات والتعليمات المتعلقة بالمال العام.

وخاطبت النيابة العامة مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط لاتخاذ ما يلزم من تدابير، تضمنت استبدال أسلوب التعاقد الحالي بأسلوب يحقق الشفافية والكفاءة، وتعزيز شفافية الإنفاق على المحروقات من الناتج الإجمالي، وإجراء مناقصة عامة لعقود توريد المحروقات لعام 2026.

وأضافت النيابة أن نتائج المناقصة أظهرت انخفاضًا ملموسًا في قيمة العلاوات من 80 دولارًا للطن المتري الواحد إلى دولار واحد فقط بالنسبة لوقود الديزل، وما دون الدولار الواحد بالنسبة للبنزين، ما يُتوقع أن يسهم في خفض كلفة استيراد المحروقات وتوفير عشرات المليارات من الدينارات.

كما استجوبت النيابة العامة رئيسة لجنة عقود توريد المحروقات بالمؤسسة الوطنية للنفط، وأُبلغت بوجود معاملات شابها غبن فاحش في العلاوات وتجاوز الأسعار المرجعية بشكل مبالغ فيه ومجحف، كما أحاطها المحقق بالتشريعات المخالفة التي تم التعامل بموجبها أثناء توريد الوقود، فيما شرع التحقيق في تحديد مسؤولية بقية المسؤولين المكلفين بإدارة هذا الملف لضمان محاسبتهم وفق القانون.

وأكدت النيابة العامة أن هذه الإجراءات تهدف إلى معالجة آثار الإساءة في إدارة الأموال العمومية، وتعزيز متطلبات الشفافية في الإنفاق على المحروقات، وحماية الصالح العام من مخاطر الاضطراب المالي والإداري في القطاع النفطي.

حساب مقاصة
ويعود ومقايضة النفط مقابل الوقود آلية اعتمدها مجلس الوزراء في عام 2021، حيث تُسدّد قيمة المحروقات من طريق حساب مقاصة، بحيث تجري تسوية القيم المالية مع الجهات التي يُصدَّر النفط إليها والتي بدورها تورّد المحروقات.

ويخضع هذا الحساب لمراجعة ديوان المحاسبة وإدارة المراجعة في المؤسسة الوطنية للنفط، كذلك كُلِّف مكتب عالمي لفحص الحساب وتقديم شهادة تؤكد عدم وجود تجاوزات فيه، وذلك بحسب تصريحات سابقة للرئيس السابق لمؤسسة النفط فرحات بن قدارة.

وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنت، في يناير 2025، عزمها التوقف عن العمل بنظام المقايضة اعتبارًا من شهر مارس من العام نفسه، في خطوة اعتُبرت حينها استجابة للمطالب الرقابية.

وأعلن رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة في أغسطس الماضي، وقف العمل بنظام مبادلة النقط الخام بالوقود.

وقال الدبيبة “إنه وجد النظام أمامه ولم يبتدعه: “قالوا لي وقتها إن إيقاف هذا النظام سيتسبب في أزمة بنزين ووقود”.

وأشار إلى أن نظام المبادلة متوقف من بداية مارس 2025، داعيا مصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة إلى وضع حلول لتوفير الوقود دون هذا النظام.

وبين إصرار حكومي على إعادة تفعيل نظام المقايضة، وتحذيرات رقابية وقضائية من كلفته الباهظة وانعكاساته الخطيرة على المال العام والاقتصاد الوطني، يبقى ملف استيراد المحروقات أحد أكثر الملفات حساسية في ليبيا، وسط مطالب متزايدة بإخضاعه للشفافية الكاملة، والالتزام الصارم بالأطر القانونية، حمايةً للإيرادات العامة ومنعًا لمزيد من النزيف المالي.

الرائد المصدر: الرائد
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا