توقعت مجلة بريطانية أن تقف ليبيا أمام جولة جديدة من الترتيبات الانتقالية خلال العام 2026، وأن تستمر إدارة الملف الليبي من خلال إطار حوكمة دولي، مع تراكم موازين القوى الدولية وتعدد أصحاب المصلحة، مما يؤثر على فرص التوصل إلى تسوية دائمة وكاملة.
وتحدث تقرير نشرته مجلة «منارة»، الصادرة عن منتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة كامبريدج البريطانية، عن النهج الأميركي في ليبيا وإصرار إدارة الرئيس، دونالد ترامب، على اتباع نهج مغاير للنهج الذي تتبعه الأمم المتحدة، يركز على تعظيم المصالح الاقتصادية دون التزام واضح بتسوية سياسية شاملة تتوافق مع العملية السياسية للأمم المتحدة.
حسابات أميركية في ليبيا
مع ذلك، رأى التقرير، الذي نُشر أمس الجمعة، أن ما وصفه بـ«الانتهازية الأميركية وحساباتها الضيقة» ربما تثمر عن بعض المنافع التي تقيد أصحاب المصلحة على الأرض من ممارسة سلطة غير مقيدة على الثروات الوطنية.
- البعثة الأممية: توافق في الحوار المهيكل على ضرورة توحيد الميزانية وإصلاح حوكمة عائدات النفط
- تيتيه وبولس يحثان الأطراف الليبية على الإيفاء بالتزاماتها للدفع بخريطة الطريق السياسية
- «تنسيقية الأحزاب»: ننظر بريبة إلى لقاءات بولس.. وندين عقد اجتماعات إقليمية دون حضور ليبيا
وقال: «ربما تسهم السياسة الأميركية في ليبيا بشكل غير مباشر في تشكيل ظروف أكثر ملائمة تمهد الطريق أمام تسوية سياسية أوسع نطاقا وأكثر تمثيلا تعكس مصالح الشعب الليبي».
وقد حظى ملف الأزمة في ليبيا باهتمام متنامٍ خلال العام 2025 بالتزامن مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وتعيين هانا تيتيه رئيسة البعثة الأممية لدى ليبيا، وإعلان عملية سياسية جديدة تهدف إلى إنهاء الأزمة.
هذا التحول يعكس، بحسب تقرير المجلة البريطانية، اهتماما متجددا وملموسا من قِبل الإدارة الأميركية، إلى جانب جهود تيتيه، بهيكلة إطار عمل جديد لحل الأزمة في ليبيا. ومع بداية العام 2026، تبرز تساؤلات مهمة على السطح ما إذا كانت المبادرات الأميركية والأممية تتقارب في ليبيا أم تتباعد؟
نهج قائم على المصالح الاقتصادية
للإجابة عن هذا التساؤل، تحدث التقرير عن تركز النهج الأميركي في ليبيا بشكل وثيق حول المصالح الاقتصادية التي تغلب على النهج الخارجي لإدارة ترامب، حيث تنظر الإدارة إلى مختلف الصراعات الخارجية من منظور اقتصادي في المقام الأول. لهذا، تتشكل نظرة ترامب إلى ليبيا بشكل أساسي من خلال مكانتها كمنتج للنفط.
غير أن تحقيق أي مصالح أو مكاسب اقتصادية في ليبيا، بحسب التقرير، يتطلب اتباع مسارين متوازيين: الأول معالجة الانقسامات القائمة وآثارها السلبية على بيئة الاستثمار، وثانيا إبرام صفقات اقتصادية مع السلطات الليبية.
وقد أدركت السلطات في شرق وغرب ليبيا، على حد السواء، أهمية تبني النهج القائم على المصالح الاقتصادية، وسهولة التوافق مع المصالح الأميركية قبل إحراز أي تقدم في مراحل التسوية السياسية.
وقد تحركت حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» بطرابلس سريعا. ففي مارس الماضي، أطلقت المؤسسة الوطنية للنفط قائمة بالشركات المشاركة في جولة العطاءات النفطية، بينها شركات أميركية غابت عن ليبيا لأكثر من عقد من الزمان. وخلال زيارة أجراها المبعوث الأميركي إلى أفريقيا، مسعد بولس، كشفت حكومة طرابلس الإطار العام لشراكة اقتصادية استراتيجية، تشمل 70 مليار دولار من الاستثمارات.
تناقض المبادرات الأممية في ليبيا
على عكس النهج الأميركي في ليبيا، تركز المبادرات التي تقودها الأمم المتحدة على التوصل إلى تسوية شاملة ودائمة في ليبيا، تفضي إلى إجراء انتخابات وطنية، وتشكيل مؤسسات وطنية تتمتع بالشرعية الشعبية. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى السلطات القائمة في شرق وغرب البلاد كجزء من الأزمة وليس أطرافا محايدة، بحسب التقرير.
وأشارت المجلة البريطانية إلى تناقض جوهري في مناهج المبعوثين الأممين إلى ليبيا، يكمن في مرحلة التنفيذ الهادفة إلى فصل العملية السياسية عن اعتمادها على السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع، مما يتعارض مع مبدأ أن يكون الحل ليبيا وليس مفروضا من الخارج.
وقالت: «جرى استغلال هذا الشعار من قِبل بعض الأطراف، للاستفادة من الوضع القائم، وخلق معضلة جديدة، فأي تسوية تهدف إلى استبدال السلطات القائمة من خلال الانتخابات، لكن تحقيق ذلك يعتمد على تعاون السلطات نفسها التي ينبغي استبدالها».
بالتالي، كان الفشل نتيجة حتمية لأي مبادرات أو حلول تطرحها الأمم المتحدة. وللخروج من هذه الدائرة، اقترحت المبعوثة الأممية تيتيه أمام مجلس الأمن اللجوء إلى هيئات سياسية بديلة إذا فشلت الأطراف الأساسية في التعاون.
ومن بين تلك الهيئات اللجنة الاستشارية، التي أصدرت تقريرها في أبريل الماضي، وعرضت مقترحات للتغلب على نقاط الخلاف في العملية السياسية. وهناك أيضا الحوار المهيكل الذي أطلقته تيتيه في ديسمبر الماضي، ويقوم على أربعة مسارات. كما يمكن أن توفر المجالس البلدية المنتخبة حديثا شرعية بديلة إضافية لممارسة الضغط على الهيئات السياسية الوطنية، نظرا لشرعيتها الانتخابية الحقيقية.
وعلى الرغم من تلميح تيتيه المتكرر إلى استخدام آليات بديلة في حال فشلت الأطراف الرئيسية في التعاون، يبدي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ما وصفه التقرير بـ«تصلب شديد» في بعض القضايا التي تتطلب توافقا، مثل الاتفاق على المناصب السياسية، وإعادة هيكلة المفوضية العليا للانتخابات.
تباين النهج الأميركي والأممي
في ضوء ما عده تقرير مجلة «منارة» تباينا بين النهج الأميركي والأممي في ليبيا، يبرز تساؤل مهم: إلى أي مدى يمكن أن ينتج هذا التباين تداعيات سلبية أو إيجابية على التسوية السياسية؟
وقال التقرير: «تتفق أهداف الولايات المتحدة إلى حد كبير مع خريطة الطريق الأممية في مراحلها الأولى، ولا سيما تلك الرامية إلى إنهاء التشرذم المؤسسي، وتشكيل حكومة موحدة. كما تستفيد البعثة الأممية من الضغط الأميركي على الأطراف الليبية، لتحقيق تقدم. مع ذلك، قد يظهر اختلاف في وجهات النظر بين جهود الأمم المتحدة والدور الأميركي في مرحلة لاحقة».
وأضاف: «إدراكا منها لهذا التباين، سعت الأطراف الليبية إلى الفصل بين الأدوار الأميركية والأممية. الدليل الأبرز على ذلك هو نجاح الوساطة الأميركية في دفع مجلس النواب والأعلى للدولة إلى الاتفاق على تطوير موازنة موحدة على عكس الجهود الأممية التي استمرت سنوات».
انقسام الزخم حول العملية السياسية
إلى ذلك، يرى التقرير أن «الزخم الراهن للتوصل إلى تسوية سياسية ينقسم بين طرفين، يتبنى كل منهما نهجا متناقضا للآخر. هناك الإدارة الأميركية التي تميل إلى حل توافقي قائم على تقاسم السلطة، بينما لا تزال بعثة الأمم المتحدة ملتزمة بتفضيلها التقليدي للمسار الانتخابي».
وقال: «الخروج من هذا المأزق ربما لن يكون ممكنا من خلال عملية التسوية السياسية نفسها، وربما لا تتوافق إشارة تيتيه اللجوء إلى آليات بديلة مع ديناميكيات القوى العالمي، خصوصا إذ لم يحظ هذا المسار بدعم أميركي. وفي أفضل الأحوال، يمكن استخدام هذا البديل فقط للتوافق حول سلطة موقتة جديدة».
وأضاف: «تحقيق أي تقدم في عملية التسوية يتوقف على مجموعة من عوامل الضغط، أهمها نجاح النهج الأميركي المحتمل في الحوكمة المالية، الذي قد يُضعف شبكة المحسوبية ويُشجع الفاعلين على تفضيل الحلول الانتخابية، خصوصا مع انخفاض أسعار النفط عالميا مما يؤثر على العائدات المالية».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة