تواجه العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة لحل الأزمة الليبية مأزق غياب الانخراط الجاد في تسوية سياسية من مختلف أطراف الأزمة. وبينما يأخذ المسار الدستوري وتعثر التوافق بين مجلسي النواب والدولة النصيب الأكبر من النقاشات، يتراجع المسار الأمني والعسكري على سلّم الاهتمام الأممي، على الرغم من كونه مفتاح بوابة العبور الآمن لأي خريطة طريق نحو الحل.
وتوقفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بقيادة هانا تيتيه، مطولًا عند خلاف مجلسَي النواب والدولة حول رئاسة مجلس المفوضية العليا للانتخابات، وهو خلاف ساهم في تعطيل خريطة الطريق المطروحة من قبل البعثة الأممية، ودفع بها إلى حدّ التهديد بإجراءات بديلة قد تتجاوز المجلسين. وقد يحدث ذلك خلال جلسة مجلس الأمن المقبلة في فبراير المقبل.
أين موقع المسارين الأمني والاقتصادي في خريطة تيتيه؟
وعلى الرغم من أهمية التوافق بين الهيئتين، فإن مسارًا آخر لا يقل أهمية وقف عنده الرؤساء السابقون للبعثة عاجزين، ويتعلق بتغوّل التشكيلات المسلحة وخطر تهديدها لأي تسوية سياسية؛ إذ إن الاستقرار وتشكيل حكومة انتقالية يعنيان بالنسبة لها إنهاء وجودها العسكري وقطع مصادر التمويل عنها.
وتحدثت البعثة الأممية هذا الأسبوع عن استمرار المناقشات الأمنية والاقتصادية ضمن الحوار المهيكل، في إطار حراك يسير ببطء لكسر الجمود السياسي وتهيئة المناخ لإجراء الانتخابات. ويضم الحوار، الذي انطلق الشهر الماضي، 124 شخصية سياسية وأكاديمية مختلفة، ويُدار على مدى أربعة إلى ستة أشهر عبر أربعة مسارات رئيسية، تشمل الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية.
وأكدت البعثة أن مناقشات المسارين الأمني والاقتصادي تتواصل بشكل متزامن، مشيرة خلال اجتماعات الأعضاء المشاركين في «المحور الأمني» من الحوار المهيكل إلى أنها تعمل على تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة الرئيسية والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية، للحيلولة دون استخدام القوة أو التلويح بها بقصد التأثير في العملية السياسية.
وتسببت ترتيبات حكومة الوفاق السابقة برئاسة فايز السراج، ضمن خطة أممية آنذاك، في شرعنة وجود التشكيلات المسلحة عبر إدماجها تحت راية أجهزة الدولة المختلفة. كما تحتمي حتى اليوم حكومة الوحدة الوطنية الموقتة بقادة مجموعات مسلحة معاقَبين دوليًا، واستقبل رئيسها، عبدالحميد الدبيبة، مؤخرًا محمد كشلاف الملقب بـ«القصب»، المدرج على قوائم عقوبات مجلس الأمن، ما أثار انتقادات حقوقيين.
هل تستطيع البعثة الأممية تحييد دور التشكيلات المسلحة؟
وشددت البعثة على أهمية الشروع في إصلاحات داخل قطاع الأمن، ودون الكشف عن تفاصيل، قالت إن الجهود ستركز على وضع ترتيبات أمنية تضمن بيئة آمنة لإجراء الانتخابات، معززة بالتنسيق مع مؤسسات الدولة والشركاء الدوليين، وهو ما فسره البعض على أنه اعتراف بمخاوف عرقلة قادة تلك التشكيلات للعملية السياسية.
- للاطلاع على العدد «531» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويشكك مراقبون في قدرة الأمم المتحدة على تحييد دور التشكيلات المسلحة ما لم يرافق ذلك دعم دولي فاعل؛ إذ تسارع كل دولة لتحقيق مصالحها الاقتصادية والعسكرية عبر التواصل مع جميع الأطراف، سواء واشنطن أو روما أو أنقرة أو لندن أو باريس، في اعتراف ضمني غير مباشر بشرعية كل طرف ليبي.
وفي هذا السياق، بحث رئيس أركان قوات «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة»، الفريق صلاح النمروش، الأربعاء، مع مسؤول إصلاح قطاع الأمن في البعثة الأممية جهود رعاية الجانب الأمني في الحوار المهيكل، مؤكدًا التزامه بالمضي قدمًا في توحيد المؤسسة العسكرية.
وليس بعيدًا عن ذلك، اتهم رئيس الأركان في «القيادة العامة»، الفريق أول خالد حفتر، جماعة «الإخوان» بالعمل على عرقلة الحلول الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية. وقال في لقاء تلفزيوني مع قناة «الحدث الليبي»، القريبة من «القيادة العامة»، وهو الأول من نوعه منذ إسناد رئاسة أركان الجيش إليه في أغسطس 2025، إن جماعة الإخوان «تحاول ألا يكون في ليبيا جيش قوي، لأن ذلك لا يخدم مصالحها، وبالتالي لا مكان لها داخل ليبيا». وأكد أن «الجيش سيشهد نقلة نوعية في السنوات المقبلة، وقد أصبح من أقوى جيوش المنطقة، ويسيطر على نسبة كبيرة من ليبيا»، وفق تعبيره.
وبالتزامن مع ذلك، زار الفريق أول صدام حفتر فرنسا؛ حيث أبدى رغبته في تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية مع باريس، خصوصًا في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والتطوير العسكري.
مناكفات لا تتوقف بين مجلس النواب والدبيبة
وعلى المستوى السياسي، لم تتوقف المناكفات بين مجلس النواب ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، الذي تعافى من وعكة صحية ليجد نفسه في مواجهة اعتراض مجلس النواب على اتفاقية أبرمتها حكومته مع كل من قطر وإيطاليا لتطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة. واعتبر مجلس النواب أن الاتفاقية تندرج ضمن «محاولات المساس بالموارد السيادية الليبية».
ووقّع الدبيبة ثلاث اتفاقيات، بحضور رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، وتستهدف تنفيذ مشروع تطوير وتشغيل وتوسعة محطة الميناء باستثمارات تصل إلى 2.7 مليار دولار، بمشاركة شركات قطرية وإيطالية وسويسرية، لرفع الطاقة الاستيعابية لميناء المنطقة الحرة بمصراتة إلى نحو أربعة ملايين حاوية سنويًا، بما يعزز موقع ليبيا كمركز لوجستي إقليمي ضمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ويدعم حركة الصادرات والواردات.
وتوقعت السلطات أن يحقق المشروع إيرادات تشغيلية تُقدَّر بنحو 600 مليون دولار سنويًا، إلى جانب توفير نحو 8,400 فرصة عمل مباشرة، ونحو 62 ألف فرصة غير مباشرة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات اللوجستية.
وفي الأثناء، دعا رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، النواب إلى جلسة رسمية تُعقد في العاشرة صباح يوم الإثنين 26 يناير، بمقر المجلس في مدينة بنغازي، بحضور الحكومة المكلفة من مجلس النواب، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، ونائبه مرعي البرعصي، وأعضاء مجلس إدارة المصرف، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، إضافة إلى الأجهزة الرقابية. وكان المذكورون قد اعتذروا في وقت سابق عن عدم الحضور، وطلبوا تأجيل مشاركتهم إلى الجلسة المقبلة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة